لماذا يُقبّل البابا أقدامَ الفقراء؟

فاطمة ناعوت
2018 / 4 / 23

في كل عام يتكرر مشهدٌ أسطوري في ليلة "خميس العهد"، كما بالأدبيات المسيحية. وهي الليلة التي سبقت مثول السيد المسيح عليه السلام، أمام هيئة قضاة ظالمة أدانته بتهمة التجديف في الدين( حاشاه!)، فحُكم عليه بالموت صباح اليوم التالي: "الجمعة العظيمة"، أو "جمعة الآلام" حيث حمل صليبَه الخشبيّ الهائل ومشى في طريق الآلام، ثم صُلب لينزفَ دمَه الطاهرَ. وهنا تتشعّبُ روايتان. وفق أدبياتنا الإسلامية؛ لم يمُت السيد المسيح، إنما رُفع بأمر الله للسماء عزيزًا حيًّا، واستُبدل به الخائنُ يهوذا، ليُصلَب ويموت جزاءَ خيانته سيده. بينما تقول الأدبياتُ المسيحية إنه نزف حتى الموت على الصليب، من أجل افتداء البشريةَ وحمل خطاياها؛ ثم دُفن، في القبر، وقام من مواته بعد ثلاثة أيام ليصعد إلى السماء.
في تلك الليلة قبيل محاكمته عليه السلام بساعاتٍ، تناول السيد المسيح العشاءَ الأخير مع تلاميذه الإثني عشرة، ثم غسل أقدامهم، ومن بينهم يهوذا، حتى يعطيهم درسًا فلسفيًّا مقدّسًا في التواضع وقتل الكِبر في النفس. حيث هو المقدّسُ الأعلى يغسل أقدام من هُم دونه قيمةً ومقامًا ومجدًا وعلمًا.
في مصر، في عصور قديمة راقية، كان حكّامُ الدولة المسلمون يحتفلون بذلك اليوم مع أقباط مصر، فيصكّون عُملاتٍ تذكاريةً من الذهب الخالص، تُوزّع على رموز الدولة، تخليدًا لليوم المهيب. كذلك في الفاتيكان، يحتفل البابا فرنسيس بذكرى ذلك اليوم، بتطبيق نفس الطقس الفلسفيّ الأعظم الذي فعله السيدُ المسيح مع حوارييه. حيث يقع اختيارٌ عشوائي على اثني عشر لاجئًا أو سجينًا من جنسيات وديانات مختلفة منهم مسلمون وهندوس وغير ذلك، ثم يقوم البابا الكاثوليكي، بغسل أقدامهم وتقبيلها بكل تواضع ومحبة، ليُعطي للعالم رسالةً ناصعةً في وجوب شيوع المحبة والتبجيل بين كل أبناء البشرية على هذا الكوكب، مهما اختلفت الألوانُ والمعتقداتُ والأعراقُ والطبقاتُ الاجتماعية.
لماذا يقبّل البابا أقدامَ بشر لا ينتمون إليه بالقرابة ولا النسب ولا العقيدة ولا العِرق ولا الهُوية؟ وهو الرجل ذو المكانة القدسية والسياسية الرفيعة، كيف يقبَلُ أن يخفضَ رأسه وينحني بهامته حتى مستوى أقدام لاجئين وسجناء بسطاء، قد يراهم البعضُ مجرمين أو مشردين أذلاء، لا وطن لهم، بعدما هُجّروا قسرًا من أوطانهم؟ وأنا أشاهد ذلك الفيديو رحتُ أتأمل ذلك المشهد الهائل وأحاول أن أصل إلى طرح أبعد من مجرد محاكاة البابا للسيد المسيح والاقتداء بأفعاله القدسية المبجّلة. للحق كنتُ أرى البابا وهو يغسل أقدام المشرّدين ويقبّلها، كأنما كان يُقبّل صنيعةَ الله ويُمجّد ثمرةَ يديه تعالى.
الإنسانُ، كل إنسانٍ، هو صنعُ الله وثمرةُ يديه الربوبيتين. فحين تتأملُ زهرةً مشرقةً، وحين تستنشقُ شذاها، وحين تراقبُ فراشةً جميلة تخفق بجناحيها فوق الزهر، وحين تشخصُ في وهج الشمس البرتقالي أو ضوء القمر الفضيّ أو تلألؤ النجوم الألماسيّ أو سريان الغيم في السماء، فأنت تُمجّد صنع الله الإعجازي وتقول: “سبحان ربيّ ما أبدعَ صنعك!” وحين تُقبّل رأس طفل فكأنما تقول: “سبحان الله العظيم ما أجمل ما قدّمت للأرض خليفةً لك، ليُعمّر الكون ويُحسن إلى غيره من الناس!". ولكن، حين تقوم بتقبيل "أسفل" ما في الإنسان، قدميه، فالرسالةُ تكون أبلغَ وأعمق تقول: “ها أنا يا ربُّ أنحني بجبهتي، وأنا صنعتُك الكريمة، حتى تمسَّ هامتي أحطَّ وأسفلَ ما في صنعتك الكريمة: قدم إنسان آخر.”
تُعلّمنا الأديانُ كافّةٌ أن الكِبر والغرور من سمات التصدّع الروحي وفقر الإيمان. المؤمن الحقُّ لا يكون إلا متواضعًا وهو عزيزٌ، مهما اعتدّ بنفسه ومهما اعتزّ بكرامته. فالكرامة ، لا تتناقض مطلقًا مع التواضع، إنما تؤكده وتُكرسّه. فكأنما يقول البابا الحكيم لأولئك البسطاء: “إن كنتم سجناء أو لاجئين، لكنكم غالون عند الله، لأنكم صنيعة يديه. لا يعنيني أيَّ المعتقدات تعتقدون، ولا من أي أعراقٍ تنسلّون، إنما أنا أحبكم واحترمكم وأُجلُّ حتى أقدامكم، لكونكم: إنسانًا". فالإنسانُ قيمةٌ عليا في ذاته، مهما اعتقد، ومهما انتمى، ومهما كان ظرفه السياسي أو الاجتماعي. حتى الخُطاة المذنبين لهم قدرٌ ومكانةٌ في منظومة الإنسانية. يقول البابا للبشرية: “نحن جميعًا سواءٌ متساون، مسلمون ومسيحيون وهندوس، جميعنا أبناءُ الله. وأما الحروب والاقتتالات التي تحدث في العالم، فليس من صانع لها إلا تجار السلاح الذين يودون أن يزدادوا ثراء على جثامين البشر، وإن فنى العالم. فدعونا ننشر السلام والمحبة بين الناس. لأن الله هكذا يريد.”
لشدّ ما نحتاجُ جميعًا أن نتأمل ذلك المشهد المتحضّر في مجتمعاتنا العربية، فنحبُّ بعضُنا بعضًا، ونتواضعُ أمام بعضنا البعض. فالدينُ لله، والمحبة والاحترام والإنسانية للجميع.