قمر الجزائر 10

أفنان القاسم
2018 / 4 / 23

أشار سعدي إلى تاكسي يسير ببطء السلحفاة، وهو يحدق في عيني السائق، ويحاول أن يخلب نظرته، لكن السائق لم يعره أدنى التفات. أشار إلى تاكسي ثانٍ، ثم إلى ثالث، رابع، خامس، سادس، سابع، ثامن... حتى تفضل العاشر أو الحادي عشر بالتوقف. أراد أن يأخذ مكانًا في الوراء طبقًا لِلِّياقة، لكن السائق "المهان" استشاط: "يا قحبة الخراء!". أمره بالجلوس إلى جانبه، فليسه سائق أبيه: "يا قحبة العصر!". في نفس اللحظة، في تاكسي آخر، كان سائق يستشيط ضد شابة غير محجبة، كانت تريد الجلوس في الأمام إلى جانبه. بالنسبة له، الاحتشام يفرض أن تركب في الوراء: "يا قحبة الشبيبة!".
كان الراديو يولول، ويقولون عن ذلك أغانيَ! ثم أخذ صحفي يلعلع، ويقولون عن ذلك أخبارًا! كان يذيع أخبارًا بلغة مشوهة وغير مفهومة عن الثورة والشهداء وأبناء الثورة وبنات الشهداء. كان يعني الشعب الجزائري الشهيد والمواطنين الغالين الذين بقوا أحياء والذين يطالبهم بالتضحية بأنفسهم للتغلب على الصعوبات "الصغيرة" و "الطبيعية" للاستقلال، لأن الرخاء والهناء العام لن يكونا دون صعوبات. صعوبات الجزائر المسلمة والاشتراكية سَتُذَلَّل بفضل رجال ونساء وقطط وكلاب وجرذان وصراصير وعُثَّات و... كل بلد لا يواجه صعوبات ليس ببلد، بحصر المعنى، ليس ببلد جدير بهذا الاسم، والجزائر لن تعرف الصعوبات! "كم هي مغفلة، الحياة!".
استشاط سائق التاكسي، وضرب قبضته بعنف على الراديو: "يا قحبة الأخبار!". أوجع يده، وتقلص وجهه من الألم. بدا كالسعدان، وما لبث أن راح يزعق. أشار بإصبعه إلى سيارة مرسيدس سوداء آخر موديل يسوقها عسكري، وكأنها سيارة عروس تصعد الشارع الشهير الشانزلزيه. "أريد واحدة، سيارة قحبة هكذا!"، قال. "ولتكن نهاية الجزائر، العالم العربي، العالم كله، ولن أشعر عليها بالتعاسة!".
ثم همهم:
- ستكون لك مرسيدس قحبة لما ينوِّر الملح، يا محمد!
- هؤلاء هم الجبارون، تدخل سعدي، أرباب الجيش، مَنْ غيرهم؟ هذا هو عالمهم! لهم المرسيدس، لهم الفيراري، لهم...
- الجيش؟ قلت الجيش؟ لا دخل للجيش في الأمر، يا قحبة القحبة! إنهم أقوياء الإف ال ان، ليس غيرهم. السيارات، القصور، البنات للنيك بالعشرات، الأطياز الحلوة حلوة... يا قححححححححبة!
- لكن هل رأيت من كان يسوق المرسيدس السوداء؟
- على زبي من كان يسوقها. واحد من قحاب سائقيهم. مَنْ غير؟
- كان عسكريًا، كانت سيارة جنرال، إذا تريد أن تعلم.
- لا، بلا مزاح! أنت ضد العسكر، كما أرى.
- أنا لست ضد العسكر، أقسم لك، الدخول في الجيش حُلمي، لكن...
- على زبي قحبة حٌلمك.
- ليس على زبي أنا.
- وأنا، أريدك أن تنزل هناك، عند المنعطف.
- لا تزعل، هيا. هذا فقط لأقول لك إن الأقوياء الحقيقيين يختبئون خلف المزيفين الذين لهذا ليسوا أقوياء اقل من الحقيقيين. مسألة خلط الأوراق، فقط.
- حقيقي، مزيف، أكثر، أقل... يتكلم جيدًا، يا قحبة القحبة! أنا كذلك أستطيع أن أتكلم جيدًا بجودة كلام قحبة، ماذا أقول، قحبة لوميير ذاك!
- موليير.
- لوميير، قحبة، لوميير! لا تعمل حمارًا كمثقفي الخراء الآخرين!
- إذا شئت. لوميير.
- اسأل أمي، تقل لك لوميير. أمي لا تعرف القراءة والكتابة، لكنها مثقفة أكثر من كل مثقفي الخراء. وهي مغنية، صوتها أجمل من كل الأصوات التي نسمعها في الراديو. آه! أمي. يا عجب العجب ألا تعرف شيئًا عن أمي، عن صوتها الأكثر عذوبة، عن عِلْمِهَا الأكثر عِلْمًا! جهل أمي أكثر عِلْمًا من عِلْم كل مثقفي الخراء! لوميير، ستقول لك لوميير. ولوميير هذا لا علاقة له بكل جنرالات كل الخراءات! يا قحبة الجنرالات، يا قحبة الشوفيرية، يا قحبة الحياة... الحياة بلا مرسيدس ليست حياة!
- اسمع، أشرح لك. الجنرالات، هؤلاء الأقوياء الحقيقيون، يخبئون فسادهم خلف فساد قادة الإف ال ان، المزيفين بين قوسين. هكذا التفاهم كامل بينهم. استقرار الدولة يأتي من هنا. بالمقابل، يستعد الفيس ليأخذ السلطة. أكتوبر، تذكره، لم يكن سوى بالون تجارب لسحب البساط من تحت قدميه في اللحظة المناسبة. عند ذلك، دولتنا العسكرية، ستبدي عن وجهها الحقيقي.
- حقيقي، مزيف، أكثر، أقل، يا قحبة...
- لم تفهم، ليس خطيرًا، هذا كالجميع.
- أمي القحبة ولدتني هكذا، غبيًا، هذا ما تريد قوله؟
- لا، أمك لا علاقة لها بكل هذا، إنهم هم. وهذا خطير، خطير جدًا. يعقدون الوضع إلى أية درجة! أحزاب عديدة –مائة وعشرون على الأقل، كقبائل زمان، كقطعان أبي- جرائد عدة، ديمقراطيات عدة. نعم، يمكننا قوله، الديمقراطية البرجوازية، الديمقراطية الشعبية، الديمقراطية العسكرية. هل سمعت في حياتك بديمقراطية عسكرية؟ لأن في الواقع ليس هناك سوى بديل واحد لكل قحبة الخراء كما تقول: جزمات الجيش.
- على جزمتي، صاح السائق بجنون مفاجئ، قلت على جزمتي، على جزمتي الجميلة جزمة الخراء الكبير!
- ما بِكَ؟ اندهش سعدي.
- أريدك أن تنزل هنا، وفي الحال.
- لكني لم اصل بعد.
- أريد أن أشتري لحمًا من قحبة المجزرة تلك، هناك. الناس يشترون اللحم مرة كل عشرة أيام، وبعضهم لا يشتريه إلا في الأعياد. أنا، أريد أن أشتريه كل يوم، رمى السائق كما لو كان يريد أن يهزم الرب الشيطاني الذي كانه الأكل. أريد أن آكل لحمًا كل يوم، ليكون كل يوم عيدًا لي، قحبة عيد خراء أبدي. أريد أن ألتذ به، أن أنتعظ به، أن أصرخ من اللَّذة، وأنا ألتهمه، كما لو كان لحم امرأة بين أسناني، كما لو كان ثديها، كتفها، ذراعها، بطنها، خصرها، ردفها...
- ضعني أبعد بقليل، وسأواصل على قدميّ، يا دين الرب!
- لا.
- هذا يُخَرِّي في نهاية الأمر!
- لكن إذا ألححت، فما عليك سوى انتظاري.