أنا ... وأيار MAI 68

غسان صابور
2018 / 4 / 21

أنـــا... وأيــار 68 Mai...

ثـورة شهر أيار 1968 كانت بالنسبة لي أنا الذي قضيت طفولتي وفتوتي وبداية شبابي, في سوريا قبل جلاء الفرنسيين منها.. وبعد الجلاء... ولما ضاقت بي كل نوافذ الأوكسجين.. هاجرت إلى فرنسا نهائيا بالستينات من القرن الماضي... وأعدت دراسة كل قناعاتي إلى نقطة الصفر... وبدأت تعلم الحياة والفلسفة والسياسة.. وخاصة التعمق بكل ما يتعلق بحرية الفرد أو الإنسان... وانخرطت كليا بأحداث أيــار ــ مــايــو 1968 بجميع طاقاتي وأفكاري وظمأي لتفهم كلمة " حـــريـــة Liberté "... واليوم بعد خمسين سنة أتطلع إلى هذا البلد الذي حضنني بعد سنوات من هذا التاريخ.. وتغيراته الإيجابية والسلبية وتناقضاته السياسية المختلفة من ديغول إلى ماكرون... ببعض غــصـة... ولكن بدون أي ندم... لأن حريتي وثقافتي الحقيقية وفلسفتي ونظرتي وتحاليلي للمجتمع والعلاقات الإنسانية.. والــحــب والصداقة وكل الأحاسيس الطبيعية الإنسانية.. تعلمتها هنا... ولا بأي مكان آخـر..

وكل ما عشته بالسابق.. كان محرمات وعوائق وممنوعات.. تحجب النظر والفكر والتحليل وأبسط حريات الاختيار الطبيعية...

وهنا... وهنا عندما أنظر إلى اللاشيء المتبقى من أيار 68 الفرنسي.. تراجع اليسار.. تراجع النقابات.. حتى الحزب الاشتراكي الذي خطفه الرئيس السابق ميتران ووصل إلى الحكم بواسطته.. اختفى وانحل وراء الرئيس إيمانويل مـاكــرون... ولم يتبق سوى بعض التجمعات الشعبية والعمالية وعدد نادر جدا من الأنتليجنسيا والفنانين إلى أقصى اليسار وألأناركية.. تحت تسمية La France Insoumise فرنسا الرافضة.. فرنسا الغير مطيعة.. فرنسا المنتفضة.. تعاكسا مع غالب أحزاب اليسار واليمين والوسط التي تبعت مــاكــرون كالقطيع.. بحثا عن المكاسب والمناصب.. سواء بالوزارات أو المجالس المحلية والنيابية.. أو بالمؤسسات العامة والخاصة التي تشرف عليها الدولة... ومن المعروف أن غالب مؤسسات الإعلام الضخمة التي يملكها مليارديرية معروفون وبعض العائلات العتيقة التي تملك أقدم البنوك... وضعت كل طاقاتها من أربعة سنوات قبل الانتخابات الرئاسية والنيابية.. بـخــدمـة المرشح مـاكـرون ومن تبعه تحت شعار La République en Marche الجمهورية السائرة.. أو الجمهورية الماشية.. وبعد سنة تقريبا من وصول السيد ماكرون إلى السلطة التي حملت شعار لا يمين ولا وسط ولا يسار.. تبين أن الجمهورية سائرة.. بــاتــجــاه أصحاب الرأسمال والبورصة.. وسياسة الاتحاد الأوروبي المركزية في بروكسل.. والتي خلقت لخدمة الرأسمال والنظام الرأسمالي فقط... وها هي تبيع المؤسسات الحكومية الكبيرة التاريخية واحدة تلو الأخرى.. للشركات الرأسمالية والتي سوف تخلق أكبر أزمات البطالة التاريخية.. وقبل حلول الذكرى القادمة لأيار 68 أو لعيد العمال القادم بأول أيار 2018 فرنسا.. ها هي غارقة من مدة شهر تقريبا بإضرابات بمؤسسة سكة الحديد.. بشركات النقل.. وبجميع المستشفيات.. وخاصة بالجامعات الفرنسية التي تتقلص ميزانياتها سنة عن سنة... مع اختفاء جميع التسهيلات التي كانت تضمن جميع الفرص بجميع الفروع والاختصاصات لجميع حملة البكالوريا... مما يخشى تكاثر الغضب والاعتصامات والإضرابات بجميع المدن الفرنسية.. هذا الأسبوع وأسابيع شهر أيار القادم... وخاصة أن الوزارة الماكرونية تتظاهر بالمفاوضات مع النقابات المسؤولة وبعض أطراف ما تبقى من المعارضة البرلمانية... ولكنها تتابع برامجها بتحويل غالب المؤسسات العامة إلى مؤسسات خاصة.. بعد تجزيئها وتقسيمها وتفتيتها.. وبالتالي بيعها للقطاع الخاص........

يعني : إصرخوا.. أضربوا.. تجمعوا... إعترضوا... ولكن الدولة الماكرونية بسلطات رئيسها وحلقات أكثريته البرلمانية الساحقة.. تفعل ما تشاء من تغييرات اقتصاديه ومالية وقانونية.. حسب ما ترغب وما تشاء!!!...

جل ما أخشى من تكاثر غليان طنجرة الشارع بمختلف درجاته وعلى اختلاف تشكيلات المطالب.. وتكاثر الفقر (عشرة ملايين شخص بفرنسا.. يعيشون تحت خط الفقر... )... والفقر بــفــرنــســا.. ظــاهــر... يـــتـــأمـــرك!!!... بمقابل كروش تنتفخ بالمليارات سنة إثر سنة... اللاعدالة الاجتماعية التسابقية التزاحمية تتمركز بــفــرنــســا... منذ بداية رئاسة ساركوزي.. مرورا برئاسة هولاند.. وتغرس قوة قواعدها... الرأسمالية الوقحة الاقتحامية بوضوح وازدياد منذ الشهر الأول من رئاسة مــاكــرون... ومما لا شـك فيه أنها بعد أقل من سنة.. تفتح أمامها أوتوسترادات واسعة لتكرار رئاسة ثانية... رغم الاعتراضات المخنوقة وتكاثرها.........

***************

عــلــى الـــهـــامـــش :

ــ الــهــدايــا الــفــرنــســيـة

La Légion d’Honneur

قرر الرئيس ماكرون ووزير خارجيته لودريان.. ســحــب هذا الوسام الفرنسي الرفيع الذي أهداه الرئيس شيراك بزمانه إلى الرئيس الشاب آنذاك بشار الأسد, والذي كان جوابه الفوري والآني بأنه ليس على استعداد لحمل وسام دولة تابعة ــ عبوديا ــ لمشاريع الولايات المتحدة الأمريكية...

وهذا يذكرني أيام الطفولة بباحة المدرسة الخاصة الفرنسية التي تهتم بأبناء البورجوازية السورية الغنية, من درجات مختلفة بالغنى.. حيث كان أولاد هذه الزبدة, ورغم انتماء عائلتي لها.. كنت أعاديها وأروعها مدافعا عن الأطفال الضعفاء.. لأن أولاد الأغنياء كانوا يعيرون لهم لعبهم الثمينة.. طالما أولاد الطبقات الأدني يشكلون حولهم حلقاتهم المطيعة.. ولما يثورون عليهم وينتفضون من تراكم الإهانات والمذلات.. يطالبونهم بلعبهم الثمينة.. ويستعيدونها...

وهنا أتذكر عشرات الأوسمة والهدايا التي أهدتها السلطات الفرنسية إلى الرئيس الراحل صدام حسين.. ثم شاركت أمريكا بكل عمليات قتله.. وتفجير بلده.. وبعده المرحوم معمر القذافي الذي استقبله الرئيس السابق ساركوزي كالقيصر الغضنفر.. مانحا إياه أرفع الأوسمة والهدايا والنعوت الإنسانية.. وبعد فترة قليلة تــآمـر عليه وسهل عملية اغتياله... وفجر بلده إلى باندوستانات فوضوية.. ضاع فيها كل قانون وأمان وسلطة...

ومن الجدير بالذكر أن هذا الوسام الرفيع المستوى الذي خلقه الأمبراطور نابوليون.. لأبطال جيوشه وضباطه وجنرالاته, لبطولاتهم بالمعارك التاريخية... أصبح كعديد من الهدايا اللماعة المظهرية تهدى للأحباب والأصحاب من جميع المستويات.. بلا أية بطولة.. سوى الدخول بالحلقات الخادمة المطيعة.. بشرط أن تبقى خادمة مطيعة.. مع كل أسفي وحزني لكل السلبيات التي تكاثرت وازدهرت وأينعت خلال الخمسة عشر سنة الأخيرة... بهذا البلد فرنسا الذي اخترته وطنا وفلسفة وعقيدة.. منذ خمسة وخمسين عاما.. رغم تناقضاته.. ولا أغيره لقاء الــجــنــة!...

وإني أنصح جميع المسؤولين والسياسيين الأجانب.. تجنب الأوسمة والهدايا التي توفرها لهم السلطات الفرنسية.. من وقت لآخر...لأنها غالبا تصبح عقد ولاء من عبد لسيده.. وحتى كالطوق الجلدي الذي يوضع هنا على عنق الكلاب والقطط حاملا اسم وعنوان أصحابهم... وخاصة ــ بهذه الأيام ــ لجميع المسؤولين والسياسيين والخدام الموالين من البلدان العربانية المختلفة المتصارعة المتقاتلة المتضاربة طائفيا.. وغيرها من التسميات المخيفة المهزوزة المضطربة اليوم.. وغدا.. وبعد غد!!!...........

بــــالانــــتــــظــــار...

غـسـان صــابــور ــ لـيـون فــرنــســا