حوار مع السفسطائي الديني 2

أيمن عبد الخالق
2018 / 4 / 17

حوارمع السفسطائي الديني ـ2
" العاقل يأتى بأفكار والجاهل يحظرها" ...............هاينرش هينه
o السفسطائي الديني: كنا نتحدث في الجلسة الأولى عما سميتموه بقواعد الحوار البنّاء، ولفت نظري كلامكم عن الموضوعية، والتي فهمت منها الحيادية عن أي اعتقاد مسبق، وقد فكرت كثيرا طوال الأسبوع في هذا الشرط، فلم أجد أحد يلتزم به في أي حوار فكري، مما يدل على استحالة تحققه، لاستحالة تجرد الإنسان عن اعتقاده المسبق أثناء الحوار، لأنه يتنافى مع أضعف مراتب الإيمان، فضلا عن أقواها وأشدها كما هو الحال عند المؤمنين الحقيقيين الصادقين.
• الفيلسوف: أنا اتفق معك في صعوبة الأمر، وهذه الصعوبة في الواقع ليست مختصة بالمتدينين، بل بكل أصحاب الاتجاهات الفكرية سواء اليمينية منها أو اليسارية، فكل إنسان بطبيعة الحال يعتز باعتقاده، ويدافع عنه، ويسعى دائما لتصديق مايحب أن يصدقه، وهذا خلاف الموضوعية، بل خلاف الإنصاف، ومثل هكذا إنسان لايمكن أن يكون طالبا للحقيقة والواقع...ولكن الأمر أسوء حالا بالنسبة لأصحاب الاعتقادات الدينية.
o السفسطائي الديني: لا لا على كيفك شوية...إحنا بدأنا بالهجوم ولا إيه؟!
• الفيلسوف: لا أبدا ياأخي العزيزليس هناك أي نية للهجوم، فأنا لست مجادلا بل محاورا وباحثا عن الحقيقة، وأنا أحبك واحترمك كإنسان، وإن كنت لاتبادلني نفس الشعور.
o السفسطائي الديني: إذن لماذا جعلت المتدين أسوء حالا من غيره؟
• الفيلسوف: أنا لم أقصد شخص المتدين، ولكن طبيعة الاعتقاد الديني طبيعة مقدسة في نظر صاحبها، وغالبا مايتوهم الكثير منهم أنها هي عين مايريده الله ورسوله، الأمر الذي يضفي عليها القدسية عندهم، وبالتالي يكونون أكثر تعصبا وحساسية من غيرهم، ويجعلهم يرون كل من يخالفهم في حكم الكفار أو المرتدين، بل يسلبون عنهم الإنسانية كما فعلت أنت مع الفلاسفة...وأما أصحاب الاتجاهات الفكرية غير الدينية، فهم وإن كانوا متعصبين أيضا لآرائهم ، ولكن في نفس الوقت لايرونها مقدسة، ولايكفرون من يخالفهم، بل فقط يخطئونهم، أو يعتبرونهم منحرفين فكريا لاغير.
o السفسطائي الديني: على أي حال هذا هو مقتضى التدين والإيمان بالله، وهذا هو التعصب المقدس...وكيف يمكن أن يكون حال الإيمان بالله ورسله، كحال الإيمان بكارل ماركس وجون لوك، وكيف تساوي بين الخارج عن الدين، وبين الخارج عن الشيوعية أو الليبرالية.
• الفيلسوف: إذن أنت تؤيد كلامي، وما أردت إلا توصيف حال المتدين المتعصب، وأنت تسميه بالتعصب المقدس، وهذا مايجعله أبعد عن الموضوعية.
o السفسطائي الديني: ولكنكم أنتم أيها الفلاسفة متعصبون أيضاً لآرائكم الفلسفية، فكيف تزعمون الموضوعية؟!
• الفيلسوف: نحن لسنا متعصبين، لأننا ربينا أنفسنا منذ البداية بالتربية العقلية، حيث بدأنا من نقطة الصفر والشك المطلق، واعتمدنا المنهج العقلي البرهاني كطريق وحيد لكشف الواقع، وجعلنا هدفنا الوحيد هو الوصول إلى الواقع في نفسه مهما كلف الأمر، وعودنا أنفسنا على أن نستدل أولا ثم نعتقد، لا أن نعتقد أولا ثم نستدل كما يفعل غيرنا.
o السفسطائي الديني: ولكن في النهاية لديكم اعتقادات وتحبون أن تكون صادقة، وهذا يجعلكم كغيركم، ويفقدكم الموضوعية.
• الفيلسوف: نحن لانحب إلا الواقع، ولاشيء غيره، فنبحث عنه، ونحب أن نكون واقعيين لاغير، وإذا تبيّن لنا أن اعتقادنا خلاف الواقع ، فلن نتردد لحظه واحدة عن العدول عنه، والتسليم بالواقع، مهما كانت النتائج، وهذه هي الموضوعية.
o السفسطائي الديني: هذا مجرد إدعاء...فهل يمكن أن توضحوا كلامكم أكثر
• الفيلسوف: هناك نوعان من الطرق لتكوين الاعتقاد، طرق عقلية علمية منطقية تبحث عن الأسباب الذاتية للأشياء، كالبراهين العقلية المحضة المبتنية على مبادئ فطرية بديهية واضحة عند العقل كالتي يعتمدها الفلاسفة، وكالتجربة العلمية الحسية التي يعتمدها علماء الفيزياء والأحياء والطب، أو كالبراهين الرياضية التحليلية التي يعتمده المهندسون والرياضيون..وهناك في المقابل طرق أخرى غير علمية يعتمدها أكثر الناس في بناء آرائهم واعتقاداتهم، كالاعتماد على التقليد العرفي، أو التلقين الديني، أو الاستحسان الشخصي الذوقي، أو المنهج البراجماتي المصلحجي، وكل هذه الطرق غير العلمية لايمكن أن تضمن لك المعرفة الواقعية أبدا.
o السفسطائي الديني: يعني أنت تريد أن تتهمني وتتهم المتدينين، بأنّ اعتقاداتهم تلقينية غير علمية، وبالتالي غير واقعية، وهل هذا إلا الكفر والضلال.
• الفيلسوف: أنظر كيف تنفعل، وتكفّر من يخالفك بكل بساطة...أنا لا أريد ان أتهم أحد بعينه، ولا أميل إلى تعميم الأحكام كما أخبرتك قبل ذلك، وأما أنك كيف حصّلت اعتقادك، فهذا ماسيتبين من خلال الحوار.
o السفسطائي الديني: لابأس...ولنصبرنّ على ماآذيتمونا... إنّ الله مع الصابرين...ولكن قل لي ماعلاقة ماذكرتموه بالموضوعية التي تدعونها؟
• الفيلسوف: لأنّ من حصّل اعتقاده بنحو فلسفي أو علمي، فسيكون اعتقاده راسخا، وناشئاً من أسبابه الذاتية المتعلقة بنفس الموضوع، لا ناشئة من الأنس والعادة والمصلحة، وبالتالي لن تكون هناك ضغوطات نفسية أوعرفية، مذهبية أو مصلحة شخصية أو فئوية تدعوه إلى التعصب الأعمى لاعتقاده، كما هو الحال في الطرق غير العلمية.
o السفسطائي الديني: يعني هذا هو السبب في نظركم؟
• الفيلسوف: بالتأكيد...ولذلك تجد أنّ حوارات الفلاسفة، والأطباء والمهندسين فيما بينهم غالبا ماتكون محترمة ومثمرة، على خلاف حوارات أصحاب العقائد الدينية والاتجاهات الفكرية الاجتماعية والسياسية التي غالبا ماتكون عقيمة ، ومحفوفة بالمهاترات، والشجارات.
o السفسطائي الديني: هذا أمر طبيعي، لأنّ موضوعات الفلاسفة والأطباء والمهندسين غير مقدسة، وليست فيها مصالح اجتماعية أو سياسية.
• الفيلسوف: وهكذا ينبغي أن تكون حواراتنا الدينية والفكرية يا سيد يامحترم.
o السفسطائي الديني: يعني كحوارات الأطباء والمهندسين...هذا محال.
• الفيلسوف: إذا كان محالا، فلامعنى لأن يكون هناك حوار إنساني متمدن وبنّاء، وستظل حوارتنا الفكرية عقيمة، وغير محترمة، وليست إلا مجرد ثرثرة فارغة.