ماذا يشغل القوى السياسية العراقية اليوم ؟

صادق محمد عبد الكريم الدبش
2018 / 4 / 11

العلمانية ... وفصل الدين عن الدولة ..

ماذا نريد بمعنى العلمانية ؟...
تعني العالم وليس العِلمْ .. وتشير الى معان متعددة ..

1- التوجه الأول يستمد من الخيال التاريخي الأوربي في هجر خرافات المجتمع والكنيسة ، وتحكيم العقل والاعتماد على مقولات العلوم التجريبية .
2- إبعاد الدين عن التدخل في ممارسة الحياة المدنية وبخاصة في التعليم والسياسة ، وتأمين حرية المعتقد الشخصي .
3- رفض الاعتراف بكل ما هو خارج العالم المحسوس ، وهو موقف فلسفي أكاديمي ، واقتصار مصدرية القيم على البشر واختزال الحقيقة الى عالم المادة .

ومن جملة ما ثارت به العلمانية على الكنيسة ، هو قضية الحرية الشخصية والتمييز بين العام والخاص ، كحل لمشكلة تسلط الكنيسة وتدخلها في الأمور الشخصية .

وتدعي العلمانية أن النظام العام يجري وفق طرائق عقلانية علمية محايدة ، وأن يترك الحيز الشخصي والتدين للذوق الخاص والاختيار الفردي .

وتأكد العلمانية على الحرية التامة للحريات الخاصة ، وأن قضايا الدين والتدين يجب أن تحصر في الفضاء الخاص ، وأن يخلو الفضاء العام من أي أثر للتعاليم الدينية .

بالإضافة الى الاعتقاد .. يُقْمَع الفرد وتكبل طاقاته وحريته ، فإن العلمانية تؤكد أن حصره في المجال الفردي ضروري للتألف الاجتماعي ، لكي لا يتصارع أتباع الأديان والمذاهب فيما بينهم في المجتمع الواحد .

إن أصل فكرة فصل الدين عن الدولة ، هو فصل الكنيسة عن الدولة ، وهذا يُفْهَمُ على وجهيين :
الوجه الأول هو عدم إخضاع الفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، لاحتكار سلطة دينية لها مؤسساتها البيروقراطية المستقلة عن المجتمع ( إداريا وماليا ) ولها أسس سيادة متميزة ومختصة بذاتها .

أما الوجه الثاني :
فهو فصل الدين عن المجتمع ، أو فصل المبادئ الدينية عن الحياة ، أو حجب الأسس الأخلاقية من أن يكون لها قولة في إدارة شؤون الناس .

لقد شاركت الكنيسة الملوك في الحكم ، ونافستهم على السلطة والثروة .

واليوم في العراق فإن المؤسسة الدينية وأحزابها من الإسلام السياسي ، فهم اليوم من بيدهم السلطة والمال والسلاح ، ويتحكمون بمصائر الناس ويفرضون رؤاهم وفلسفتهم ونهجهم على المجتمع وبشكل قسري وفاضح .

ويمارسون ابتزاز الناس وتجهيلهم وتحجير عقولهم !!..
وتلاحق من يختلف معهم رؤيتهم وما يعتقدون ، وتتهمهم بالكفر ومخالفة الشريعة والدين ، مثلما كانت تمارسه الكنيسة من حرمان وقهر وقتل وحرق وتعذيب من يخالفها .
والذي زاد في حدت الصراع في البنية الفكرية للكنيسة ، ونتج عنه ظهور حركة الإصلاح في المؤسسة الدينية ، ونشبت جراء ذلك الحروب الطاحنة بين الطوائف في المجتمعات الأوربية ، ودخلت في نزاع متعدد الأبعاد ، ومتشابك المصالح بين الأمراء والملوك والنبلاء ، وبين السلطات الدينية المدافعة عن الكنيسة والمناهضة لها .

وهذا هو الوجه الأول لمفهوم الفصل ، ويتضمن رفض مبدأ القاعدة الثيوقراطية للدولة ، وقد فعلت أوربا خيرا في رفضها مبدأ الحكم المقدس ، الذي يتسلط على ضمائر الناس ، والذي حرر الدين من السياسة بعد ما حرر السياسة من الدين في الحضارة الغربية .

واليوم تتكرر نفس المأساة في عراق اليوم ومناطق أُخرى !..
من خلال تصدر وقيادة الدين السياسي وأحزابه الراديكالية ، للسلطة والمجتمع وتغييبهم للحرية الفردية وحرية الضمير والمعتقد ، وإشاعة ثقافة التدين وفرض نصوصه وثقافته على المجتمع العراقي ، والذي سيخلف نتيجة ذلك ، لتراكمات واهوال يصعب التنبؤ بهذه النتائج ، إذا لم يتم التصدي لها والخروج من عباءة الدين والتدين كثقافة وفلسفة ونهج مفروضة على الدولة والمجتمع .

أما الوجه الثاني لمفهوم فصل الدين عن المجتمع أو ( فصل المبادئ الدينية عن الحياة ) أو حجب الأسس الأخلاقية عن إدارة شؤون الناس ، فإنه متهافت نظريا !.. وغير ممكن عمليا .

أن تمكن الإسلام السياسي في العراق ، من الإمساك بالسلطتين الدينية والسياسية ، ومنذ اثنتا عشرة سنة ، قد ألحق بالعراق وشعبه أفدح الخسائر ، وشرذم المجتمع الى طوائف ومذاهب وأديان ومناطق ، وأدى ذلك الى حروب طائفية كارثية أودت بحياة الألاف ، نتيجة شيوع ثقافة التمذهب والعنصرية والطائفية ، ونمو ثقافة الرؤيا الدينية المتعصبة والعنصرية ، وشيوع لفلسفة الإلغاء ، ونشر ثقافة التدين لتحقيق منافع شخصية وذاتية ، وتسفيه للدين ولقيمه السمحاء ، وفرض لشعائر واستحداث مناسبات لترهيب الناس وتخويفهم إذا لم يستمعوا لدعوات رجالات وفقهاء ودعات قادة الإسلام السياسي ، وفرض هذه الفبركة والنصوص والمعتقدات على المجتمع ، وهذا تغييب للعقل وإلغاء لكل رأي مخالف ، أو لمن لا يؤمن أصلا بالدين ولا بالتدين ، أو له رؤياه المختلفة في ذلك !..

لا خيار أمام شعبنا وقواه الديمقراطية والوطنية ، غير فصل الدين عن الدولة وعن السياسة ، وقيام دولة وطنية ديمقراطية علمانية ، تحمي الدين والدولة في الوقت نفسه .

إن هدف قوى الإسلام السياسي هو السلطتين الدينية والدنيوية والجمع بينهما ، وهم لا يخفون هذه الحقيقة ، للاستحواذ على المال والجاه ، الذي هو غايتهم وهدفهم ، مستخدمين الدين وعباءة الدين للوصول الى هدفهم ، مستغلين تأثيره على ضمائر الناس وخاصة الفقراء والأميين ومتدني الوعي ، للتأثير على مشاعرهم من خلال الدين وما يوعدون به في العالم الأخر، وتخويفهم بجهنم والقصاص في اليوم الموعود !!..
وهي عملية ديماغوجية مظللة وخادعة .

المجتمع لا يمكنه الخروج من هذا المستنقع الأسن والمهين للكرامة الإنسانية ، إلا بإدراك السواد الأعظم من الناس لمسؤولياتهم وحقيقة ما يعيشونه من ذل وهوان وجوع وبؤس على يد هؤلاء الفاسدون !..
من خلال تطور وعيهم واحساسهم بمسؤولياتهم وإدراكهم ومعرفتهم أين تكمن مصالحهم ومع من ، فيساهموا بشكل فاعل وبناء في عملية إعادة بناء الدولة العادلة والمنصفة والديمقراطية .
والتوحد في صفوف القوى الديمقراطية والوطنية ، والسير معا لتحقيق هذا الهدف ، وإنقاذ العراق وشعبه من الذي هو فيه .