الانتخابات العراقية !.. ولعبة الأرنب والغزال !..

صادق محمد عبد الكريم الدبش
2018 / 4 / 10

الانتخابات العراقية !.. ولعبة
الأرنب والغزال !..

هذه الأيام التي تسبق انتخابات 12 أيار 2018 م في العراق ، معركة حامية الوطيس بين القوى المتربعة على دست الحكم منذ اثنتا عشرة سنة ، والتي تسعى وبكل الطرق المشروعة وغير المشروعة ، للعودة والاستيلاء على مقاليد السلطة من جديد لأربع سنوات قادمة ، بالرغم من فشلهم الذريع في إدارتهم للدولة والمجتمع ، وما ارتكبوه من مخالفات وجرائم ومثالب يشيب لهولها الرضيع .
ولا نريد أن نعيد عليكم تلك السنوات العجاف !..

الحرب الطائفية بين أعوام 2005 وحتى 2014 م ، وما عاناه شعبنا على أيدي الميليشيات الطائفية الشيعية ، والتي ما زالت تعبث بأمن البلاد حتى يومنا الحاضر ، وما ارتكبته المنظمات الإرهابية من جرائم يندى لها الجبين ومنها ( القاعدة .. وكتائب ثورة العشرين ومنظمات ما يعرف بأتباع الطريقة النقشبندية وغيرهم ) والذين عرضوا شعبنا وبلدنا الى خسائر مهولة ومروعة بالمال والانفس ، وبأمن واستقرار وراحة المجتمع بشكل عام .

وما حدث في العاشر من حزيران 2014 م وتدنيس داعش والمتواطئين معه من الذين يريدون الشر للعراق ولشعبه ، والمعادين له في الداخل والخارج ، الذين احتلوا ثلث مساحة العراق لما يربوا على اربع سنوات ، وما أحدثوه من سبي وقتل وخراب وإرهاب في مناطق العراق وخاصة المناطق الغربية وحزام بغداد وأجزاء واسعة من كركوك !..

وكان المتسبب الرئيس عن كل تلك الكوارث ، قوى الإسلام السياسي الحاكم ، نتيجة لجهلهم في إدارة شؤون الدولة ولغياب الحس الوطني وولائهم لقوى أجنبية وإقليمية ، وفسادهم المستشري على أيديهم وتحت إدارتهم للاقتصاد العراقي ، بحيث أصبح العراق من أفسد دول العالم .

والسبب المباشر الذي أدى الى هذا السقوط في وحل الهزائم المتلاحقة ، وفي مختلف المجالات ( السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية وفي بناء دولة المواطنة !! ) هذا سببه المباشر هو تغييب للدولة وركائزها الأساسية !.. وأولها هو غياب المؤسسة الأمنية والعسكرية المستقلة والمهنية والوطنية ، التي تشكل الدعامة الرئيسية في حماية الدولة والمجتمع وحماية الحدود من الطامعين والغزاة ، وحماية الأمن والاستقرار للناس ودون تمييز .

على الدولة ان تقيم العدل بين الناس وعدم التمييز بينهم ، وتوزيع الثروة والوظائف العامة بشكل عادل وحسب الكفاءة والخبرة ، والفصل بين السلطات واستقلال القضاء وحماية هيئاته ورجالاته من أي تأثير للسلطة التنفيذية ، فلا سلطة على القضاء ، أو هكذا يجب أن يكون .

حماية الدستور والالتزام به ، باعتباره العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع ، ولا يجوز مخالفته أو ركنه ، أو تشريع ما يخالفه إلا بموافقة الشعب عبر الاستفتاء عليه وعلى بنوده نصا وروحا .

هذه الأساسيات والركائز وشروط قيام الدولة العادلة ، غير موجودة في العراق والدولة مغيبة تماما بسبب تغليب الطائفية السياسية على الوطنية والمواطنة ، واعتبار السلطة والمال بديل عن الدولة !..

والمسألة الأخرى هو الخلط بين الدولة وشروط قيامها وأسسها ، وبين الدين ومنظومته وقيمه وأحكامه ، وهذه مخالفة صريحة وواضحة لشروط قيام دولة المواطنة ، كون لكل من الدولة ومقوماتها وقوانينها وركائزها ، فهما يتقاطعان مع بعضهما ، وتتعارض أسس قيام الدولة مع أحكام وفقه وفلسفة الدين ، الدين كمنظومة قيمية وأخلاقية ، يعبر عن رؤية مجموعة من الناس ، تتخذ من هذا الدين كنهج وفلسفة وطقوس ، لا يتبعها كل المجتمع ، وهناك من يرفضها ولا يؤمن بها ، وهذا من حق أي مواطن ، فقد أباح له الدستور والقوانين النافذة ذلك ، وبسب هذا التقاطع ونتيجة للخلاف في تلك الرؤى ، يحدث تقاطع وتصادم وخلافات واختلافات اجتماعية خطيرة ، ونتيجة لذلك وغيره تنشأ الحركات والمنظمات المتطرفة واللاغية للأخر ، ويحدث الانقسام المجتمعي ، نتيجة لعدم المساوات والعدالة بين مكونات المجتمع المختلفة ، وما حدث في العراق والذي ما زال منذ عقد ونصف ، هو نتيجة منطقية لغياب دولة المواطنة العادلة ، التي تساوي بين مواطنيها ، ونتيجة لتغييب الدولة العادلة ، تم تغليب رؤية وثقافة وفلسفة الدولة الدينية ، التي تسوق لها قوى وأحزاب الإسلام السياسي الحاكم ، نتيجة لجوهر ثقافتها ورؤيتها ومنظومتها القيمية والأخلاقية ، والتي تكون معادية للديمقراطية ولعلمانية الدولة ، ومعادية للحقوق وللحريات وللمرأة وللثقافة والفنون وهذا كله نشاهده ونلمسه اليوم في العراق .

ولا أضن بأن الحياة سوف تستقيم في العراق ، ما بقيت حكومة تحكمنا ( بسم الله .. وبفقههم وبمشروعهم وثقافتهم القائمة على مفهوم الدولة الدينية وبمنظور قوى الإسلام السياسي ، والتي كما بينا بإلغائهم للأخر ) .
لا خيار غير خيار الدولة العلمانية الديمقراطية الاتحادية الواحدة المستقلة .

الانتخابات هي أحدى الوسائل الهامة للديمقراطية السياسية ، ونزاهتها وشفافيتها وحرية الاختيار للناخبين من أهم مستلزمات نجاح العملية الانتخابية ، وبعكسه فلا جدوى من أي عملية انتخابية يشوبها التزوير والشكوك بمصداقيتها ونزاهتها .

واليوم وما أعلنته ( المفوضية المستقلة للانتخابات !! ) بأن هناك مساحة واسعة لتبيان نزاهة الانتخابات وذلك باستخدام العد الألي في احتساب الأصوات للناخبين !
والعد اليدوي إذا ما دعت الضرورة لذلك ، في حالة تقديم شكوى تشكك بالعد الألي لأصوات الناخبين !..
فقد خرج علينا البعض من المشككين بالعد الألي والذهاب الى العد اليدوي !!
وهذه هي الخطوة الأولى التي تمهد لعمليات التزوير التي مورست في الانتخابات السابقة ، وهي بادرة خطيرة ولا تأشر على نوايا صادقة ونزيهة .

ناهيك عن الشكوك في مصداقية إجراءات المفوضية ومراقبتها للنشاط الذي تمارسه الكتل والأحزاب والمرشحين في استغلال الناخب وما يعيشه من شظف العيش وتدني وضعه في مجالات مختلفة من حياته ، من خلال استخدام المال السياسي وشراء الذمم وبطاقة الناخب ، واستخدام الوسائل الرخيصة والغير أخلاقية والمعيبة ، واستخدام المال العام ، والمركز الوظيفي لهذا المرشح أو ذاك ، واستخدام وسائل الدولة وإعلامها من قبل المتنفذين ، وهذه مخالفة صريحة وواضحة لنزاهة الانتخابات وشفافيتها .

أقول للقوى التي ما زالت تعتقد بأن الدولة ومؤسساتها تعود لتلك القوى المتربعة على سلطة القرار منذ سنوات !
أقول لهؤلاء وبكل صراحة ووضوح !..
عليكم أن تجمعوا أمتعتكم وتغادروا الى بيوتكم !
وهذه نصيحة محب ولست بكاره ولا بشامت !
فإذا قيض لكم العودة ثانية لإدارة الدولة ، من خلال التزوير والترغيب والترهيب والفرض والإملاء ، ونتيجة لعوامل داخلية وخارجية قد تمد لكم يد العون والمساعدة ، فيعني هذا بأن هؤلاء يسوقوكم لحتفكم ، ويريدون الإيقاع بكم وتدميركم وبمحض إرادتكم !..

كونوا على ثقة تامة بأن لا أمن ولا استقرار ولا رخاء ولا سلام بوجودكم على رأس السلطة ، كونكم ليس في مشروعكم ولا من ثقافتكم ولا من رؤيتكم ، في التخطيط لإرساء دعائم الدولة العادلة ، دولة المواطنة ، والحياة أثبتت وبالملموس ، بأنكم غير قادرين على بناء هذه الدولة ، ومخالفتكم الصريحة والواضحة للدولة الديمقراطية الاتحادية !..

يؤسفني القول بأن شعبنا وبلدنا سيشهد أيام صعبة ومظلمة وقاسية لو أُعيد الحكم لهؤلاء ، الذين افتضح أمرهم وما تحمله الشعب جراء تسلطهم وفسادهم وطائفيتهم والنهج العنصري ، وسيشهد العراق تدهورا كبيرا وخطير .

كل من سيأتي على قيادة البلد ولم يبدئ بإعادة بناء دولة المواطنة ، وأول ركائزها المؤسسة الأمنية والعسكرية وحل الميليشيات الطائفية والمنطقية والحشد الشعبي ، ومصادرة السلاح المنفلت في أنحاء العراق ، وترسيخ لمبدئ المواطنة والعدل والميزان ، فإن العراق لن يستقر أمنه ولا تتعايش مكوناته ولن تتحرك عجلة اقتصاده ، ولن يتخلى الأجنبي من التدخل في شؤوننا ، وهنا تكمن حقيقة مشاكلنا التي نعيشها منذ سنوات ، ويكمن سر نجاحنا وتقدمنا وتكمن سعادتنا ورخائنا من خلال الوطني .. وحرصنا على العراق وعلى مصالحه ومصالح شعبه .

سوف يبقى المتسلطين على رقابنا ، المتجبرين الأقوياء ، وبين شعب ضعيف خانع ، ليس بمقدوره النهوض من كبوته ، وسيعاملون شعبنا على مبدئ ( تريد أرنب أُخذ أرنب !.. تريد غزال أُخذ أرنب ؟!! ) .

مصيركم أنتم يا شعبنا من يقرره ولا أحد سواكم !
فعليكم الخيار بين أخيركم ونبذ أشراركم ، ومن جوعكم وهجركم وتسبب بمقتل أخياركم من أبنائكم وشبابكم ، ورمل نسائكم وخرب مدنكم !!..
والرأي رأيكم والحكم والقرار أنتم المسؤولون عنه ؟..