ادوارد سعيد وخطابات ما بعد الاستشراق

محمد كريم الساعدي
2018 / 4 / 9

مهدت الكتابات الأولى لفرانز فانون وغيره من منظري ما بعديات الاستعمار الطريق لظهور دراسات ما بعد الكولونيالية ولاسيما في عقد السبعينيات في القرن العشرين ، وخصوصاً مع ظهور كتاب (الإستشراق) لـ (ادوارد سعيد) الذي عد الأساس في نقد وتفكيك للخطابين الكولونياليين القديم المتمثل بـ (بريطانيا وفرنسا) والجديد (الأمريكي) وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وتوسعها الامبريالي في مناطق مختلفة من (العالم الثالث) ، وخصوصاً (الشرق الأوسط). لذا رأى عدد من الدارسين في مجال دراسات ما بعد الكولونيالية إن كتاب (الإستشراق) ، ليس كتاباً يدرس الإستشراق بطريقة نقدية لما قدمه في مجال دراسة الشرق من خلال تصنيف عدد المستشرقين ، أو ما قدموه في هذا المجال، بل ركز (سعيد) فيه على الأهداف السياسية المهيمنة على هذا الخطاب وتوظيف مفاهيم معرفية وثقافية من أجل تحويل الشرق من صورته الواقعية إلى صورة أخرى يريد الغرب إيجادها للشرق المنافس ثقافياً ومعرفياً منذ قرون ، فكان لابد من إخضاع هذا الجزء من العالم لسيطرة المؤسسة الغربية ، وبذلك رأى (سعيد) أن الإستشراق أسلوب من الفكر القائم على تمييز وجودي (انطولوجي) ومعرفي (ابستمولوجي) بين الشرق و (في معظم الأحيان) (الغرب) , وهكذا تقبل جمهور كبير جداً من الكتاب بينهم شعراء وروائيون ، فلاسفة ، منظرون سياسيون ، واقتصاديون ، وإداريون استعماريون، التمييز الأساسي بين الشرق والغرب بوصفه نقطة انطلاق (لسلسلة) محكمة الصياغة من النظريات ، والملاحم ، والروايات ، والأوصاف الاجتماعية ، والمسارد السياسية التي تتحقق بالشرق وسكانه ، وعاداته ، وعقله ، وقدره وما إلى ذلك ، وبوسع هذا الإستشراق أن يفسح مكاناً يسـتوعب
(اسخيلوس) ، لنقل (فيكتور هيجو) و (دانتي).
لقد ركز (سعيد) في دراسته للإستشراق على مكامن توظيف المعرفة في الخطاب الإستشراقي ومدى استفادة القوى الكولونيالية منه ، حيث جعل من نقده للإستشراق لا يركز على الإستشراق الغربي في ذاته لكونه علماً أو فناً أو أسلوباً في دراسة الشرق فقط ، بل جعل من توظيف الإستشراق في النوايا الغربية والمخططات الكولونيالية هو المقصد المهم في دراسته للإستشراق وما مثله من علاقة معقدة بين المعرفة والقوة والخطاب ، وبوصفه الإستشراق جهاراً مفاهيمياً لدراسة الشرق وتحليله والحكم عليه وأحكام السيطرة حوله.
كما قدم (سعيد) في خطوة ثانية لإكمال مشروعه كتابه الثاني (الثقافة والامبريالية) الذي ركز فيه على تأثير الثقافة الغربية كجزء من الحركة الامبريالية ضد الشعوب المستَعمرة ، وكذلك دراسة نتائج تلك الشعوب الثقافي من خلال (دراسة طباقية) لكلا النتاجين (الغربي والشرقي) للوصول إلى صورة المقاومة الثقافية للشعوب المستعمرة ، وكذلك تناول فيه أشكالاً ثقافية مختلفة ومنها المرويات الكبرى التي قدمت من خلال أعمال روائية ومنها رواية (روبنسون كروزو) وغيرها ، معتقداً بأن هذه الأعمال الروائية كانت عظيمة الأهمية في صياغة وجهات النظر ، والإشارات والتجارب الامبريالية ، وأنا لا اعني إن الرواية وحدها كانت هامة ، بل أنني اعتبرها المشروع الجمالي الذي تمثل علاقته بالمجتمعات المتوسعة في بريطانيا وفرنسا ، ظاهرة شيقة بصورة خاصة للدراسة.
لقد استخدم (سعيد) طرائق بحثية شكلت الأساس في عمله الثقافي والفكري ، إذ إن دراسته للإستشراق كنتاج فكري تقوم على ثلاثة أقسام هي :-
أولاً : تصنيف الخطاب الإستشراقي الغربي ونتاجه الثقافي والأفكار التي حملها معه ابتداءً من العصر الإغريقي ، وصولاً إلى (وعد بلفور) ، ورجالات الحكم الأمريكي ، وخصوصاً (كيسنجر) ، هذا النتاج الفكري والسياسي الذي امتدَّ على مساحة الشرق التي شبهها (سعيد) (بخشبة مسرح) يقدم عليها الغرب صور الشرق المرسومة في المخيال الغربي.
ثانياً : دراسة البنى الإستشراقية من خلال التركيز على اللغة والتاريخ والآداب في الشرق الأدنى خلال القرن التاسع عشر ، وما قدمه الفكر الغربي في هذا الاتجاه في أعمال الأدباء والرسامين حول هذه المنطقة الجغرافية.
ثالثاً : التركز في استفادة المدرسة الإستشراقية الأمريكية الجديدة مما اوجدته مدارس الإستشراق القديمة في بريطانيا وفرنسا.