نظرية المؤامرة و بؤس التفكيك الساذج للتاريخ

محمود الصباغ
2018 / 4 / 7

لن يستطيع أي مسؤول غربي مهما كانت براعته السياسية و العقلية إقناع غالبية العرب بأن إسرائيل ليست وكيلا للغرب في المنطقة، و أن وجودها بجد ذاته هو مؤامرة واضحة ,فعند النظر إلى قضية كالمسألة الفلسطينية لا يمكن إغفال التفكير بعقلية المؤامرة ، و يمتد الأمر لينسحب على مواضيع أخرى مثل احتلال العراق و حرب لبنان و تقسيم السودان ,فإذا كانت نظريات المؤامرة ليست متجذرة جميعها في المنظومات العقائدية, فإن مما لاشك فيه أن هناك العديد من المؤامرات قد تكون في بعض الأحيان حقيقية ( سايكس بيكو , صفقة الأسلحة الفاسدة ,ووترغيت..)وغيرها حيث يتم هنا تقديم أدلة قوية تؤكد "حقيقة" المؤامرة، فمن السذاجة مثلا الاعتقاد أن الانقلاب ضد سلفادور ألييندي لم يكن مدبرا من قبل الولايات المتحدة أو إغفال دور إسرائيل عن الكثير من عمليات الاغتيال التي حدثت في لبنان و في مناطق أخرى من العالم ضد شخصيات فلسطينية او عربية مؤيدة للقضية الفلسطينية ,كما يقر الجميع واقع "مؤامرة" التستر في فضيحة ووترغيت لأن التسجيلات قدمت أدلة قوية على هذا. و نظرا للطوفان الهائل للمعلومة المتداولة ،لاسيما في عصرنا الحاضر، فإن ميل الناس للإيمان ولو جزئيا بنظرية المؤامرة أمر لا مفر منه ،كما أن التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي و العلوم النفسية و العصبية و السلوكية و نظرية الفوضى ،كلها في المجمل توفر إطار ممكنا لعلماء النفس السياسي و علماء النفس الجماهيري للتركيز على مضامين الاعتقاد بنظرية المؤامرة ،و وفقا لبعض علماء النفس، فإن الشخص الذي يؤمن بنظرية بوجود مؤامرة واحدة يميل إلى الإيمان بوجود مؤامرات أخرى و العكس صحيح، كما يرى البعض أن هناك عنصرا من الإسقاط النفسي في ما يتعلق في الإيمان بنظريات المؤامرة يتجلى في شكل إسناد خصائص غير مرغوب فيها من الذات إلى المتآمرين. و تحويله إلى عدو ،وهو أمر من الصعب مقاومة إغراؤه حيث تخلق هذه الحالة نوع من التوازن الفردي عن طريق التخلص من التنافر الكامن في الجوانب الشخصية غير المقبولة و نقلها للطرف الآخر المتآمر ، و إضفاء صفة "الكونية " عليها و السعي الحثيث للبحث عن المعنى الذي هو أمر شائع بالنسبة للمؤمنين بنظرية المؤامرة وتطويرها وصياغة الحجج للأفكار الرئيسية لمقولاتهم بما يتماشى مع الإدراك الذي يؤمن لهم انحيازا معرفيا حصينا و يجنبهم التناقضات التي قد تؤثر على منظومة إيمانهم الذي يقع ضمن منطق "الفوضى" بمعناها الرياضي ,حيث لا تعدو النظم العقائدية أن تكون سوى مصفوفات ذات طابع متداخل مع سياقاتها و قرائنها في ذات الوقت تظهر جدلية هذه النظم من خلال الجوانب الضحلة لها حين تسعى لأن تنتظم بمعزل عن تلك السياقات و القرائن فينتج ما يطلق عليه في التمييز الفلسفي الرياضي العقل "المنغلق" لتمييزه عن العقل "المنفتح". بمعنى أن الإيمان بنظرية المؤامرة يتجسد -شأنه في ذلك شأن أي إيمان آخر -بوعي مقولب جاهز للاستخدام بصرف النظر عن المكان و الزمان و هو بالتالي إيمان يقع في مكان ما بعيد عن الحقائق العلمية و التاريخية مما يفقده صفتين أساسيتين لأي نظرية و هما العقلانية و التاريخية وفي هذا السياق حين يتم الترويج للمؤامرة يساهم التضامن المجتمعي أو الطائفي و التراتبية الهرمية في تعزيزها و لعب دور في جزء منها من خلال خلق أو تبني طقوس معينة ذات تراتبية صارمة (مثلما هو حال الجمعيات السرية الدينية و غير الدينية ) وليس من المستغرب أن يعجب الشخص بسلوك عدوه ، فكثير من الحركات المناوئة للشيوعية على سبيل المثال عبرت عن إعجابها بانضباط الخلايا الشيوعية السرية ، كما اقتبست الصهيونية الكثير من السلوك النازي في مرحلة ما قبل 1948 و ما بعدها وهذا الاعجاب يكون حامله النفسي ,على الصعيد الفردي, في أغلب الأحيان وسائل سادية قوية الدوافع.
تقوم نظرية المؤامرة بتقديم تفسير "متمرد" ضد التفسيرات الرسمية وضد الصحافة الرسمية و التاريخ الرسمي الذي يفترض أصحابه أنهم يقدمون التاريخ الصحيح و القويم .وتمتلك نظرية المؤامرة شيئا من "روح التجريبية", حيث يتم التركيز على الحقائق الملموسة ، وتعاني في هذه الصدد من نضوب مذهل إلى ما هو حقيقي أو إلى ما يمكن أن يرقى لأن يكون حقيقيا دون شك، ونقصد بذلك الأشخاص ،فنظرية المؤامرة تفترض أن الأحداث الإنسانية تتسبب من قبل أشخاص يعملون كما يفعل الناس، بما في ذلك التعاون والتخطيط والغش والخداع، والسعي للسلطة. وهكذا، لا تركز نظريات المؤامرة على قوى غير شخصية مثل الجغرافية السياسة واقتصاديات السوق، و العولمة، والتطور الاجتماعي وغيرها من التفسيرات المجردة للأحداث الإنسانية. وهنا تفترق نظرية المؤامرة عن التفسير الذي تتبناه المقولات العلمية .فالنظريات العلمية لا تسعى-وليس هذا هدفها أصلا- إلى تهميش وجهات النظر المعارضة لها ،لأن ممارسة العلم تتطلب أناسا منفتحين على أي احتمال و قادرين على جمع ودراسة جميع الأدلة بصدق وبطريقة عقلانية من أجل التوصل إلى استنتاج، يليه التقويم الأخلاقي .ويبدأ الآخرون بالرغبة في تقويم أخلاقي محدد، ومن ثم العمل لجمع أي حقيقة تدعمهم ،ونفي أي حقيقة لا تدعمهم، فتظهر بعض الأخطاء على أنها مجرد ارتباك ، وبعضها يبدو كأنه تجاهل للحقيقة ، وهذا ما لا تقوم به نظرية المؤامرة لأن هدف المؤامرة في نهاية المطاف هو الاستحواذ على السردية.
تؤكد مثل هذه السردية على أنه من الواجب عدم إهمال منطق نظريات المؤامرة كي لا نقع في سوء تقدير للوقائع ,فالأمر ليس الاعتقاد في وجود مؤامرة محددة، بل في العمليات المنطقية التي تؤدي إلى هذا الاعتقاد ,و ليس من الواقعية بشيء تفسير نظرية المؤامرة بتعابير ذاتية من قبيل "نحب" أو "نكره"، فنظرية المؤامرة تمتد من السياسة والاقتصاد و الاجتماع إلى ميادين الفن و الرياضة ..إلخ و تتجلى مرونة نظرية المؤامرة بكونها مقولة وبناء فلسفيان يقوم من خلالهما الأفراد أو الجماعة بتفسيرها وفقا لموقعهم الاجتماعي و السياسي من الحدث .وهي علاقة ثنائية ذات حدين و متحركة بالاتجاهين فإذا وجدت المؤامرة لابد من وجود متآمر و متآمر عليه. وإذا ما توفر هذين الأخيرين ,فلابد من وجود مؤامرة ينخرط فيها أفراد و جماعات و دول ,وتشير الدراسات الاجتماعية و النفسية و أغلب البيانات الإحصائية إلى أن نظريات المؤامرة حية وفعالة و نشطة في المجتمعات المختلفة وهي غير مرتبطة بمعايير التطور التقني او الاقتصادي و لا حتى بمعايير أخرى مثل بعض الاعتبارات الدينية و الاخلاقية. قد يبدو للوهلة الأولى أن نظريات المؤامرة تنمو حيث تنعدم او تكاد تكون معدومة منظومة الصحافة الحرة وحيث يكون مستوى التعليم ضعيفا. ,غير أننا نرى أن نظريات المؤامرة تجد رواجا لها أيضا و تكتسب أتباعا في مجتمعات متقدمة مثل أوروبا و أمريكا و إن كانت بتصورات مختلفة عما هو سائد في مناطق أخرى .وعلى هذا فالمؤامرة ليست حالة فريدة أو تخص مجتمعا بعينه أو تنتعش في مجتمعات دون مجتمعات أخرى ،فهناك شبه اجماع لدى الباحثين على أن نظرية المؤامرة كانت ظاهرة بارزة عبر التاريخ ،.وعلى هذا يرجح كثير من المحللين أن الإيمان بنظرية المؤامرة هو حقا ظاهرة انسانية ذات طبيعة مستقطبة على اختلاف مشغليها و فاعليها و لاعبيها و سواء كانوا أفرادا أم جماعات أو حتى دول بل أن هناك من يزعم أننا بحاجة-عند مستوى نفسي معين- إلى الإيمان بنظرية المؤامرة .وقد يعود الأمر إلى أن الظروف التي تؤدي بالمرء للإيمان بنظرية المؤامرة تعتمد على الظروف ذاتها التي دفعتنا لقبول المؤامرة في الماضي ، فنسيج العلاقات الاجتماعية المعقدة في عصرنا و التغيرات السريعة و تزايد الشكوك بجدوى الحلول الاقتصادية هي عوامل بارزة في تعميق الإيمان بالمؤامرة لدى البعض و هي عوامل مريحة على الأقل من الناحية النفسية إذا يتم بموجبها :تعيين" العدو" بوضوح وتقف أمام ما يمكن أن يدفعنا للتفكير في حالات فوضوية اجتماعية ، وفي حين أن نظريات المؤامرة غالبا ما تكون غير عقلانية، إلا أن التساؤلات التي تطرحها غالبا ما تكون صحية، حتى لو كانت الإجابات لم تنسبها الى مصدر ما أو كانت مخطئة تماما, فالمؤامرة -كظاهرة مرنة لاعقلانية و لا تاريخية- يحكمها غموض مقصود يعبر عنه شبكة معقدة من "الأسرار" التي تسمح للأفراد و الجماعات بإنشاء محاكمات عقلية (منطقية أو غير منطقية) خارج وعاء السلطة لخلق حالة تمرد ضد الوضع القائم ,أي ضد التفسير الرسمي للحدث ,الذي تروج له وسائط الإعلام المهيمنة على تشكيل الرأي العام, فتقوم المؤامرة بتفسير و شرح مقولاتها باعتبارها السبب النهائي للحدث أو لسلسلة الأحداث ,ويرتبط هذا التفسير في سياق تخيلي عن "الآخر" عبر مسار تصل به للهدف المفروض مسبقا , وهي بذلك تعبر عن موقف يبدو مبدئيا و مبنيا بطريقة صارمة و حتى جدلية .وغالبا ما يحال الأمر إلى مجموعة متآمرة بشكل منظم باعتبارها وراء الأحداث ، والكثير من مؤيدي نظريات المؤامرة يزعمون هيمنة المتآمرون على مسار الأحداث الكبرى في التاريخ من خلال إدارتهم للأحداث السياسية من وراء الكواليس .
ولكن ما هي المؤامرة؟
تم نحت مصطلح "مؤامرة "من السابقة con التي تعني " مع ، جنبا الى جنب" وspirare " التي تفيد معنى النفس و التنفس". ليصبح المعنى (الهمس معا) وهو قريب من المعنى الذي تذكره المعاجم العربية بمعنى المشاورة و الهم بفعل امر أو شيء ما , و توحي صيغة "تآمر" بتبادل الأمر أو الأوامر. ويذكر الجوهري في "الصحاح في اللغة": أمر وآمَرْتُهُ في أمري مؤامرةً، إذا شاورته, . . . ويقال: ائْتَمَروا به، إذا هَمُّوا به وتشاوَروا فيه وبهذا ذهب البعض لتفسير الآية " إنّ المَلأَ يَأْتَمِرُونَ بكَ " أي يَهُمُّون بكَ . والائْتِمارُ والاستئْمارُ: المشاورة. وكذلك التَآمُرُ، ورجلٌ إمَّرٌ وإمَّرَةٌ، أي ضعيف الرأي يأتمر لكلِّ أحدٍ، مثال إمَّعٍ وإمَّعَةٍ". فيما يعرفها قاموس "ويبستر" بأنها "تجمع من الناس, يعمل بسرية, لغرض شرير أو لا قانوني".. إن مصطلح المؤامرة بتعريفها الحالي هو مصطلح حديث نسبيا ظهر في مقالة اقتصادية في عشرينيات القرن الماضي وتم تداوله بصورة مكثفة في عقد الستينيات من قبل وكالة الاستخبارات الأمريكية إثر عملية اغتال الرئيس جون كينيدي وما تولد عنها من اهتمام بارز لعلماء النفس و الاجتماع لتفسير الاستجابة الشعبية للحادثة و التعامل معها ضد الرواية الرسمية التي وصفتها "لجنة وارن" لتفسير عملية الاغتيال و ما ترافق لاحقا من تكثيف درامي قامت به هوليوود بتقديم وجهة نظر سينمائية عن عملية الاغتيال بما يتوافق مع المنطق التجاري لجذب الجمهور من خلال إضفاء التأثيرات الدرامية الواضحة ومحاولة الاستحواذ على سردية المؤامرة و نظريتها و إعادة إنتاج سردية جديدة توافق قبول الجمهور المتنوع و الخاضع لاعتبارات نفسية مختلفة وملاذات نهائية - تعفيه من أي مسؤولية أخلاقية أو سياسية- مثل الشك و الريبة و الفزع الأخلاقي و الإنكار و الفصام و الهوس الإيماني الخلاصي الذي يرى بوجود قوة أكبر تسيطر على هذا العالم الفوضوي و المعقد والذي ما زال يحتفظ بالكثير من التفاصيل التي نعجز عن تفسيرها رغم كل تقدمنا و تطورنا. وبصورة أكثر عمومية , يركز علماء النفس على أنه لو تم افتراض وجود جماعة ما متآمرة ،فإنه غالبا ما سينظر لها على أنها معادية ،والسبب في ذلك يعود للرغبة القوية للبشر في البحث عن عناصر الطمأنينة و الأمان وهي مكونات متوفرة في نظريات المؤامرة لأنها مدعاة للتفكير المريح و السهل بأن التعقيدات و الاضطرابات في الشأن الإنساني ،خلق –على الأقل-من قبل البشر أنفسهم و ليس عن طريق عوامل خارجة عن سيطرة الإنسان أي أن تلك الحوادث لم تحصل عشوائيا بل بأمر و تنظيم بشري عالي الذكاء و الفطنة وهو ما يجعل مثل تلك الحوادث مفهومة مع إمكانية محتملة للسيطرة عليها. بمعنى آخر، يحدونا على الدوام أمل في عودة المتآمر عن تآمره و رجوعه لجادة الصواب ،حتى لو كان هذا الأمل ضعيفا ، فيكفي أنه موجود بالأصل وبالتالي نكون قادرين على كسر الحلقة التآمرية في أحد مراحلها و تخليص المجتمع من شرها ، مما يعزز قدرتنا على التوازن إزاء المخاطر و تقديرنا للرضا الذاتي لأنفسنا بقدرتنا على أن نكون مسؤولين و أننا لسنا عاجزين تماما . وإذا كان أصحاب نظرية المؤامرة يرون أنفسهم كمضطهدين و مهددين بأخطار معينة فإنهم يقومون ،في عملية الدفاع عن أنفسهم بتبادل الأدوار مع ضحاياهم فالمؤمن بنظرية المؤامرة يرى نفسه يختلف كثيرا عن المتآمرين ،لكنه في الواقع يشبههم و الأخطاء التي يجدها في الآخرين عادة ما تكون خاصة به ، وصورته عن الأشخاص الآخرين هي مرآن نفسه ،وهو ما يدعوه علماء النفس بنمط الارتياب السريري وربط مثل هذه الحالة المرضية المشبعة بالشك قد تعود للميل الوراثي للبشر في البحث عن أنماط الصدفة ،وهو أمر يسمح لنا بطريقة أو بأخرى باكتشاف المؤامرة لأي حدث بحكم "التجربة" المعرفية التي نمتلكها و التي يمكن أن يساء فهمها أو استخدامها و بالتالي تستحيل إلى حدث ملغز مبهم ينخرط فيه آخرين مجهولين مثل هذه الحساسية للدوافع الخفية للآخرين يمكن استنباطها باعتبارها سمة عامة للوعي البشري .غير أن المتآمر -بحكم طبيعة الاشياء-لا يقر بأنه جزء من مؤامرة , بل الآخر هو من يعطيه هذا التعريف لذلك تنشأ نظرية المؤامرة من نمط تفكير عصابي انطباعي متشكك يتخذ مساره يمينا أو لجهة اليسار على حد سواء و تسيطر عليه "دوغمائية" متزمتة قادرة بزعمها التغلب على التحيز الإيديولوجي لإجراءات السلطة التي تدعي امتلاكها الحقيقة المطلقة ,.ويتكرس الإيمان بنظرية المؤامرة من خلال انحيازنا في البحث عن أدلة تؤكد حقيقة و صحة أفكارنا بدلا من البحث ولو على دليل واحد يظهر أن لدينا أفكار خاطئة ،وتقدم نظرية المؤامرة -على الأرجح-لأصحابها أجوبة جاهزة لأسئلة تعذر الرد عليها وتساعد في حل التناقضات بين "الحقائق" المعروفة ومنظومة إيمان الفرد حيث تظهر الوقائع أن للمؤامرة وجه يتجاوز الخوف التقليدي الذي يشعر به كل البشر.و يستخدم كارل بوبر مصطلح “نظرية المؤامرة" لنقد الإيديولوجيات و الدوغمائيات الشمولية كالفاشية و النازية و الشيوعية و يرى أن الشمولية تأسست أصلا على "نظريات المؤامرة" مستندة في جوهرها على العنصرية و الشوفينية و القبلية لنمط من السيناريوهات الريبية المتخيلة لمكائد و دسائس معينة ,علما أنه يدد على القول بأن المؤامرة ظاهرة اجتماعية نموذجية ينبغي الاعتراف بحدوثها ,ولكن "الحقيقة اللافتة هنا أنه على الرغم من وقوع مثل هذه المؤامرات فإن عددا قليلا منها ينمكن اعتبارها ناجحة ,إذ نادرا ما ينجز المتآمرون مؤامراتهم بنجاح ". في حين يعارض تشومسكي من جهته نظرية المؤامرة بوصفها تقابل بدرجة أقل أو أكثر التحليل المؤسساتي ، التي تركز في الغالب على السلوك العام للمؤسسات المعروفة علنا على المدى الطويل ، كما هي مسجلة على سبيل المثال في وثائق الابحاث او تقارير وسائل الإعلام السائدة بدلا من التحالفات السرية للأفراد.
هناك ثمة بعض من دوافع للمؤامرة هي في جوهرها ذات بعد معرفي واجتماعي و هي تشبه في قوامها إلى حد كبير قيام المرء بالبحث عن نسبه و أصول عائلته و جذورها ،،، فنحن هنا نبدأ بحقائق بسيطة ضئيلة ، ثم نسعى لحل هذه الأحجية على اعتبار أن هناك ثمة حقائق جديدة ينبغي السعي وراءها ،و نقوم بخلق استنتاجات وفرضيات ، و نستنبط حقائق أخرى جديدة .وهكذا بقليل من حسن الحظ و مساعدة الآخرين تتكشف المعلومات التي نبحث عنها و التي كان من الصعب العثور عليها فتنبني قصتنا بعد أن نذوتها ( نضفي عليها صفتنا الذاتية)، ثم يأتي الشعور بالرضا من خلال العثور على هذه الحقائق، ومشاركة العملية والاكتشافات مع أشخاص آخرين.. ويمكن للأدبيات التآمرية أن تكون مرضية من الناحية العاطفية عندما تضع الأحداث في سياق أخلاقي سردي بصري سهل وقابل للفهم ويلبي الاحتياجات النفسية عن طريق "عقلنة" الحدث وإضفاء معاني بديلة أكثر التصاقا بالفرد و الجماعة .ومن هنا كان تركيز نظرية المؤامرة على الحقائق الملموسة ذات السمة التجريبية و الخاضعة للقياس وصولا إلى ما هو حقيقي, غير أن سذاجة التأويل تكمن في قيام نظرية المؤامرة بخلق حقائق موازية بديلة لدرجة أنه يمكن افتراض قيام شخص ما بتغيير مسار التاريخ من خلال مؤامرة ، فهي تفترض أن الاحداث الإنسانية تتسبب من قبل أشخاص "أشباح" غير مرئيين يقومون بالغش و الخداع و التخطيط و التعاون و السعي للسلطة ، وبالتالي لا تأخذ نظرية المؤامرة في اعتبارها مسائل جوهرية أخرى "غير شخصية "مثل الجغرافيا السياسية و اقتصاديات الدول و التطور الاجتماعي و غيرها من المسائل و التفسيرات المجردة للأحداث الإنسانية بل تتشرنق حول نفسها نافثة سحرها القوي على المؤمنين بها مما يجعلها تتعامل بابتذال مع الحقائق و تركز بصورة خاصة على التناقضات والاختلافات، والحقائق المفقودة، وهو ما يتنافى مع مبدأ العلم الذي يركز على الحقائق البعيدة عن التزمت فإذا كنا نريد تفسيرات أكثر صدقا للأحداث، سواء للأحداث العلمية أو السياسية أو التاريخية، يتوجب علينا اعتماد جملة مقارنة تنافسية تشكل أرضية لكتلة من المعلومات ينجم عنها سرد متماسك و مجرب يسعى لتفسير العالم الحقيقي بدقة كافية ولفترة كافية، مما يجعلها مقبولة كحقيقة. بعكس نظرية المؤامرة التي تتجاهل عموما كتلة الأدلة التي تدعم وجهة النظر السائدة و تركز بشكل صارم على الشواذ القليلة.
ما يلفت النظر-عموما- هو عدم القدرة الجدلية على إثبات العديد من المزاعم ذات الصفة التآمرية ,كما حدد كارل بوبر ,ولذلك يتم الاستعاضة لتعويض مثل هذا النقص بمنطق خطابي تخيلي وتأويلات بلاغية واهمة تعتمد على البلادة الذهنية لجهة عدم القدرة على استنباط حل لمتناقضات الواقع و أزماته. فالمنطقة العربية ,على سبيل المثال ,يسود فيها نمط تفكير كبر أم صغر بأن وجود إسرائيل إنما يعود في أساسه إلى وجود مؤامرة كبرى ضد العرب و المسلمين ، و بالطبع سيكون من يتزعم هذه المؤامرة متغيرا أو ثابتا حسب الرؤية فهم تارة اليهود و الماسونية العالمية و هم أحيانا أخرى الاستعمار و الإمبريالية و أحيانا كثيرة يشترك الحكام العرب [باعتبارهم عملاء وتابعين للغرب ] سرا أو علانية في حبك خيوط هذه المؤامرة مع ما سبق "بهدف تفتيت الأمة " و "السطو على ثرواتها" و"عرقلة النهضة أو الوحدة [وحدة إسلامية أو قومية عربية حسب إيديولوجية معتنق نظرية المؤامرة]",وبمثل هذا السياق يكون الربيع العربي مؤامرة من الغرب ضد سيادة ووحدة الدول العربية , والقضاء على الربيع العربي هو أيضا مؤامرة من نفس الغرب لمنع قيام نهضة عربية ذات طابع تحرري ,وهكذا يتم إخضاع الحدث لمبدأ الأوليات -وهو عادة ما يكون مقياس شخصي-لوضع تعاريف مختلفة لها تتشابه أو تختلف غير أنها تكون محكومة بروابط مميزة لنظرية و عقلية المؤامرة، من حيث قيامنا باختيار ما هو الأفضل لإبداء الرأي في حدث ما وهذا في الحقيقة لا يحتاج إلى مستوى عال من التأهيل النظري ففي كثير من الأحيان تستند المؤامرة إلى حدث تافه أو إلى بنية ضعيفة يقوم من يؤمن بالمؤامرة بتضخيمها من خلال تعريفات بسيطة للمؤامرة و استخدام عبارات نمطية عند وصفها ،وهذا لا يمنع قيام البعض الآخر بالبحث و التقصي و بذل جهد نظري ملفت للنظر و صبر مميز من أجل العثور على أدلة غالبا ما يكون لها تأثير واضح على المؤمنين بنظرية المؤامرة . دون أن ينتبه هؤلاء بأنهم يعانون من مشكلة مستدامة غير قابلة للحل وهي وجود طرف أو أطراف لا تؤمن بنظرية المؤامرة ورافضة لها ،ففي أي مجال بحث تكون المؤامرة حاضرة فيه سنجد أراء نافية لها حتى لو كان ادعاء من قبيل الهاجس الذي يسيطر على البعض من وجود عدو خارجي أو داخلي يتوجب السيطرة عليه و القضاء عليه ،وكما هو متوقع هنا سيقوم المؤمنون بالمؤامرة بالهجوم على معارضيهم و اتهامهم "بالتآمر" عبر سرديات تؤيد وجهات نظرهم يغلب عليها طابع الاقتباس المجتزء المؤيد لهم و الاستشهادات المبتسرة و المقتطعة خارج سياقها ، الأمر الذي سينعكس سلبا على حجة الطرف الآخر . وهو ما يقودنا إلى السؤال التالي :لم يتوجب علينا أن نؤمن بنظرية المؤامرة؟
يمكن من خلال تتبع نظرية المؤامرة القول بأن سير تطور المؤامرة عبر التاريخ ربما يساعد في قدرتنا على تفكيك مقولاتها , علما بأن أي نظرة سوف تظهر معبرة عن مجموع آراء متعددة مصاغة توافقيا مع بعضها البعض مثل ، الدوغما و التأويل لبعض القضايا ،والتجربة و التحيز الشخصي ، هذه كلها عوامل تساعد في فهمنا لنظرية المؤامرة وهنا تظهر على السطح التعريفات المتنوعة لنظرية المؤامرة ،و لا يبدو أن هناك حلا نهائيا لنظرية المؤامرة لذلك مهما كانت وضعية المؤمنين بها أو غير المؤمنين وقوة حجتهم سوف تستمر المؤامرة بالوجود بمرونة. فعدم القدرة على معالجة ووضع تعريف نهائي للبؤس البشري و للظلم على سبيل المثال ، يجعلهما مجهولين و غامضين ما يدفعنا إلى البحث عن هوية لهما ، فتنسل المؤامرة هنا على اعتبار ان مثل هذا البؤس و الظلم ليسا سوى عمل موجه من قبل الناس السيئين ضد الناس الجيدين ، وفي حال وجود اضطراب و انعدام أمن في المجتمع تكون المؤامرة هي الإجابة الجاهزة عن سؤال من قبيل "لم يحدث هذا لي دون غيري ؟ -على افتراض أني جيد و الآخر سيء- ,مثل هذا الاستسهال في التفكير لحل معضلة ما هو من مميزات الإيمان بنظرية المؤامرة التي يتبناها الأفراد-و الحكومات أيضا- , الأمر الذي يتنافى مع منطق الأشياء ، فإذا كان الإيمان بنظرية المؤامرة صحيحا فإن هذا يستوجب التفكير في طريقة للتصدي للمؤامرة وهذا ما يؤدي بنا إلى النظر إلى جانب مهم من مشكلة مصطلح المؤامرة ،مع أن البعض يميل إلى الاعتقاد بنظرية المؤامرة أو على الأقل يعتبرونها صحيحة .وهؤلاء هم أكثر عرضة من غيرهم للاعتقاد بوجود مؤامرات أخرى. فقد نقول في لحظة ما أن طردي من عملي هو مؤامرة والهبوط على القمر كان مؤامرة و اغتيال كينيدي مؤامرة و أن وجود إسرائيل مؤامرة ،غير أنه عندما تهز الأحداث التاريخية الكبرى عالمنا ، فإننا بكل تأكيد نكون أبعد ما يمكن عن نظرية المؤامرة ،فالإيمان بنظرية المؤامرة كمبدأ عام هو من المواضيع النفسية التي اهتم بها علم التاريخ و العلوم الاجتماعية الأخرى حيث تفرخ نظريات المؤامرة خطابها الخاص، بطريقة يبدو فيها محصنا ضد الحجج العقلية، ضمن أنماط تفكير تتمثل في مظاهر خادعة تحاول أن تقول أن المؤامرات تحرك التاريخ ؛ وليس هناك ما هو عشوائي، والعدو دائما هو الذي يكسب ؛ والسلطة ،والشهرة، والمال، والجنس وغيرها . ونظرا للعمومية الشديدة لنظرية المؤامرة فليس من المجدي الحكم عليها بأنها كلية خاطئة 100% ،فمثل هذه القضايا الخلافية ستستمر في الوجود لفترة طويلة من الزمن و سيكون للتاريخ دور مهم في صياغتها و إعادة صياغتها و اكتشاف خيوطها ودور اللاعبين الاساسيين و الثانويين بهذه الدرجة أو تلك .ورغم كل المحاولات لفهم نظرية المؤامرة و تفكيكها ..مازال هناك الكثير ممن يعتقدون بصحتها فالعديد من المقولات تتيح أسس مفيدة للمؤمنين بنظرية المؤامرة باعتبارها حقيقة مثبتة و لغزا او سرا يجب السعي للكشف عنه فالصراع العربي الإسرائيلي و امتداداته للمحيط الاسلامي يعتبر بمثابة تربة خصبة لنمو العديد من نظريات المؤامرة (بروتوكولات حكماء صهيون مثلا) ،كما أن العداء لأمريكا و الاتحاد السوفياتي –سابقا-ولد العديد من النظريات ذات الطابع التآمري . ويعود ذلك بشكل أو بآخر لطبيعة المؤامرة و بنيتها التي يتوجب عليها التوسع على الدوام لامتصاص و تحييد المعلومات المتضاربة بالنسبة لها. و بانعدام معرفة تتبنى تفكيرا مستقلا في نظرية المؤامرة سيكون لعوامل مثل القلق و الاستلاب وانعدام الأمن و فرص العمل و الثقة بين الأفراد دور مميز في تعزيز نظرية المؤامرة والتأكيد على مشاعر الاغتراب للمؤمن بها و الذي يؤكد وجود علاقة مع بعض وجهات النظر المتماثلة ، لاسيما في عملية التفكير السياسي في المؤامرة و معايير تحديد هوية المتآمرين التي تميل في معظمها إلى استخدام سردية الضحية ممتزجة بشكل من أشكال الاعتراف الضمني بوجود المؤامرة و بطريقة تميل نحو التعميم في معظم الحالات .غير أن الملفت للنظر هو عدم ضرورة توفر معلومات معينة لرواج المؤامرة أو الاعتقاد بوجود مؤامرة. ونحن لا نعرف بصورة تامة إلى أي مدى يحمل الاعتقاد بالمؤامرة سمة إيديولوجية عامة ، بمعنى كيف يمكن للمؤمنين بالمؤامرة أن يؤمنوا بمؤامرة أخرى و ما هي روابط و أسس الإيمان بالمؤامرة. وربما هذا يعود بدوره لمنشأ نظرية المؤامرة نتيجة لأحداث مثيرة ، تعطي انطباعا بأن ثمة ما هو "مريب" سواء في الأسباب أم في النتائج ,و قد تخلق حالة التستر على الحدث التي تمارسها السلطات في تقوية هذه الريبة ,بمعنى تبدأ نظريات المؤامرة عملها عند اللحظة التي تكون فيها التفسيرات غير متناسبة مع الحقائق, وهنا تظهر استجابة البعض للحجج وفقا لمعتقداتهم و لمنظومة أفكار مسبقة معدة سلفا تكون محكومة بمقولة “الصراع" بين قوتين غير متكافئتين : المتآمر القوي الخفي المتسلل و الذي يمتلك كل وسائل الإغراء و السيطرة في مقابل من تقع عليه المؤامرة الذي عكس ذلك، و لذلك يبدو من المناسب القول أن كل شخص منا معرض للإيمان بمؤامرة أو أكثر خلال حياته, غير أن الاختلاف يكون في درجة الإيمان و في القدرة على الإجابة على الأسئلة التي تلي ذلك ,والتي تكون قادرة على تفسير الأحداث، آخذين بعين الاعتبار أننا نتكلم حكما عن الماضي .وباعتبار نظرية المؤامرة جزء من عمل سياسي ما فهي في نهاية المطاف ليست سوى شكوى بعد وقوع الحدث .
نظرا لأن الدوافع وراء أبحاث نظرية المؤامرة هي دوافع معرفية واجتماعية فإن تعريفها يختلف باختلاف وجهات نظر أصحابها، وللتبسيط يمكن القول بأن المؤامرة بها طرفين رئيسين، هما المتآمر والمُتآمر عليه، وهي تحدث في كل مكان ووقت، بغض النظر عن المساحة المكانية والتنفيذية والزمنية لها، فقد تحدث في المنزل وقد تحدث في العمل وقد تحدث في الدولة وقد تحدث على مستوى عالمي، ولا بد فيها من وجود طرف متآمر وطرف مُتآمر عليه، ومن الناحية الزمنية فقد يتم تنفيذ المؤامرة بشكلٍ كامل ابتداءً من التخطيط وانتهاء بالوصول للنتائج في ساعة أو يوم أو سنة أو عدة سنوات، وقد يكون أطراف هذه المؤامرة أو أحدهم على علم بها وغالباً ما يكون المتآمر هو العارف بها إلا أنه ليس ضرورياً أن يكون كذلك فقد يقوم بالمؤامرة دون وعي منه بأنه يقوم بها، وقد تتم المؤامرة دون علم المستهدفين بها، كما يمكن أن يعلم المستهدف بوجود مؤامرة لكنه لا يستطيع تحديد أصحابها، هي كذلك ببساطة. كما يمكن أن تصل النظرية لنتائجها بشكلٍ مباشرة متجاوزةً العقبات من خلال التخطيط المُحكم واتساع الرؤية فيها، إلا أنه ليس بالضرورة ضمان الوصول لنفس النتيجة أو عدم ظهور نتائج غير متوقعة .غير ان نظرية المؤامرة هي أكثر عمقا من الخوف ،ومن الواضح أن التشكيك بأحد مؤثرات المؤامرة يؤدي بالضرورة إلى التشكيك في مؤثر آخر ،ولذلك يأخذ الناس على عاتقهم شرح الأمور لأنفسهم عندما يصر الآخرون على قول ما هو غير مفيد .وتطرح نظرية المؤامرة نفسها عبر أحداث سياسية أو اقتصادية كبيرة يكون لها دور فاعل في تغيير علاقات القوة في المجتمع مما يثير المزيد من القلق و الفضول بآن معا لدى العامة من خلال ما يتم ملاحظته من تناقضات في تفسير الأحداث و يتحكم في مسار نظرية المؤامرة شعور عام بأن السلطة تخفي معلومات هامة عن مواطنيها عبر أساليب ملتوية من الخداع و الغش و ما تقدمه هذه السلطات ليس سوى أدلة ظرفية في المطلوب هو المزيد من التحقيقات لكشف خيوط المؤامرة حسبما ما يرى الناس ذلك ،ويميل الناس بطبيعتهم إلى اختيار تفسير يتناسب مع ملاحظاتهم وتفضيله على أي تفسير آخر حتى لو كان حقيقيا، فالتفسير الذي يتوافق مع أكبر نسبة من ملاحظاتهم يكون هو المفضل و المرغوب فيه وهذا هو المبدأ الذي ينبني عليه نظرية المؤامرة ،ويكون الخوف هو أحد الدوافع العميقة للإيمان بنظرية المؤامرة بما يجعلها متلبسة بالشك و الريبة ،وبكل تأكيد ليس المقصود هنا هو إضفاء مثل هذه الصفات أي الشك و الريبة على السياق المجتمعي ككل لأنه علينا أن نتذكر أن أصحاب نظرية المؤامرة هم أناس عاديين و سوف يظهرون أوجه قصور عادية أو عقلانية بما يمكن أن نطلق عليه سمة" التحيز المؤكد" بمعنى أنن كلنا منحازون بشكل أو بآخر للبحث على أن أفكارنا هي الأفكار الحقة و الصحيحة دون أن يتبادر إلى ذهننا إمكانية وجود أدلة ممكنة تؤكد امتلاكنا لأفكار خاطئة كما تثبت ذلك السياقات المتعددة و المختلفة لحالات الجدل العديدة على مستوى الأفكار و السلوكيات و التصرف و تبني مقولات ذات صور نمطية سائدة بحكم العادة أو العرف أو العداء الظاهر أو المستتر ،ومن هنا يظهر خطأ مثل هذا التحيز المؤكد الذي يعتقد به المؤمنون بنظرية المؤامرة كما هو حال العديد من المؤرخين و الإعلاميين و المحللين "الاستراتيجيين" و غيرهم ,وإذا منطق الأشياء يقول أن الإيمان بنظرية المؤامرة سيتضاءل عندما يقل أو ينخفض منسوب المؤامرات .و لكنها لن تختفي بكل تأكيد . لذلك نتساءل، لم نحن بحاجة لنظريات المؤامرة؟ و هل الإيمان بنظرية المؤامرة ظاهرة مرضية ؟ ربما ..وربما لا . تبعا لما يتم تفسيره عن انخراطنا في المؤامرة ، فهي قد تكون مرضية عندما تتحول إلى هاجس يسيطر على استراتيجياتنا اليومية. إن هشاشة الإيمان بنظرية المؤامرة يكمن في عدم قدرة المؤمنين بها على التأكيد و البرهان عليها فضلا عن إمكانية الدحض الجدلي لمقولاتهم بما يؤكد لاعقلانية نظرية المؤامرة في سياقها العام من أجل الوصول إلى نتائج مسبقة معدة سلفا ،فما يعتقد به الآخر أنه موجه ضده قد نؤمن به نحن على أنه مؤامرة ضدنا و يكون الفارق في المفردات و في الاستجابة للمؤامرة في سياقها العام من أجل الوصول إلى نتائج مختلفة و إن انطلقنا من أسباب مختلفة وهنا تكمن لاعقلانية المؤامرة، ففي البحث عن الأجوبة، نتفاعل على نحو عقلاني مع حقائق غير عقلانية،نحن نسعى للإيمان بنظرية المؤامرة من أجل بعث تطمينات لنا لتجنب الخوف من العنف العشوائي والموت الذي لا يمكن التنبؤ به وتهيئة الشعور بالأمن .

نادرا ما تحرك المؤامرات التاريخ حتى لو افترضنا جدلا أن المؤامرات موجودة بالفعل و الواقع ،رغم انها في بعض الاحيان قد تحدث فرقا ما ، غير أن هذا المنطق المحرك للتاريخ عبر المؤامرة سيصل بصاحبه الى مرحلة عدم السيطرة عليه و سيكون عبدا له و لن يقتنع بسهولة ان الأحداث الكبرى إنما تحدث بفضل مجموعة واسعة من العوامل و القوى المختلفة ذات احتياجات متنوعة ، و يفترض هذا الإيمان أن الوضع سيكون افضل لو تم القضاء على المؤامرة. و سيبررون منطقهم بالقول أن القادة السياسيين و الاقتصاديين تسببوا ، على مر التاريخ، بلحظات لا تحصى من الموت و البؤس ، وهم في بعض الأحيان قد يكونوا شركاء في المؤامرات ، في ذات الوقت الذي ينشرون فيه الدعايات حول نظريات المؤامرة و أهدافها , إن فكرة أن التاريخ هو ذاته محكوم من قبل مؤامرة ثابتة و طويلة هي فكرة بائسة و ساذجة و غير عقلانية و لا تاريخية ،الأمر الذي يظن فيه دعاة المؤامرة أن التاريخ مكشوف لهم و عليهم فقط تحديد أوليات المؤامرة لفضحها وهذا بالطبع أمر لا يخلو من أصول إيديولوجية ، تتجاهل عمق مركزية التاريخ و أحداثه بوصفه مجموعة من الفرضيات الخاضعة للتأويل في كل مكان و زمان و ليس شكلا واحدا لسردية ثابتة يكون أحد أطرافها ضحية و الطرف الآخر عدو تتم شيطنته و بالتالي يمكن بسهولة استبعاد و إقصاء أي جماعة أو أعضاء في جماعة عن طريق هذه العلاقة الثنائية (الضحية و العدو) و اكتساب شرعية ما في "النضال" ضد خيوط المؤامرة و حبكتها و ما ينتج عنها من فوبيا متنوعة. وينطوي العقل التآمري على اعتقاد لاعقلاني يزعم أن بمقدور حفنة من الناس أن يحدثوا تغييرا جوهريا في العالم أو يؤثروا على مسار أحداث معينة في التاريخ ,وحيث أننا نميل-في حالات كثيرة -في بحثنا عن الأجوبة للتفاعل على نحو عقلاني إزاء حقائق "لاعقلانية" , فسوف تقدم نظريات المؤامرة -لنا-أجوبة جاهزة لأسئلة لم يتم الرد عليها وتساعد على حل التناقضات بين "الحقائق" المعروفة ومنظومة إيمان الفرد. لا يؤمن الفرد بشيء غير ممكن الإيمان به ،هذه بديهة ، و المعنى الضمني لذلك هو تحشيد الجموع المرتبطين بمشاعر الاغتراب والسخط من النظام. و تعزيز شعور عدم الرضا يدفع الناس إلى الحاجة لعدو ملموس يفرغون مشاعرهم الغاضبة فيه وقد تساعد نظريات المؤامرة في هذه العملية من خلال توفير عدو ملموس مسؤول لإلقاء اللوم على المشاكل التي تبدو خلاف ذلك مجردة للغاية وغير شخصية. وبطبيعة الحال سوف ينفي المتآمر اشتراكه ,علنا, في المؤامرة , لكنه سيلمح ملغزا إلى إفهام الآخر بأنه طرف فيها ,وهو يضع خصمه في زاوية صعبه من أجل تحديد اصطفافه على اعتبار ان الأعداء الظاهريين هم على الدوام شركاء في المؤامرة ,وسيسعى العدو إلى تقوية و تعزيز نظرية المؤامرة عند الآخر لأنها تضعفه و تفقده القدرة على التفكير غير التآمري في علاقته المتداخلة مع عدوه و سيصل في نهاية المطاف إلى تساؤلات محيرة فعلا-على الأقل بالنسبة له- إذا كان العدو موجود في كل مكان ،فكيف يمكن هزيمته ؟ و لا ننسى أن الانهزامية و الشعور باليأس هما استجابات طبيعية ،كما هو حال الغضب ،فالقلق بخصوص مؤامرة خارجية يجعل خارطة الاعداء و الاصدقاء ملتبسة و مبهمة و متحركة على كلا الطرفين ،وفي كثير من الحالات تستفيد القوى الخارجية من نظريات المؤامرة ، فإصرار أصحاب المؤامرة على تحويل الفشل الى انتصارات يمنح العدو الفرصة للتقدم، حتى عندما يخطؤون لا يعترف أصحاب المؤامرة بذلك نظرا لأن العدو دائما يكسب و أن فشل العدو في لحظة ما قد يكون جزء من مؤامرة مكشوفة تخفي مقاصد غير معلنة.وهنا تظهر نظرية المؤامرة بوصفها تفكيك ساذج للتاريخ ، فتقوم ببناء سرديتها الخاصة استنادا على انتقاص أو إهمال الآخر ومهاجمة الدوافع الرافضة لها و سيتم رفض الحجج الأخرى على اعتبار أنها تأتي من شخصية أو شخصيات مشكوك في صحتها العقلية و قوامها الأخلاقي، وليس لأن هذه الحجج قد لا تكون صحيحة ،و رمي المؤامرة في وجهي يعني في واقع الحال أنهم يقولون لي "نحن لا نحبك ، و ليس من أحد يرغب في الاستماع لشرحك" و ليس صعبا تتبع ذلك في حياتنا اليومية ،لقد قيل الكثير عن الشيوعية و الشيوعيين و الإسلاميين و الليبراليين و غيرهم من الاتجاهات السياسية ، و عبر التاريخ تم استخدام صيغ انتقاص تحقيريه عديدة لعل أكثرها تداولا هو "البدعة" و " الشعوذة" ولعل أكثرها إيذاء هو "الخيانة" حيث قامت هذه التسميات بمجرد إطلاقها "بتعيين" الهدف او الآخر المعادي و المنافي لي و الذي هو جزء من مؤامرة ضدي و هي في أسلوبها هذا تكون أكثر سوء و إيذاء من أي "تهمة " أخرى ،ولازالت عبارات مثل الشيوعية تثير لدى البعض مشاعر معينة .. ليس أقلها التفكير بنظرية المؤامرة ،وهو ما يجعل الكثير منا يبتعد-قصدا أو دون قصد- عن التعاطف مع أي أفكار جديدة تدخل لمجتمعاتنا و تحمل في جوهرها تحديا و إن غير مباشر لمعتقداتنا ، فنبتعد عن هذه الأفكار خوفا من أن يتم تشويه سمعتنا او أن يشوب مكانتنا انتقاصا ما في المجتمع .وتكمن الصعوبة في مواجهة هذه الحالة بكون الدليل المطروح ليس دليلا على حادث ما أو قضية ، بل هو نمط عام ، حيث يمكن بسهولة القول بأنه طالما كانت المؤامرة هي المسؤولة عن كل مشاكلنا الأخرى فمن المنطقي ن تكون مسؤولة أيضا عن أي مشكلة جديدة قادرة على إشغال الرأي العام لفترة تطول أو تقصر في تبنيها ،وفي حالات معينة قد يصبح خبير المؤامرة مرتدا يتخلى عن اعتقاده السابق حتى لو كان هناك رجحان للأدلة و هذا ما تؤكده الحالات العديدة من الانشقاقات السياسية في الأحزاب و تبادل التهم بين الرفاق القدامى و تبديل المواقف السياسية ، لاسيما في الفترات القريبة من الانتخابات ،ففي لحظة ما يمكن ملاحظة تقارب النشاط السياسي لكل من اليسار و اليمين لمناهضة الحرب مثلا أو الحريات المدنية أو تشريع ما ،حيث تكون الدوافع هي الاعتقاد المشترك بنظريات المؤامرة ، فضلا عن الاصطفاف الموضوعي الذي قد نلاحظه بين لاعبين مختلفين في المنهج و العقيدة في معاداة وجهات نظر حكومية لا سيما في حالات الاستقطاب الشديد و التصدع السياسي في مجتمع ما ،وهو ما يدفع إلى القول عن الكيفية التي يتم فيها تجميع نظريات الشك و المؤامرة ،وهي رغم اقتصارها في البداية على جمهور هامشي إلا أنها في لحظة ما تشكل ملاذا قد يكون شاملا أو طاغيا وهو ما تؤديه وسائل الإعلام ،فتظهر حركات يمينية فاشية أو حركات يسارية فوضوية لها آثار مدمرة على الحياة السياسية للمجتمع وتساهم في تقويض النسيج الاجتماعي و تضر بالسلم الأهلي ،فلا يمكن اغفال دور الإعلام بما ينشره من اخبار ملفقة في بعض الاحيان خدمة لأجندات معينة في الترويج للمؤامرة.
سؤال آخر يطفو على السطح ،لم يظهر لنا منطق المؤامرة متسرعا و بعيدا عن الحقائق و الفكر التأملي؟ مسببا بدفع البعض منا أن يرى فيها مجرد ظاهرة مرضية وفقا لما يتم تفسيره من خلال انخراطنا في المؤامرة .
كيف يتحول الإيمان بنظرية المؤامرة إلى هاجس يسيطر على استراتيجياتنا اليومية و يعيق -بالتالي- منظومة تفكيرنا السليم؟. ليس للمؤامرة هدف سوى الإنسان في مقاربتها لاستغلال الظروف المتاحة كافة لتعزيز مقولاتها ,ومهما بلغت المؤامرة من اتساع و تخطيط فهي لا تعدو أن تكون سوى قيام طرف معلوم أو غير معلوم بعمل منظم سواء بوعي أم بدون وعي ،سرا أو علنا ،بالتخطيط للوصول لهدف ما مع طرف آخر و يتمثل الهدف غالبا في تحقيق مصلحة ما أو السيطرة على تلك الجهة ، ومن ثم تنفيذ خطوات تحقيق الهدف من خلال عناصر معروفة أو غير معروفة. وتنتج المؤامرة خطابها الخاص و تكاثره في بيئة تؤمن له تحصينا ضد الحجج العقلانية فهي تتميز بنمط تفكير يميل إلى خلق عوالمه الخاصة به ويتلطى وراء خيالات اسطورية و يسعى للانتصار بأي ثمن ولذلك يقوم أنصارها بسلسلة من الأفعال التي يعتقدون أنها ستسهم في إنشاء عوالمهم النقية و الخالية من الأعداء و الشرور . وحتى حين تفشل هذه الاستراتيجية فلا يتم تفسيرها على أنها تفتقر للكفاءة , بل لأن " العدو قوي و هو يكسب دائما" وهذا الأمر بحد ذاته مستند على مغالطة تكرس صحة الفكر التآمري الذي يرى الشر متجسدا في قصص التاريخ الغادرة و نتائجه الشنيعة و هي لا تعبر بالضرورة عن تزييف متعمد للتاريخ ،بل يمكن تتبع مساراتها عبر اعتقاد مخلص –لكنه مضلل- لا تعير اهتماما لأحد أهم قوانين الجدل أي الصدفة و الضرورة ،و لا يقتصر الأمر على مؤرخين رجعيين ، فالعديد من المؤرخين الذي يتبنون نزعة نقدية تقديمة يميلون بصورة متدرجة إلى افتراض أن الحقيقة كانت "مخبأة" دائما و متجاهلة ، يدخل في دهاليزها الصفقات السرية و الرشاوي و غيرها .وهو أمر يثير الحيرة فعلا حيث انصب تركيز معظم الأبحاث التي درست نظرية المؤامرة على الاستبداد اليميني دون القوى اليسارية , في حين تؤكد المعطيات المختلفة أن التفكير التآمري هو سمة من سمات المفكرين الانعزاليين لكل من اليمين و اليسار على حد سواء, و أحد التفسيرات المحتملة لذلك هو أن الكثير من الجهد بذل للتركيز على التيارات اليمينة ذات النزعة الاستبدادية، و الأكثر إثارة للدهشة هو أن التفكير التآمري لم يكن محور تركيز الجهود الرامية إلى قياس "الاستبداد" اليسارية أو في البحث المتعلقة بالتحيز الأيديولوجي للأحزاب اليسارية السلطوية الحاكمة .
لم تحتاج نظرية المؤامرة إلى عدد هائل من الأدلة للبرهان على صحتها ؟ هل هي مجرد سلوك سيكولوجي اجتماعي رابطته الأساسية الخوف و الذعر وانعدام الثقة و الأمن يتم التعبير عنه بمزيد من تفريغ مشاعر السخط و الاغتراب عن النظام القائم ؟.ما الشيء “الطبيعي" الذي يخلق فينا حوافز تدفعنا إلى خلق عوالم بديلة مأهولة بأشباح متآمرة ؟أهي حالة من البارانويا ؟ أم نحن مصابون بالتوهم و الارتياب ؟ أم أن كل ما في الأمر أننا نشعر بملل من سطحية ما تجعلنا نميل لخلق تلك العوالم ؟.ليست أوهام المؤامرة مجرد تعبير عن خوف ظاهره غير متجانس، فهناك ثمة العديد من المظاهر التي يمكن ملاحظتها عند من يؤمنون بنظرية المؤامرة لعل أبرزها الهوس و الذعر ،وهي مرآة تعكس الهاجس الذي يحكم البعض للسيطرة على الداخل و التصدي للخارج و "دفع العدو بعيدا" ، ولا يسع نظرية المؤامرة إلا التوسع كمحاولة لامتصاص و تحييد المعلومات المتضاربة ،وهنا يتوسل المؤمنون بها التضامن مع "أصدقاء" أمميون للتعاطف مع نظريتهم وتتشكل حلقات عمل غريبة عجيبة إذ ترى من هو في أقصى اليمين مع أقصى اليسار يتحدون في تعريف المؤامرة و مقولاتها ،حتى و إن بدوا في الظاهر على أنهم أعداء , فما يجمعهم هو اعتقادهم بأن السلطة نفسها تحيك بعض المؤامرات أو تروج لها من أجل تعزيز أجندتها الخاصة .بدورها تقوم السلطات بتحشيد الدعم الجماهيري بوصفه عملية فعالة جدا ضد "عدو" يطرح ككبش فداء باعتباره جزء من مؤامرة غادرة واسعة ضد الصالح العام؛ حتى أن البعض قد يقوم بـ"قفزات غير عقلانية" في تحليل أدلة واقعية من أجل "إثبات" الصلات و الروابط ،وتحويل الصراعات الاجتماعية عن مسارها بربطها بالعدو و شيطنته ، وبناء وجهة نظر شاملة ميتافيزيقية مغلقة وغير قابلة للانتقاد . ويلعب التعميم هنا دورا جوهريا في قلب الحقائق و تغييب أي تعريف موضوعي للحدث ، فكلما زادت العمومية كلما صار من الصعب تحديد المقصود من الحدث و سوف يدور النقاش ,حينها, حول قضايا مجتمعية أوسع لا تضيف معلومات جديدة عن الحدث المقصود ، بطبيعة الحل سوف يحصل تعاطف ما مع نظرية المؤامرة وفقا للأهواء و درجة الوعي و المصلحة العامة للأفراد أو للسلطة و سيتم طرح العديد من الأدلة الواقعية على أوسع نطاق و ستكون مرشحة للاختيار و المفاضلة أو حتى ربما نفيها بأدلة جديدة و مستجدة،ويقوم المؤمنون بنظرية المؤامرة بتحذير المواطنين من أن مؤامرة تخريبية غادرة لمهاجمة الصالح العام. بل سيعلن البعض بكل ثقة بأن الخطط شارفت على الانتهاء ، بحيث لا بد من عمل سريع وحاسم لإحباط المؤامرة الشريرة. وبهذا مهما تبدل الزمن و تغير و مهما اختلفت الأسماء و المواقع و الضحايا تبقى أساسيات هذه النظرة كما هي نفسها لأولئك الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة يمكن وصف الإيمان بنظرية المؤامرة باعتباره سمة من سمات الحركات الجماهيرية، وبين القطاعات في الصراع على السلطة داخل النخبة، أو كتسويغ لأجهزة الدولة للانخراط في الأعمال القمعية.وهذا ما يؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج يمكن أن تدمر المجتمع، وتعطل الخطاب السياسي العقلاني وتخلق أهداف اعتراضية عبثية غير ذات قيمة سوى المجد الفردي وهو ما يتجلى لدى التيارات اليمينية بوصفها تطرفا لاعقلانية سواء بسواء مع التيارات اليسارية الراديكالية الفوضوية و المهمشة التي تتحين الفرص لتحدي السلطة و هيبتها مما يستدعي منطقيا القمع السلطوي ،وبمثل هذه الاستجابة قد تقاد البلد إلى كوارث لم تخطر على بال من بدأها .