(عائشة قادر يونس) مدرسة التضحية والصمود

شه مال عادل سليم
2018 / 4 / 6

من اجل تسجيل الحقائق وفق الوثائق و إفادات شهود عيان ـ ضحايا مسالخ البعث البائد , ولتوثيق قصص الضحايا والكشف عن المعاناة والرعب الذي عانت منه المعتقلات الشيوعييات في سجون النظام البعثي الفاشي نسلط الضوء هذه المرة على المناضلة الشيوعية والرابطية المعروفة الشهيدة (عائشة قادر يونس ـ المعروفة بـ( عه يشي كَروكه , اي عائشة الوردة , سميت بالوردة لحسنها وخفة روحها ) .
المناضلة (عه يشي كَروكه ) الوجه الجماهيري البارز و الشخصية الوطنية المحبوبة في مدينتها( كويسنجاق ) وعموم كوردستان , وكانت احدى المناضلات المعروفات في صفوف الحزب الشيوعي العراقي و رابطة المرأة العراقية لتكون وجها معروفاً في موكب شهيدات الحركة النسائية ، التي تشهد حتى حيطان مسالخ النظام البائد في اربيل على صمودها وبطولتها وجرأتها , ناضلت الشهيدة بجد واخلاص في صفوف الحزب الشيوعي العراقي منذ الخمسينات الى يوم استشهادها في 16 اب 1988.
ولدت (عه يشي كَروكه) في عام 1930 لأسرة كوردية مناضلة ومعروفة في مدينة الشعر والشعراء والنضال , مدينة كويسنجاق البطلة .
فمنذ نعومة اظافرها رفضت الشهيدة الطقوس الإقطاعية والعشائرية السائدة في المجتمع الكوردي، ،و ناضلت من اجل حقوق الفقراء من العمال والفلاحين وكل الكادحين , ومن اجل المساواة بين المرأة والرجل في كافة الحقوق والواجبات , حيث ارتبطت مسيرتها الحياتية مع مسيرة رابطة المرأة العراقية و لذلك فهي تعتبر من رابطيات الرعيل الاول الذين افنوا حياتهم في سبيل قضية تحرر المرأة و نضال الحركة الوطنية العراقية والكوردستانية من اجل عراق ديمقراطي مزدهر تنعم فيهِ المرأة بالمساواة و الحرية.
كانت المناضلة ( كَروكه ) رفيقة درب الشاعرة والنصيرة الشيوعية الراحلة (خوشكة فريشتة ) والمناضلة ام سليم (حمدية مصطفى احمد) والمناضلة ام شوان ( فتحية محمد مصطفى ) والاديبة ( د.سامية شاكر) والمناضلة الراحلة (ساكنة سليمان ) والمناضلة الاربيلية (ساجدة صبري) وكوكبة من الشيوعيات الباسلات الاوائل الاخريات، في ظروف العمل السري والعلني في تلك السنين القاسية والصعبة في حقبة الفاشية البعثية , و كانت مثالاً للتفاني والشجاعة الشيوعية.
لعبت (عه يشي كَروكه) ، مع كوكبة من الشيوعيات الباسلات ، دورا رياديا في اقتحام ميادين وسوح النضال السياسي الوطني الديمقراطي والاجتماعي ، وضربن بنضالهن الجسور وعطاءهن وعملهن المتفاني بين الجماهير الكوردستانية ، ومع النساء وعلى وجه الخصوص، امثلة رائعة وملهمة انحفرت في ذاكرة الأجيال ، وتستحضر عندما تشتد المصاعب وتتعقد ظروف النضال لاستلهام الشجاعة والاقدام وروح التحدي التي تشيعها في النفوس .....
ان بصمات المناضلة الشهيدة (كَروكه) و نضالها وكفاحها واثر نشاطها المثابر، على الرغم من قسوة الظروف، ظل شاخصا لدى كل من عمل معها والتقى بها، واعتُبرت بحق نموذجاً في النضال والعمل الحزبي والجماهيري , وتعد نضالها الدؤوب مفخرة للحزب الشيوعي العراقي وللرابطة المرأة العراقية والكوردستانية التي عملت فيها بكل جد واخلاص .
سمّي بيت الشهيدة (عه يشي كَروكه) ( نقليات ), فمن بيتها تم تسفير واستقبال مئات الكوادر الحزبية الى مناطق العراق المختلفة , كما لقبت بين الانصار بـ ( “دايكي حزب ” ـ اي امّ الحزب ) , عرفها الانصار في مختلف المواقع رفيقة نصيرة باسلة وأما حنونة , حازت على ثقة رفاقها بجرائتها وبسالتها وبطولاتها التي لاتوصف .
عملت (عه يشي كَروكه) مع رفاقها الانصار في نقل السلاح و العتاد والمواد الطبية والمنشورات والبريد الحزبي , كانت تحمل في قلبها الصغيرـ الكبيرـ حبا يناطح السحاب تجاه حزبها ورفاقها وشعبها ووطنها , كانت فخورة برفاقها …لم تهتز معنوياتها حتى حينما تلقت نبأ استشهاد ابنها الصغير( بشدار الحلاق ), حيث وقفت كالقنديل شامخة وقالت بكبرياء عفوي : ـ ان طريق النصر تصنعه التضحيات ـ لاهو الاول ولا الاخير , هنيئا له لقد التحق بقافلة الخالدين( فهد وسلام عادل والحيدري ) .
اعتقلت (عه يشي كَروكه) في مدينة اربيل في 16 ابريل 1988 بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي العراقي ، تعرضت الى ابشع انواع التعذيب الجسدي والنفسي في مسالخ النظام البعثي البائد , كانت قصة صمودها وصلابتها أمثولة في البطولة وضربا رائدا في الشجاعة والكرامة , حاولوا معها وبشتى طرق التهديد والترغيب , الوصول الى خيط من خيوط اسرار حزبها ولكنها بقت وفية ومخلصة وامينة لمبادئها .
وعلى الرغم من وضعها الصعب في زنزانة البعث الفاشي وبالرغم من الانتهاكات المريعة التي مورست تجاهها خلال 4 اشهر من التعذيب الوحشي، وما اقترف بحقها من انتهاكات جسيمة لاتوصف ، الا أنها ظلت صامدة وثابتة، تتمتع بإرادة صلبة وعزيمة لاتلين ، حيث اعتبرها كثيرون مدرسة في العطاء والتضحية، وفي الصبر والصمود، وقدمت نموذجا يحتذى به في سلوكها وتعاملها مع المعتقلات الأخريات القابعات معها في مسالخ البعث .
تعرضت المناضلة (عه يشي كَروكه) خلال فترة اعتقالها إلى أبشع انواع التعذيب الجسدي والنفسي ، وبعد أن عجز الجلاد على نيل اعترافات منها رغم كل أشكال التعذيب الأرعن ، ربطوا يديها الى الوراء من معصميها بجدار زنزانتها ، وشرعوا في قطع ثدييها , الا انها بقت صامدة رغم الآلام والمعاناة , وفي خلال يومين تدهورت حالتها الصحية نتيجة النزيف , وعليه طلبت (كَروكه) من الطبيب الذي كان يشرف عليها جرعة من السم او حبوب الانتحار لتنهي ماساة حياتها , الا ان الطبيب رفض ذالك حفاظأ على حياته وحياة عائلته .
وفي الاخير انهار الجلاد امام قوة ثبات وعقيدة المناضلة (كَروكه)على الرغم من انها كانت تنزف دما من جراحها بمنطقة الصدر والقدم والساق والوجه بالإضافة إلى ظهور ورم كبير بوجهها من أثار التعذيب الوحشي ، حيث لم تستطيع الحركة وقضت أياما في حال لا يمكن وصفها (حسب افادة الشهود والضحايا الناجين من مسالخ البعث الفاشي ) , وبعد ان يأس الجلادون في أن ينتزعوا منها اعترافاً أو وشاية برفاقها ورفيقاتها رغم أنهم سلخوها بالتعذيب , نفذت السلطة البعثية الفاشية حكم الإعدام رميًا بالرصاص بحقها في 16 أب 1988 و بأمر صادر من ( علي حسن المجيد ـ الملقب بـ علي الكيمياوي ـ حسب الوثيقة الرسمية الصادرة من قيادة مكتب تنظيم الشمال والتي حصل عليها الحزب الشيوعي العراقي بعد انتفاضة اذار 1991 ), حيث اطلقوا عليها( 7 )* طلقات واستشهدت وهي واقفة وثابتة، تتمتع بإرادة صلبة وعزيمة لاتلين .
وبعد انتفاضة اذار1991 تم العثور على رفات الشهيده في مقبرة (معمل قير )و التي تبعد عن مركز مدينة اربيل ب2 كم بجنوب المدينة) وتم استخراج ونقل جثمانها في مراسيم جنائزية مهيبة الى مقبرة ( أل الحلاق ) في مدينة كويسنجاق .
تبقى المناضلة (عه يشي كَروكه) اسمًا محفورًا و متلألئا في ذاكرة الوطن والشعب وحكايتها تبقى جزءًا من رواية المناضلات الشيوعيات اللواتي وقفن بشموخ أمام آلة القمع البعثي وناضلن من اجل وطن حر وشعب سعيد .
لقبت (كَروكه) بعميدة الشهيدات منذ سنوات مضت، كونها حفرت بصمودها وثباتها ونضالها وتضحيتها ، اسما عظيما في صفحات النضال ، ومكانة عريقة في سجل تاريخ حزبها بتضحيتها وتضحية عائلتها المناضلة , فهي ام لشهدين ( بشدار ومحمد الحلاق ) حيث لا يزال يذكرهم أبناء مدينتهم ورفاقهم واصدقائهم بكل الاعتزاز والفخر والتقدير ، مهما طوت أيامنا السنين ، وبعثر ذكرياتنا النسيان .

اقف اجلالاً وتعظيماً للمناضلة الشهيدة وام الشهداء ( بشدار ومحمد الحلاق ) ولنضالها ودورها وشجاعتها وصمودها في مواجهة الطاغوت البعثي ...
اقف اجلالاً واكبارا لها ولدورها الكبير الذي اذهل الصديق والعدو بصمودها وثباتها وقوة ارادتها ....
سلاما الى البطلة الشيوعية (عه يشي كَروكه)التي بقت إلى نفسها الاخير صامدة كالجبل الاشم ,قاومت وصمدت ووقفت كالجبال الراسية بوجه الوحوش البعثية في عقر دارهم ...
الشهيدة (كَروكه) لم تضحى بشبابها فقط , بل ضحت بحياتها وحياة عائلتها أيضاً وكانت نموذجا للمرأة الكوردستانية المكافحة في سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية ومبادئها السامية ....

اخيرا اقول :عذرا ايتها القديسة الشيوعية , لم اقصد في حديثي عن نضالكِ المشرف , أن اكافئكِ لاني اعلم علما يقينيا باني لم ولن أوفيكِ أقل القليل من حقكِ فالكلمات تتصاغر أمام عظمة تضحياتك ِو بطولاتكِ وبطولات وتضحية عائلة (آل الحلاق ) ، وإنما هي محاولة مني لاقول لكِ مجددا (مهما تحدثنا وكتبنا, ومهما قلنا فيكم نبقى عاجزين لا نستطيع أن نوفيكم حقكم ولن نستطيع وصف شجاعتكم واخلاصكم وتضحياتكم من اجل الوطن والشعب ) .
تحية وفاء لروح الشهيدة البطلة (عه يشي كَروكه ولعائلتها المناضلة والمضحية ولابنائها الشهداء بشدار ومحمد الحلاق ولجميع افراد آل الحلاق ) وعهدا بالوفاء .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* بدلة الشهيدة (عه يشي كَروكه محفوطة في بيت بنت الشهيدة في اربيل), فيها ( 7 ) ثقوب ظاهرة للعيان وهي اثرطلقات جلادي البعث الفاشي .