المعيشية المجنحة: عن خطل الثباتية الارضية(1/2)

عبدالامير الركابي
2018 / 3 / 20

العيشية المجنحة:عن خطل الثباتية الأرضية؟(1/2)
عبدالاميرالركابي
عمد الغرب مع انتقاله الى العلية السببية المجتمعية / مايعرف بعلم الاجتماع الحديث/ لتكريس نمط من الثباتية التابيدية المجتمعية، كان من شانها انها الغت مفعول الخاصية التحليلية التي ادخلتها على نطاق البحث في الظاهرة المجتمعية، وقد يكون مثل هذا المنحى مبررا ضمن الاشتراطات التي انبثق عندها علم الاجتماع، برغم المتغير الناجم عن الثورة الصناعية البرجوازية، وغلبة الالة انتاجيا، بدل الجهد اليدوي السابق، وقتها لم يتبين ان "علم الاجتماع" مؤهل للتصدي لحالة خضوع المجتمعية السابق للتاريخ المعيشي الثباتي، ولرؤاه المستمرة بالهيمنة من بداية العملية المجتمعية، ولم يبد وقتها، ان هذه تقترب باي شكل، وعلى أي مستوى كان، من ان تصبح عتبة أخيرة، او نهائية. بينما ظلت الاليات المجتمعية، عاجزة عن ان تفضي، او تؤشر باتجاه محطات مجتمعية بديلة،او مايمكن التبشير به اليوم، تحت مسمى " ثورة" داخل هذا النمط من أنماط التفكر الانساني، يفترض بها عبورمختلف مقترحات الثباتية، بما في ذلك اقصى ممكناتها النظرية كما تتمثل ب"الشيوعية"، بحسب ما افترضتها الماركسية، والتي هي أيضا خيار مغلق ضمن نطاق المجتمعية نفسها.
لم يكن هنالك على هذا الصعيد، في الماضي، مايمكن ان يستجلب الانتباه، او التوقف، ولم يكن بالاخص أي توقف، من هذا القبيل، قد غدا ممايمكن التفكير به كاحتمال، من شانه تبرير اعتماد قاعدة أخرى، مباينة جملة وتفصيلا، لدرجة التضاد، من نوع اللاثباتية المجتمعية، وبما يبرراختراق بنية ومنطق التابيد المجتمعي. وانا اعرف على كل حال، ان مااتحدث عنه لايحظى من لدن المتلقي، بالقدر المطلوب من القبول، الذي يتولد في العادة، عن التآلف مع المصطلحات المستعملة، او حتى إمكانية واحتمالية التعرف على الافكار، فليس هنالك من وجهة نظر الثبات الراسخة في العقل الإنساني، مع حكم العادة والتكرار، مايبررقبول الانتقال لاحتمالية منسوبة الى اللاثبات، المعاكسة تماما، واعتبارها على الأخص، كقاعدة. ذلك بينما السائد والبديهي، انها حكما غير موجودة، بالاخص لانها لاتشبه الثباتية، وماتعتقده هذه وتبشر به كبداهة غير قابلة للمراجعه، شاملة ذاتها والعالم. لكن الحفريات مع هذا كله، لاتني عن إخبارنا تكرارا، بان الثباتية ليست بقاعدة مطلقة، او نهائية، على الأقل في نطاق بعينه على مستوى المعمورة.
ومثل هذا التعرض، هو بداهة خارج المعتاد، بما انه يجازف بالذهاب لحد عبور فرضيات المعروف ب "علم الاجتماع" الأوربي الحديث، كما انبثق منذ القرن التاسع عشر، عندما لم يكن واردا على الاطلاق وقتها، مجرد تصور التاسيس ل "علم اجتماع اللاثباتية المجتمعية"، بغض النظر عما اذا كان من حيث التجلي الواقعي، ليس عرضيا، او ، جانبيا، من زاوية مايمكن اعتباره متصلا بالحقيقة الاعلى، وبمصير العالم المجتمعي الإنساني ضمن نطاق تصوري أوسع من المعناد. ولن يكون المطروح هنا باية حال، من نوع مايعرف بتناولات المجتمعية الايديلوجية، او الاستشراقية الأقرب للفولكلورية، على طريقة السيد "علي الوردي"، او الايديلوجيين المتاخرين في غير زمنهم، فالحالة التي نحن بصدد اماطة اللثام عنها، تنطوي على استكمالية وانتقال لطور اخر لاحق، من المجتمعية وعلومها، من دون تصور المضاهاة بالمقابل الغربي، الا باعتباره علامة استدلال، بما لايترك الانطباع المعتاد، او المتضمن اعترافا متداولا باولوية، وعلو قدم الطرف الآخر.
فعلم الاجتماع الغربي الحديث، كما نعتقد، ناقص واولي، وهو مجال مفتوح على مابعده، وعلى ما يفترض ان يستكمله، ويصوب موضوعاته، انطلاقا بالاصل وكاساس، من كونه علما نشأ ضمن ظرف متغيرات تاريخية متأخر، داخل موضع معاكس لحقيقة المجتمعية، بدلالة استمرار ورسوخ ثباتيته وتابيديته الاحادية، ومعلوم تكرارا، ان ركيزة ومنطلق علم الاجتماع المتعارف عليه، أساسها الإقرار المسبق، بثبات الظاهرة المجتمعية، الامر الذي لايجد مايبرره في حالة مجتمعية ليست مجهولة، مثل حالة حضارة وادي الرافيدين، التي نعمد هنا لاخذها كنموذج، ذلك من دون اهمال حضور النموذج المقابل المجتمعي الموازي للظاهرة الرافدينية، من بين حضارات الشرق المتوسطي النهرية، التي عندها، وبها، تبدا العملية المجتمعية بالاكتمال، والمقصود طبعا مجتمع وادي النيل.
ويمكن للبعض ان ينظر الى التفارق بين الحالتين الابتدائيتين، على انه من قبيل "الصدفة"، بحيث يكون لدينا مع فجر المجتمعية الإنسانية، حالتين: الأولى الرافدينية، لاثباتية وازدواجية، والثانية في ارض النيل، أحادية وثباتية سكونية. ان هذه الظاهرة لم تأخذ العقل الى حيث التدقيق في أصناف المجتمعية، من "الازدواج"، الى " أحادية الدولة"، الى " أحادية اللادولة"،/ مجتمعات الانكا والازتك، وامريكا الجنوبية، وأستراليا، وامريكا، وبعض افريقيا واسيا/ مع ملاحظة خصوصية ودينامية مجتمعية، هي الأعلى في صنفها من مجتمعات الأحادية، تمتاز بها بنية اوربا المجتمعية الطبقية بالذات، مايجعلها الأكثر تمثيلا لنوعها من المجتمعات، والاعلى دينامية وحضورا، والأكثر حساسية بنيوية، وتمخضات..
مثل هذا التقسيم، له اثر غير عادي على اجمالي النظر الى المجتمعية الحضارية والتاريخية. على الأقل من زاوية عدم اتفاقة مع أحادية النظر للمجتمعية، والاستدراك عليها، وان كانت غالبة لاسباب تاريخية، بصفتها منظور صنف من المجتمعات، بما لايمنع على سبيل المثال تصور وجود "حالة لامجتمعية"، او "لاثباتية مجتمعية"، وصولا الى "ضد مجتمعية"، ولنحاول بناء عليه، ان نتساءل اذا كانت ظاهرة المجتمعات ابدية ونهائية، او ان مجتمعات الثبات هي ال"نموذجية"، او التي تساوي ظاهرة مانطلق عليه "مجتمع" باكمل حالاتها . ام انها كذلك بصفة مرحلية، ومؤقته؟ بما يعني كونها محطة، تفضي الى مابعدها، وانها قاصرة بالقياس لأغراض المجتمعية العليا المضمرة. من المعلوم ان السكن والمدينة كما ظهرت لأول مرة في التاريخ، هي شكل السكن المجتمعي الأعلى، المعروف الى اليوم، وهو منتهى الممكن كابتكار انساني تجمعي، على هذا الصعيد، تغير وتطورت اشكاله وصيغه، لكنه ظل كما كان بالأساس، تجمعا من وحدات سكنية متحاذية، وشوارع، وساحات، ومرافق عامة، وانا شخصيا اكره هذا الشكل المقيد للاحساس بالابدية، والمثير لرائحة التعفن المستمر منذ الاف السنين، واجد ان "المدينة تحت التراب"، او " مقبرة المدن" العراقية، التي تمتد على مساحة ارض السواد، هي الصيغة الاصلح لان تكون متلازمة مع مستقبل المدن.
ولست استغرب وانا في باريس، او لندن، اذا احتدمت نزعات السياحة، بحيث يكون هنالك نوع من مدينه مجنحة طائره، على مدار اليوم، ركابها على الطائرات يزيدون على الثلاثة ملايين ساكن،فمااراه، واسكنه أحيانا هناك، هو قلعة عديمة الشقوق، مانعه للخيال خارج الجدران المصمته، من دون مخارج، والنقص هنا رهيب، ونصفي، مغلق، اذا ماقورن بالاصل ، فالمدينة لم تنشا في سومر أصلا، باعتبارها مستقرا ثابتا، بقدر ماكانت مؤقته وطينية، آيله للخراب والامحاء، والتدمير لاسباب لاتحصى، تدعمها مفاعيل البيئة المضادة والمكان، وكل مايتصل بالطبيعة. ان بغداد المدينة المستمرة بإعادة التشكل، من لحظة تاسيسها الى الساعة، هي الصيغة المدينية الحية المفتوحة، بينما الغرب يبني مدنا نهائية، شاهقة يقلدها الخليجيون، ممن فقدوا بداوتهم الشعرية المواكبة للخيمة وظهر الجواد والافق، وثباتية قاتله، تنزع القوة الخفية الكامنة، في الكائن البشري، ثمة بغداد العباسيين، وبغداد هولاكو، وبغداد الترك، والعثمانيين، والمماليك، والانكليز، ولكل من هؤلاء مدينة لاتشبه الأخرى، لامن حيث الديناميات، او مشغلات الحياة، ولاحتى من حيث الموضع والمساحة، وعدد الساكنين، ورائحة الأيام، فبغداد مدينه تسير، وتتحرك من الشمال حيث مقابر قريش عند الكاظمية الحاليّة، الى الجادرية جنوبا، وهي قد تفنى كليا بالطواعين والحصارات، وقد فعلت ذلك مرة عام 1831، لتصبح مالم تكنه اطلاقا، غير انها تبقى كدليل اوفر حظا، من سابقتها بابل، التي تنام تحت التراب والزمن، مع هذا تبقى الخربة الكبرى، وهي تتردى بلا نهاية، فتوحي بالانتقال الى "مابعد مدينة"، بالضبط كما وجدت في هذا الموضع من الكوكب الأرضي"المدينة الأولى"، مايعني ان المدن لاتعدم التناسل ضمن اشتراطات ملائمة، وان الانسان قد يكون سائرا دون ان يعي، الى"مابعد مدينة"، او الى المدينة بصيغتها الثانية، الانتقالية المتجهة الى "مابعد مجتمعية".
يتدرج السياق التطوري وسلسلته، ابتداء من اريدو مدينة الالهة، ولكش واور والوركاء، الى بابل ( باب ايل/ الله)، وصولا الى بغداد، متضمنا معنى لايدركة شخص بدائي، وقصخون عثماني مثل "علي الوردي"، يقال عنه انه "عالم اجتماع" على سبيل الطرافة، الانكى ان يضاف له مؤخرا ،المتوفى قبل أسابيع، فالح عبدالجبار، الايديلوجي المتاخر،المفقر خيالا وموهبة. فهاذان من المستحيل لمثلهما ان يبصر، العراق باعتباره موقعا مدينيا اصليا، ومنطويا بالاخص، على مآلات للظاهرة التساكنية، نافية لها، ودالة على مابعدها.
ففرضية المجتمعية الزائلة، وان ظلت مطموسة، فقد استمرت مثقلة بوطاة منظور من خارجها، يكرس اعتقادا عن المجتمعية اجمالا، بمتهى القصور والابتسار، لاعلى مستوى الحكم المباشر، بل وبحسب مايستوجبه من ضرورات تاسيس بعد تخيلي، يمكن تحوله لمخطط مجتمعية مابعد مجتمعية.
ـ يتبع ـ