قارب ورقي

رولا حسينات
2018 / 3 / 19

-... لا عليك، ستبقين حية سنكون من الناجين...

ربط على الجرح لم يكن هناك الكثير ليقدمه، لكنه دس في جيبه علبة من السلفات البيضاء قبل أن يربط الجرح، ملأها بالسلفات البيضاء، وأحكم رباطها، عليها أن تبقى دافئة لا يمكن أن تصاب بالحمى... حتما ستأسرها بين الأجساد المترامية...
الضوء الضئيل للسراج يرسمهم بأشكال مختلفة، مبصرة عيناها في كهف عميق، الرضع يبكون يريدون صدورا ملآى بالحليب، والصدور مرتخية على أجساد النساء...
خواء بخواء...
ماذا يطعمون وماذا يُطعمون؟؟
تبرع أحد الرجال أن يبحث عن حليب للرضع، ذهب معه آخر باحثا عن بطانيات في البيوت المهجورة، والتي بقيت مستيقظة بعد الحرب...
طال انتظارهم والرضع يصيحون والصغار يمصون أصابعهم، لم تكن هناك حجارة يا فاروق رغم كثرتها لتطبخ...
فالحطب بات همّاً... والصمت أكبر وأفزع... جاؤوا بعد طول انتظار بالقليل القليل؛ علب معلبات، مربيات، حليب، طحين، ماء وبطانيات... بات العشرة يلتحفون بطانية واحدة... خمس بطانيات كفيلة بأن تنقذ أرواح الخمسين...
-الطعام...علينا أن نقتصد به لنطعم الصغار والرضع، ونحن يكفينا أن نلعق بطرف أصابعنا لنصبر حتى يفرجها الله ...قالها أحدهم وهو يغيب عن ضوء السراج العويل...
صمت الجميع وتيقظت بطون الصغار... أكلوا نصف أكلة...
كانت ريحانة باردة كالثلج، بعض النسوة احتضنّها بينهن لتدفئتها، لم تصب بالحمى، استيقظت قليلا أطعمتها شيئا من الحساء صنعته إحدى النساء، ارتوت وانفرجت أساريرها... ثم غطت في نوم عميق...
ما أجملك يا ريحانة... يا ليته يبحر وإياها... وأنّى له الإبحار في قارب مبعوج، في خيال من صواري، وأمواه، وصفحة السماء لوجه الحداد راقدة على ظهرها...
لقد آن أوان أن يركل كل مستقبله، وحاضره بقدم شاحبة وأن يتقدم بقلب يأس...
يذكرها حين ارتمت على ذراعه، ودوي القصف يزلزل جدران البيت العتيق...ونبست بجواهر أذابت كيانه، وجعلته يتسلق سلالم إلى السماء...
- شوقي إليك لن تنهيه تلك الكثبان الرملية، ولن يمر ما بيننا هكذا... وكأننا ما التقينا، ويندمل نفقنا من صخر ما عرف الحب يوما ...لن توقفني تلك الأفكار المشحونة التي تُنزف فيه معتقدات افتراضية أتدري ماذا؟؟
-.......؟؟؟
-قد أجد يوما إجابات كثيرة، كي تقنعني دون أن تهمني آراء الآخرين... سيقولون: صغيرة ألهاها بالحب والكلام المعسول؟؟
وأنا وأنت في الصغر سواء...سيقولون: حماقات...سيقولون: أسافين بينهما... لكني على قناعة أنك رغم كل ما يدعونه ....أممممممم ...هكذا حبي لك يهبك النور رغما عنك، يحميك، ويهبك كل ما تشتهيه من قوة...
-الحب يا ريحانة رسالة مقدسة ليست مجرد أهواء وإغواء... إنه بحر كبير، تمخر عبابه، سفينة نوح، فإما أن تطفو، وإما أن تكون من المغرقين ...
جميل وصفك حينها وأسكرتني بعذب كلامك فجعلني أتهادى على أنغام سيمفونية شفافة رغم دوي القصف وغاز الكلور...
قد تعجبين يا حلوتي أن للسيمفونية طقوسا ومفاتيح تشذ عما رغبته أذناك، لكنها سرعان ما تعيد ذاته الرتم فتستقيم الأمور...ولكن الأمور لا تستقيم، إن مددنا أبصارنا، وأسماعنا إلى ما يغير اللحن على الدوام ...
وماذا يدعون حباً بين الأضلاع كان؟؟؟؟
-عندما نريد أن نعرف الوطن يا ريحانة نقرنه بالحيز الذي نعيشه والامتداد الحسي له...ولكنه أعمق من ذلك بكثير.. أأحسست بتلك الهتافات التي جابت الطرقات؟؟ هي التي تنطق بلغة الوطنية وتلهبنا الحماسة والشجون...وفي ذات الوقت كل هذه حقائق لا جدال فيها؛ أن الوطن أوسع وأعم من مجموعة من الأشخاص... ادعوا قداستهم بكرسي سلطة...
كنا صغارا يا ريحانة وقد فاقت تلك الكلمات قدراتنا، وهدير الحماسة يتدفق منها حينما كان معلم الصف يثير حماستنا بالنشيد الوطني، وبمعنى الحب العشق الحقيقي... يضرب على صدره إنه هنا ...افتح قلبك وانظر داخله تجده هناك إنه معجون في داخلنا... لا نعرف من الأول منا!! لكننا نعرف أننا خلقنا سوية...
الخيوط المنسلة من الفجر تمحو آخر فلول الظلام، الليل الطويل وبرودته، وتلك القشعريرة الباردة تهز ما تبقى من اطمئنان، ولكن أي من هذه لم تكن موجودة في القبو الذي حشرت فيه الأجساد...
لا ينسى كيف كتب تلك الكلمات على جدار بيتهم قبل أن يغادره مخليا للصوص الليل والنهار كل شيء..
كونك إنسانا عليك أن تحدث الفرق..
ذلك بالفعل ما عليه أن يفعله... أن يخطو خطوة للأمام بدلا من انتظار الموت الذي لم يستطيعوا مواراته بجثث الأطفال من حولهم...
الدويّ يعلو في الخارج، ويضربهم ليهبطوا في الظلمات...
لابد أنها القنبلة الذكية التي تذيب ما تحت الأرض...دار الأمر في عقله كلمح بالبصر..
صرخ مشدوها... علينا بالخروج آن أوان الخروج من القبر... لكي لا يكون قبرنا...
فتح باب الملجأ حاملا ريحانة لم يدرك من أين أتته القوة ليقفز؟ لكنه فعلها لقد وثب وثبة عالية وريحانة، وقوة هائلة دفعته إلى الأمام مكبلا بكلتا يديه ريحانة، وهم يهوون تحت الركام وهالة حارقة من وهج النار تحرقهم من بعيد، قد مات من في القبر قبل أن يعلنوا براءتهم...
لقد بقيا معا... هو لن يبقى الناجي الوحيد...
قادتني حينها قدماي إلى هناك إلى حيث ذلك النور المنسل من العتمة، وألف سؤال شاحب يلفه...هل سيكون مجندا بينهم ليقضي عليهم وقد خط الشحوب وجهه الغض...؟!
لا أسف يباري متعة الانتقام...حدثته نفسه.
ما عاد من نسيج لحسرته، وقد أزف مرتحلا الغياب... الرحيل نسيجه مخضب بالدم... وقد ولج الليل وهو يسير من مأساة إلى أخرى، والأنين يؤرقه، والحمى تزف بشائرها... وهو في محراب صمته...
أيرفع يديه ويعري نفسه في العتمة أمام العميان ليقتلوه بصلادة قلوبهم؟؟
وحيادية صوتها يأتيه من بعيد...عائش أين أنت؟؟
يراها على سريرها يلفها البياض...يستدير ناحيتها فيراها نائمة باطمئنان...يحاول أن يرتمي إليها لكن الفراغ هو من ينتشله...
عن أي شيء تراه يبحث ومجموع في ثناياه كل هموم الكون؟؟
هن على خاطري يا رب وفي نجواي حب قديم وحب جديد وحب أبدي تراك يا ريحانة...
كل شيء تناثرت أمامه أوراقه على دقات الساعة... والعقارب ثملت الصمت الصدئ...الزمن في الحروب أمر قاتل وحسابه سخف...
فلسفة في الحرب تولد، وشعراء المعلقات ولدوا من غير رحم المعاناة، لكنهم ربما فعلوا ...وما أدراه هو؟!...
لكنه يعرف أن المعاناة قدر ينجب العظماء...كما هي الحرية فتح مبين، والخروج منها أشبه بالوقوع في مصيدة الأبرياء...كلاهما ممكن ونهايتهما هي ما تترجم أمامه على أرض الواقع... والقضية شائكة، أعقد من مجرد صبية كانوا يمرحون، كانوا يرسمون خطوطا وتعابير، مجرد رسوم...مجرد أضغاث للأحلام...
ما الضير في أن تحلم؟؟ لا ضير...
ولكن عليك أن تحلم بغير الكوابيس..
لا يمكن اجتثاث عنادك دون أن تقاوم، وهنا تكون بين المطرقة والسندان..عندما تتضارب المصالح تضيع القضية، وتكون عندئذ أصغر وأضعف وعلامات الاستفهام والتعجب تسقط كسفا أمام محاور الإحباط بين القبول والرفض... والرفض غالب وكأنك تسير على حافة العالم فلا ترجع صدى... ولا تنقذ حيا...
ولن تكون تلك الشعرة التي قصمت ظهر البعير...فكلها شعرات قد أنهكت البعير نفسه...
عندما كانت تحثه الخطى على أن يتبعها ليلعب لعبة الغميضة، لم يكن ذلك في معسكرات طالت واستطالت في الأرض على مسافة هكتارات، ربضت بمعاقل للتجنيد والتدريب، ما عليهم سوى إن يعثرا على بعضهما، إما في خزانة المطبخ أو تحت الأريكة أو في الحديقة وراء خميلة من الخمائل...
وما أجمل أن يعثرا على بعضهما فوق شجرة النارنج، حيث يتبعان الأفاعي السكنية التي امتدت كسحب رمادية في السماء الشاحبة، فتغيب أذهانهما إلى حيث كان... كل منهما قد لعب في تاريخ ما تحرسهما الملائكة في حقول القمح، وبين محصول البرتقال... وهي تلاحق طائر السنونو تطير معه فوق الجبال، والبحر، وفوق الريف، وتجوب الديار طولا وعرضا، وهو ينزلق من طريق على طريق بين النهر الرقراق، والساحات الخضراء، يسوقان ذكرياتهما إلى حيث يخفيانها في صندوقهما الصغير...قصصه، وقصصها، وألف حكاية، وألف رواية وعندما ينامان تغفو الحكايات... وتنسل إلى عالمها فلا يجدانها في صندوقهما...