الشيوعية والتشيع العراقيان .. ردم الهوة؟

عبدالامير الركابي
2018 / 3 / 18

الشيوعية والتشيع العراقيان .. ردم الهوة؟
عبدالاميرالركابي

يكاد المرء يسمع في الآونة الأخيرة، نغمة تذهب لمحاولة الموائمة، بين الشيوعية والتشيع العراقيان، فثمة من يريد من طرف خفي، وبسطحية معتادة، تبرير الالتحاق الحالي لطرف، يبدو انه غالب من الشيوعيين، او من يتسمون بهذا الاسم اعتباطا، بأحد المكونات الرئيسية لل"الطائفوقراطية" السائدة في العراق اليوم، باسم "العملية السياسية/ الطائفية"، بعضهم يذكر بالمواكب الحسينية، واشتراك الشيوعيين فيها تحت يافطة شيعية، وهذا ملمح، الاغلب ان من يحاولون صياغته، لايعرفون عنه شيئا جديا، مثلا هم لايتذكرن من هو الشيخ فاضل الرادود، وقصيدته "مادام ديزيد الظلم باحكامه ... مادام ديزيد وكصيره أيامه ... والظلم دمر لو دام .. بنيانه حتما ينهدم بنيانه" والقصيدة القاها في مدينة الشامية عام 1963 في عز حكم الحرس القومي والبعث، والحملة الدموية ضد الشيوعيين، وكان هو اعتاد على ان يتحايل، ويقرا غير مايكتب، ولما انزل من المنبر، وجرت محاولة اعتقاله، ابرز الورقة التي كتبت فيها القصيدة، فاذا هي "مادام ليزيد الظلم باحكامه" أي يزيد بن معاوية، الخليفة الاموي، وليس البعث القائم في حينه، وتكتمل القصة وقتها، بحضور متصرف الديوانية الى قضاء الشامية، وكان وقتها "حسين الصافي" الذي امر باطلاق سراح فاضل الرادود، بعد ان القى كلمة في المدينة، شاعت على اثرها الهوسة المعروفة "مليوصة ياحسين الصافي" .
نفس فاضل الرادود، كان القى عام 1957 ، قبل اشهر من ثورة 14 تموز 1958 ،قصيدة أخرى في مدينة السماوة، أدت لنفس الازمة، ودفعت بممثلي الحكومة لانزاله من على المنبر، جاء فيها "نصر من الله نصر.. وفتح قريب .. طالت الغيبة لابد انتفاضة... وفتح قريب" وكالعادة، تبين ان المكتوب لايطابق المقروء، وبما ان التسجيلات على الهواء وقتها لم تكن مستعمله، فقد احتج الشيخ فاضل، بالنص الذي بين يديه وهو "نصر من الله نصر.. وفتح قريب.. صاحب الغيبة لابد انتفاضة... وفتح قريب " والمقصود بصاحب الغيبة هنا " المهدي صاحب الزمان". وكان فاضل الرادود، "أبو عصري" وقتها، يجري جولة بعد خروجه من السجن تلك السنه، في منطقة الفرات الأوسط، بعد ان قضى فيه بضع سنوات، دخله وقتها لاسباب خاصة لاعلاقة لها برداته الثورية المبطنة.
ولاتقف التداخلات، بين اجمالي الموقف الشعبي المناهض للحكم قبل ثورة 14 تموز، ومواقف الأحزاب وقوى "جبهة الاتحاد الوطني"، بالاخص وان الإسلام الشيعي وقتها، وحتى قرابة ثورة تموز1958 ،لم يكن قد عرف "الحزبية"، واولها "حزب الدعوة" الذي بدأ تاسيسه عام 1957 ،ولم تكن قبلها سوى "المرجعية" النجفية، ماتزال هي مركز القيادة الوحيد الشيعي، منذ القرن الثامن عشر( بعكس مايظن فان التشيع العراقي الحالي، هو تشيع حديث ارتبط باليات تشكل العراق افي دورته الثالثة الحديثة الراهنة، لاعلاقة له بالتشيع التاريخي العباسي، نشا على قاعدة "دولة لادولة مدينية" في النجف، لاتحتكر السلاح، ومتداخله بنية، مع بحرها العشائري المساواتي المحيط، حين راح "الموامنة" يتغلغلون بين العشائر الجنوبية السنية، انطلاقا من الحلة والنجف، مستندين الى موقف القبائل المشاعية، من الحكم العثماني، والازمة الناشئة عن عدم التلاؤم بين القبيلة المساواتية والقيادة القبلية التغلبية الأولى، المتصدرة للزعامة منذ القرن السابع عشر) ولم يحدث الانتقال الى "الحزبية" الاسلاموية قبل الخمسينات، تحت ضغط ودواعي تصدر الأحزاب والقوى الايديلوجية الحداثية، الماركسية، والقومية، والليبرالية، بعد الثلاثينات، وهيمنتها الكاسحة على المجال الشعبي،وقيادتها المشهد المناهض للحكم، ماجعل من هذه الظاهرة/ الاسلاموية الحزبية/، اقرب في الجزء الأساسي من مبررات وجودها، الى ردة الفعل، ناهيك عن الانضواء للاجواء العامة الإسلامية، المتاثرة اجمالا بصيغة التنظيم الحزبي الحديث، بالاخص تيار الاخوان المسلمين الباكستاني الأصول / استلهاما ل "ابي الأعلى المودودي"/ والمصري منذ "حسن البنا"، و"رشيد رضا" العراقي الأصول، المنتقل الى مصر من "الالمون" شمال لبنان، وصاحب "المنار" منبر الاخوان المسلمين الأول.
وثمة مؤشرات على ان من نهضوا بداية بالحركة الحزبية الإسلامية، كانوا منزعجين بقوة من نفوذ الحزب الشيوعي، بين الأوساط الشيعية في العراق الأسفل تحدبدا، والجدير هنا ان يلاحظ بان الحركة الشيوعية قد ولدت في الموضع المولد تاريخيا، للتيارات المعارضة والمناهضة للحكومات على مر التاريخ، وهذا الجانب الأساسي من تاريخ العراق، يرجع لطبيعة بنيته الكيانية التاريخية، ككيان مزدوج من دولتين: "لادولة" في ارض السواد، تركب فوقها عادة دولة من خارجها، تتحصن داخل مدن معسكرة، معزوله عن المجتمع المنتج، الذي لايفرز من داخله سلطات منفصلة، ويتساوى في تكوينه، ومقومات عمليتة الإنتاجية، سلامة العملية الإنتاجية التشاركية، وحرية المنتجين، دول تمايزية، تمارس احتلاب الريع بالغزوات المسلحة، قبل ان تعود الى داخل حصونها وقلاعها، ماكان يولد بداهة، الحركات المتفقة كينونة وبنية، مع طبيعة المجتمع، او الصيغة المجتمعية هناك، كما كان عليه الحال أيام الامويين والعباسيين، بظهور تيارات الإسماعيلية، والتشيع، وحكومة القرمطية، عدا عن جملة الأفكار والتيارات، الفلسفية والفكرية، فضلا عن التقعيدية اللغوية وغيرها، كما كان عليه الحال في البصرة والكوفة، بصفتهما المنتج الزاخر، الشديد الدينامية والثراء، لمجتمع اللادولة التاريخي في ارض السواد، قبل ان تنتج الكوفة، اخر واعلى اشكال الدولة المنفصلة، بقيام بغداد كعاصمة امبراطورية، لجأ اليها العباسيون، هربا من "مجتمع اللادولة"، بعد ان تنقلوا اثر الانتفاضات التي أحاطت بهم، ومنها انتفاضة الراوندية، مابين الرمادي، والهاشمية، قبل ان يستقر بهم الحال في بغداد، حيث "عراق الجزيرة الأعلى، والانفتاح شرقا، بعد ان تامن ذلك المجال بموجة " الفتح" الإسلامية الأولى" ، بدل عراق"ارض السواد" الجنوبي.
ولان تاريخ العراق الحديث، مرسوم على وفق الإيقاع الايديلوجي، الذي يكرس بقوة وحدة الكيانات والمجتمعات، بناء على الرؤية الاستعمارية، التي ترى في العراق منتجا "حديثا"، تمخض عن التحاقه ب "السوق الراسمالية العالمية"، فلقد بقيت ظواهره الأساسية، والاهم، مطموسة، باعتباره كيانا استثنائيا من حيث البنية، مقارنة حتى ببنية الكيانات الاوربية الحديثة المنتهية الى (الدولة/ الامة)، كنتاج طبيعي لاليات المجتمعات الغربية الاوربية، الطبقوية الافقية الانقسام، فلم تلاحظ مثلا ظاهرة تأسيس الحزب الشيوعي وحزب البعث، بصيغتهما الارسخ والانضج عمليا، في الجنوب العراقي، بينما يستمر الاعتقاد الاعتباطي، عن تقدم العاصمة وتخلف ارض الشراكوة، من دون حتى الانتباه الى اهتمام العالم والغرب وباحثية، بحضارة سومر وبابل لاغير، ولاحتى بخاصية عودة عمل، الاليات الحضارية العراقية، بعد الفتح الإسلامي، ونشوء العراق الامبراطوري من الجنوب / الكوفة ـ البصرة/ بما في ذلك، اكتمال البنية الإمبراطوريةالكونية، بقيام بغداد الكوفية الأصل، والمنشأ.
ثمة مصادرة داخلية دائمة، للفعل الحضاري الأساسي، لمجتمع اللادولة، الأساس التكويني للمجال الحضاري الرافيديني. تعززت في العصور القريبة اليوم، بقوة حضور الغرب المفهومي، وتسييده منظور ( عراق مابعد 1920 المقطوع الأصول بما قبله) وهو منظور لاوطني، استعماري، من نمط الاستعمار المفهومي، يقتل قرابة قرنين ونصف القرن من تاريخ العراق الحديث، السابق على حضور الغرب، والخاضع لاليات العراق التاريخية الصرفة، بدات منذ القرن السابع عشر، مع شروع مفاعيل فترة الانقطاع الثانية ، التي أعقبت سقوط بغداد 1258 بالتراجع( الأولى تبدا مع سقوط بابل وتنتهي مع الفتح الجزيري للعاق).
ينشا العراق بحكم كينونته، وطبيعته الكيانية الازدواجية، وكقاعدة ثابتة، من الأسفل، تكررت من دون أي استثناء، خلال ثلاث دورات، الأولى السومرية البابلية، والثانية العباسية القرمطية، والثالثة الحالية ( المنتفكية/ التحولية)، وهذا القانون، لم يتغير، ولا فقد قوة مفعوله بعد حضور الغرب، وهيمنة مفاهيمة الايديلوجية، فظل تاريخ العراق محكوما في الجوهر، لفعل الياته، برغم الاستعارة، وقزة الاسقاط المفهومي، والتفسيري الايديلوجيىي، المفترض والمتخيل لمسارات تاريخه، منتظرا الطور الحديث الثاني من تاريخه، بالانتقال، من الايديلوجيا، الى المطابقة التاريخية المفهومية، الامر الذي سينجم عنه وينشا في سياقه، انقلاب غير عادي، لاعلى مستوى العراق، بل في مجال علم الاجتماع عموما، بعد دخول مفهوم "الازدواج المجتمعي" و"التحولية التاريخية"، المواكبة والملازمة لهذا النوع من المجتمعية، مجال وعالم النظر، والمفاهيم المجتمعية الكونية.
من هذا المدخل، يمكن رؤية الصلة، او التناغم العام، بين ظاهرتي، التشيع، والشيوعية العراقية، بصنفيها القديم والحديث، بالاخص توافقات من نوع "الحتمية التاريخية" معادل "الغيبة والظهور في اخر الزمان"، والنزعه الاستشهادية، واللاسلطوية التضحوية كقيمة مجتمعية، وهي وغيرها من المناحي الأساسية في تكوين "مجتمع اللادولة"، مايمكن ان يفسر مكانة ودور الحزب الشيوعي الحديث، بغض النظر عن طبيعته الايديلوجية الغريبة، ومنها الاعتقاد المفترض بان قيامه في العراق، أساسه الطبقات، والصراع الطبقي، بدل حاجة "مجتمع اللادولة" عند لحظة لجوء الاستعمار ل "الدولة الحديثة"، الى "دولة مقابلة من اسفل، من نفس نسيج الدولة المقامة في الأعلى، من خارج النصاب المجتمعي" .
على مشارف تجاوز الاليات التاريخية الرافدينية العراقية، معبر، ومحطة الغرب، وسطوته المفهومية، وانهيار مايعرف ب"تجربة الحداثة" وانتهائها الى "كارثة شاملة"، مع مفاهيم قواها الايديلوجية، وبمقدمها "الوطنية الحزبية"، نشهد اشكالا من التخبط الجهول المضطرب، والصبياني البدائي، الممزوج بمحاولة فبركة غشمية وساذجة، مخالفة لابسط مقومات الوطنية كونية التاريخية العراقية، وكل هذا وغيره، متوقع له ان يتزايد تراكما، في الوقت الذي تتعزز فيه وتتكامل، الرؤية التاريخية العراقية المطموسة، ويماط عنها اللثام، لتلقي بكل النظرات المقحمة، على موقع من اهم مواقع الصيرورة التاريخية الكونية، خارج اللوحة التاريخية.