انتفاضة آذار الكردية وأزمة الفكر القومي العربي الكلاسيكي في سوريا

صالح بوزان
2006 / 3 / 10

أعتقد أن المرحلة القادمة ستشكل خطراً أكبر على حقوق الشعب الكردي في سوريا، وستتعرض قضيته لتجاذبات جديدة، ربما تكون نتائجها أكثر سلبية مقارنة بالمراحل السابقة، هذا إذا لم يستدرك قادة الحركة الكردية السورية ومثقفوها طبيعة واتجاهات هذه التطورات المحتملة، ولم يتصرفوا بمسؤولية تاريخية تجاهها. لا أقول هذا الكلام جزافاً، بل من خلال التطورات الأخيرة منذ انتفاضة 12 آذار2004 ولغاية اليوم، مروراً بإعلان دمشق ونتائجها السياسية، وردود الأفعال تجاهه، سواء من بين الموقعين، أو أولئك الذين رفضوا التوقيع عليه بسبب البند المتعلق بالأكراد. إضافة إلى الإعلانات الأخرى التي فتح إعلان دمشق الشهية الوطنية المتأخرة لبعضهم، وأخيراً وليس آخراً انشقاق السيد عبد الحليم خدام عن جماعته وانضمامه إلى المعارضة، ولقائه مع زعيم إخوان المسلمين, وبعض تصريحاته الخجولة عن الواقع الكردي السوري.
لقد عكست هذه التطورات طبيعة التفكير السياسي العربي تجاه الأكراد وقضيتهم القومية. كما بينت المستوى الذهني للقيادات الكردية التي غالباً ما تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية، وعدم القدرة للخروج من محيطها الحزبي إلى فضاء مصلحة الشعب الكردي السوري.
سأتطرق في هذا البحث إلى جملة من التطورات التي سبقت الإشارة إليها، ولا سيما تحليل جذورها، ومن ثم استنتاج أهم المعضلات المصيرية للشعب الكردي السوري، والأخطار التي تهدده في البعد المنظور.
في البدء أريد التوضيح أنه عندما أتطرق إلى القضية الكردي السورية، ومكانتها في الاستحقاقات الوطنية الراهنة، أتصرف كمواطن سوري قبل أي اعتبار آخر. فمهما تكلمنا عن معاناة الشعب السوري، ولاسيما الفقراء منه، في ظل حكم حزب البعث، فإنها لا تقاس بما عانى ويعاني الشعب الكردي من اضطهاد وتمييز عنصري وإفقار مقصود لمناطقه، والسعي المبرج للقضاء على هويته، بل انتمائه الوطني، وإجباره على التعريب. ولهذا أعتقد أن من يحاول التساوي بين هذه القضية والقضايا الأخرى للشعب السوري، فهو إما جاهل بحقيقة هذه القضية النازفة منذ أكثر من نصف قرن على الأقل، وإما أنه يخفي موقفه المتنكر لحقوق الشعب الكردي في الاختباء وراء قضايا الوطن الأخرى. تماماً كما يقول بعض القوميين العرب بأن صدام حسين كان عادلاً في ظلمه لكل الشعب العراقي. إن هذه الفلسفة السياسية تعبر عن تهرب أصحابها من الوقائع المادية على الأرض، بل هي تتضمن تبرير الأبارتائد الصدامي ضد الأكراد في العراق، والخوف من مجابهة الحقيقة الكردية في سوريا.
أعتقد أن هذا الفكرالسياسي العربي السوري، مصاب بمرض أفكار وسياسة حزب البعث القومية، ولو أن الغالبية العظمى من المعارضة السورية تدعي العكس، بما في ذلك غالبية الكتاب والمثقفين السوريين وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية وجماعات المجتمع المدني. فهذا الفكر السياسي مبني على نظرية قومية عربية لا تعترف أصلاً بالحقوق القومية الكردية وغير الكردية. وربما تعود جذور هذا التفكير الأحادي إلى تلك المرحلة التي تكونت فيها الدولة السورية الحديثة في النصف الأول من القرن الماضي.
عندما نتصفح آراء المثقفين والساسة العرب السوريين حينذاك، لا نجد أية آراء تتعلق بحقوق القوميات الأخرى التي تعيش مع العرب. فالفكرة المؤسِسة لبنية تفكيرهم السياسي هي العروبة، وحتى الإسلام فهو جزء من هذه العروبة وليس العكس، ولا يوجد في ساحة هذا الفكر أي مكان لشعب آخر. صحيح أنه لم يكن عندئذ لدى الغالبية منهم ما يشبه التفكير العنصري، لكن الفكرة التي كانت تسيطر على عقليتهم، هي إعادة المجد العربي، وتحقيق "الرسالة الخالدة"، على الامتداد الإسلامي في العصور الغابرة. وكأن كل ما كان إسلامياً؛ شعوباً وجغرافيا فهو عربي، ولا يجوز أن يقول أحد عكس ذلك. وإذا كانت بعض الواقعية تطلبت منهم الاعتراف بدول إسلامية تشكلت في إطارها الوطني، ولم تعد الإمكانية متوفرة لاسترداد تلك الهيمنة العربية عليها لا عن طريق الإسلام ولا عن طريق آخر، فإن هذه الواقعية لم تشمل تلك الشعوب التي ورثها العرب من العصور الإسلامية سواء في المشرق أو المغرب، أو في جنوب السودان..الخ، هذه الشعوب التي باتت ضمن النفوذ العربي أرضاً وشعباً حسب اتفاقية سايكس بيكو.
لم يخرج عن هذه المعادلة الجبرية حتى أولئك المثقفون الذين تنوروا على أفكار النهضة الأوروبية، وتغنوا كثيرا بتلك الفلسفة الأوروبية التنويرية ذات الطابع الإنساني. والملفت للانتباه أن غالبية هذا القسم من المثقفين كانوا مسيحيين، وكان أحد الدوافع الرئيسة لتوجههم الغربي هو الارتقاء إلى مجتمع لا يكونوا فيه مواطنين من الدرجة الثانية، كما كان الحال في العهدين الإسلامي والعثماني. ولم يجد هؤلاء سوى نمط الفكر القومي الأوروبي (بترجمته العربية الضيقة) كإطار يحقق هذه المعادلة. لكنهم كانوا يدركون مدى ترسخ الفكر والعادات والتقاليد الإسلامية في المجتمع العربي المتخلف. ولذلك تصرفوا بحذر تجاه الإسلام، ولم ينشطوا كزملائهم الأوروبيين في الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة. بل سعوا لدمج الإسلام في الفكر القومي العربي، كما فعل ميشيل عفلق.
على الرغم من أنهم كانوا رواد نقل الفكر الأوروبي إلى المجتمع العربي المشرقي كما سبق القول. إلا أنهم لم يخرجوا عن المفهوم السياسي الإسلامي الكلاسيكي. هذا المفهوم الذي أسسه الخلفاء الراشدون وعمقه الخلفاء الأمويون، ومارسه العباسيون أيضاً، فالمنطق كان عندئذ أن ما يصل إليه جند الإسلام (تحت اسم الفتوحات) يصبح تابعاً للخليفة، ولا حقوق للشعوب غير العربية سوى المساواة في الدين، والموافقة على استدرار خيرات الأقاليم والبلدان إلى خزينة المركز. لقد كانت حالة استعمارية أشد ضراوة بكثير من الاستعمار الغربي الذي عرفناه فيما بعد. لقد بدّل هؤلاء المثقفون(قلنا كان غالبيتهم مسيحيين) ذلك المفهوم الإسلامي بالمفردات القومية تجاه الشعوب غير العربية والقوميات الأخرى. بل وجدنا فيما بعد أنهم كانوا أكثر تشدداً تجاه الأكراد، وشكلوا الكتائب الأولى لرواد القومية العربية ونظريتها العنصرية، وكان لهم الدور الأول في تشكيل التنظيمات القومية العربية ولا سيما في تشكيل حزب البعث العربي.
لقد بُني هذا الفكرالعربي الكلاسيكي على أساس النقاء العربي(لا أقصد نقاء الدم) وعلى فكرة استعادة الإمبراطورية الإسلامية بالصيغة العربية القومية هذه المرة. وكانت هذه النظرية القومية تبرر الغزو والاحتلال والنهب خلال تلك الإمبراطورية السابقة، ولم نجد مثقفاً عربياً واحدأ انتقد الغزوات الإسلامية التي كان هدفها الأساسي نهب خيرات العالم وتوسيع النفوذ السياسي العربي على حساب الشعوب والأمم الأخرى. بعكس الكثير من المثقفين الأوروبيين الذي انتقدوا بكل جرأة الاستعمار الغربي على الدول الأخرى. بل كان هناك حزن داخلي لدى غالبية المثقفين والساسة العرب على ضياع الفردوس الأندلسي. وكأن الغزو العربي على أسبانيا واحتلالهم لها عدة قرون جعلت أسبانيا ملكاً إلهياً لهم. تماماً كما يقول التوراة لليهود، بأن أي أرض تطأه أقدامكم فهي لكم.
لقد كان الإسلام وعاء لتعريب الأمم الأخرى وصهرها في بوتقة الأمة العربية، وأراد القوميون العرب متابعة هذا الأسلوب تجاه القوميات غير العربية بطريقة أخرى، أقصد بصهر كل الأقليات القومية الأخرى في بوتقة القومية العربية. وقد توقف عند هذه الفكرة مطولاً الكاتب أحمد الصاوي في كتابه "الأقليات التاريخية في الوطن العربي"(مركز الحضارة العربية للإعلان والنشر-1989). حيث يوضح هذا الكاتب كيف نجح الإسلام في صهر الأمم الأخرى في الفضاء العربي، ويأسف لفشل الفكر القومي العربي متابعة هذا النهج في العصر الحديث تجاه الأقليات القومية في الوطن العربي.
الجديد الذي حدث خلال مرحلة الانتداب الفرنسي، أن الأحزاب العربية القومية التي كانت تتشكل، اقتبست نظريتها القومية من النظريات القومية الأوروبية، وما حوت هذه النظريات من مفردات سياسية وفكرية. وكانت النظريات القومية الأوروبية الأكثر جاذبية لدى المثقفين والساسة العرب عندئذ هي النظرية القومية بصيغتها النازية والفاشية. ومعروف عن هاتين النظريتين أحادية التفكير وإلغاء الآخر، إلى جانب التطرف في التفكير العنصري.
لقد تشكل حزب البعث على مبادئ هاتين النظريتين، وكان له الدور الأكبر في تعريب مفرداتها، بحيث وضع قالباً عروبوياً للبلاد والعباد. وخلال سنين حكم هذا الحزب في كل من سوريا والعراق جرى تعميم هذه النظرية القومية العربية على عامة الشعب، بل على القسم الأعظم من الشعوب العربية. وأصبحت بالتالي جزءاً أساسياً في تفكير المثقف والسياسي العربي السوري، بما في ذلك في تفكير وأدبيات المعارضة السورية لغاية السنوات العشر الأخيرة. وقد لا نجد في هذه المعارضة من يفكر أصلاً خارج هذه النظرية، ولو أنهم يستخدمون مفردات أخرى.
وإذا كان قد شذ قليلاً الحزب الشيوعي السوري عن هذا التفكير نظرياً، فقد كان ذلك نتيجة الجانب الأممي في النظرية الماركسية التي تبناها بوعي أو بدون وعي، ولم تكن قيادات هذا الحزب حينئذ قادرة على الخروج عنها، خصوصاً في فترة المد الشيوعي العالمي قبل الحرب العالمية الثانية، ولا سيما بعدها، حين كانت التبعية الفكرية لمركز الحركة الشيوعية ما زالت قوية. وعندما بدأ هذا المد يتراجع، أخذت الأصوات القومية العربية تتردد في الحزب الشيوعي السوري، وبدأت الانشقاقات. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي خرجت فصائل هذا الحزب المتشظي عن ماركسيتها وأصبحت غالبية تياراتها تمارس السياسة بهدي من نظرية حزب البعث القومية أكثر من النظرية الماركسية.
ومع ذلك، كانت الأممية لدى الحزب الشيوعي السوري تعني الوقوف مع الاتحاد السوفييتي والتضامن الطبقي العالمي، إلى جانب وحدة النضال التحرري لشعوب العالم الثالث ضد الاستعمار. ولم تعن هذه الأممية في يوم من الأيام حقوق الشعوب الموجودة في إطار البلدان العربية المتشكلة على قاعدة اتفاقية سايكس بيكو. ولهذا لم يول هذا الحزب أي اهتمام بحقوق الشعب الكردي في سوريا، بل لم يتعرض إلى هذا الشعب أصلا لغاية السبعينيات من القرن الماضي.
إن ما خلق اضطراباً كبيراً في الفكر القومي العربي الكلاسيكي، هو التطورات الكبيرة التي حدثت منذ العقد الأخير من القرن الماضي ولغاية اليوم، وعلى صعيد مختلف التيارات الفكرية والسياسية في سوريا، من اليمين ولغاية اليسار، بما في ذلك لدى التيار الإسلامي الذي اقترب أخيراً من القضية الكردية بشيء من الوضوح مقارنة مع بقية أطراف المعارضة. ولعل أهم هذه التطورات:
1- فشل الدولة القومية العربية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، والانحدار الكلي إلى الدكتاتورية والدولة الأمنية التي شكل الفساد من القاعدة إلى القمة بنية تماسكها الداخلي وسر استمراريتها، وبالتالي الانهيار التدريجي لكل الأهداف القومية التي خلقت الإطار الجماهيري لها في البداية، خصوصاً قضيتا الوحدة العربية وفلسطين.
2- انهيار الاتحاد السوفييتي وبقية الأنظمة الاشتراكية الأوروبية، الذي كان يخلق المجال الحيوي لهذه الدول القومية الاستبدادية التي استفادت من الثنائية القطبية والتذبذب بين الشرق والغرب، والتطفل على هوامش صراع مصالح الدول الكبرى.
3- ظهور الفكر الديمقراطي وحقوق الإنسان على الساحة العالمية، هذا الفكر الذي شكل ومازال يشكل التهديد المباشر لكل العقلية السياسية والفكرية الاستبدادية في العالم الثالث، خصوصاً لما يملك هذا الفكر من طموح جماهيري وبعد عالمي.
وهكذا، فالفكر القومي العربي الذي صاغه الرواد القوميون العرب الأوائل أمثال زكي الأرسوزي وميشيل عفلق وصلاح بيطار، وطوره وسعى إلى تطبيقه بالقوة الاستبدادية قادة قوميون مثل عبد الناصر وصدام حسين وحافظ الأسد، أصبح هذا الفكر والمنظومة السياسية المنبثقة عنه يتناقض مع التطور العام الجديد في الفكر البشري الراهن وفي السياسة العالمية المعاصرة.
انطلاقاً من هذه الوقائع الجديدة، بدأ الفكر القومي العربي بصيغته البعثية، وكذلك كما هو لدى القسم الأعظم من المعارضة السورية، يعاني من أزمة خانقة. فقد أصبح مضطراً أن يتعامل مع معطيات لم تكن في تفكيره السابق، بل ليس لديه تراث في التعامل معها أصلاً. وهذا ما يفسر الارتباك والتناقض في توجه المعارضة نحو الحقوق القومية الكردية، بل يحمل هذا التوجه الكثير من التحفظ المسبق وشروط نفي النفي، وترك الباب واسعاً للتراجع لاحقاً. فمن ناحية لم يعد القفز على هذه الحقوق ممكناً، ومن ناحية أخرى فإن أي اعتراف بهذه الحقوق يعرض ماضي هذه المعارضة للانتقاد التاريخي، وهو ماض لا يختلف من الناحية الفكرية عن فكر حزب البعث كثيراً.
أن الحدث الذي جعل هذا الفكر السياسي العربي يفقد توازنه الكلاسيكي، هو ما أحدثته انتفاضة 12 آذار الكردية عام 2004. هذه الانتفاضة التي خلقت خللاً عاما في المنظومة الفكرية العربية السورية، بل كشفت تناقضاتها البنيوية. لقد سقط منهج التجاهل الذي كان مستمراً تجاه قضية هذا الشعب منذ تشكيل الدولة السورية، وما عاد بإمكان الدولة الأمنية البعثية ولا المعارضة أن تتعالى على هذه القضية، وتخفيها عن أنظار الشعب السوري والعالمين العربي والعالمي.
لقد تطرق إلى أحداث 12 آذار كل الإعلام العالمي والعربي، وحتى الإعلام السوري لم يستطع تجاهلها، ولو أنه تصرف بطريقة كشف فيها مدى إشكالية منطق النظام السوري في التعامل مع هذا الحدث الكبير. المهم سقط التجاهل التاريخي، وبينت الأحداث حقيقة الشعب الكردي السوري، ووضوح جغرافية تواجده، وحيوية ارتباطه بقضيته، ومدى استعداده للتضحية.
عندما أقول أن حزب البعث عمم نظرية قومية عروبوية عنصرية على كل الشعب العربي السوري وقواه السياسية والعديد من مثقفيه، فإنني لا أقول ذلك اعتباطاً. فقد جاء الدليل الأول على ذلك من الشارع العربي السوري، حين بدأ هجوم عربي شعبوي واسع تجاه الأكراد في مختلف المدن السورية، دون الاستفسار عن الأسباب الجوهرية للانتفاضة. هذا الهجوم الذي سعره الإعلام الرسمي وامتداداته القومية في بعض البلدان العربية. وجرى الاعتداء الشخصي على الأكراد وممتلكاتهم وأحياناً قتلهم غدراً. وجاء الدليل الثاني من القوى السياسية اللابعثية، سواء من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، أو قوى المعارضة السورية ومنظمات المجتمع المدني. باستثناء بعض المثقفين الذين أبدوا شجاعة فكرية ووطنية متميزة. وهكذا انزلقت غالبية القوى السياسية السورية إلى هذا الهجوم الأعمى ضد الأكراد. فأحزاب الجبهة تطرقت إلى المؤامرة الأمريكية والصهيونية تحت مسمى الأيدي الخارجية التي حركت الانتفاضة(طبعاً لم يسم أحد من أعضاء هذه الأحزاب بأنها انتفاضة، بل قالوا اضطرابات، وبعضهم- لاسيما البعثييون- قالوا مؤامرة). وخرج الأعضاء القياديون في هذه الأحزاب ليتكلموا عن هذه المؤامرة المزعومة. والملفت للانتباه أن معظم المتحدثين من هذه الأحزاب كانوا أكراداً، ولم يتطرق أحد منهم للهجوم الشوفيني السافرالذي قام به أنصار النظام الصدامي في كل من الدير الزور والحسكة، والقاعدة البعثية المشبعة بالتنكر والحقد الدفين تجاه الأكراد، خصوصاً بين صفوف ما يسمى بالعرب الشوايا(هم عرب الحسكة والرقة والدير الزور). ومرة أخرى كشف اليسار العربي مدى هشاشة الفكر الماركسي لديه وانتهازيته في التعامل مع إحدى القضايا الوطنية الحساسة.
بالرغم من أن قوى المعارضة السورية وجماعات المجتمع المدني لم تعزف على اسطوانة السلطة وأحزابها الجبهوية، لكنها تعاملت مع انتفاضة الأكراد ببرود شديد. فكانت بياناتهم خجولة، ومليئة بالحذر الشديد، ولم يقم أي تنظيم ولو بمظاهرة شكلية تضامناً مع الأكراد، في الوقت الذي كانت هذه المعارضة وما تزال تقيم الدنيا ولا تقعدها بمجر اعتقال السلطة لأحد أعضائها ولو كان عضوا عادياً. لقد قُتل الأكراد في الشوارع ، وماتوا في المعتقلات تحت التعذيب، ومع ذلك لم يرتق كل ذلك لدى المعارضة السورية إلى مستوى اعتقال الدكتور عارف دليلة ورياض سيف ومأمون حمصي وغيرهم، مع تقديري وانحنائي أمام نضالهم المشرف في سبيل التغيير.
أقول للحقيقة، أن انتفاضة 12 آذار خلقت اضطراباً كبيراً في عقلية المعارضة السورية بكل أطيافها، تلك العقلية التي لا تبتعد كثيراً عن عقلية حزب البعث في النظرة إلى الأكراد(باستثناء الموقف التاريخي لحزب العمل الشيوعي الذي بدأ يتراجع هو الآخر مقارنة بما كانت تتضمنه ثائقه في الثمانينات، وتلك المواقف المشرفة لسجنائه أمام محاكم النظام الصورية، وهم يدافعون عن القضية الكردية السورية أكثر من بعض قادة الأكراد).
لقد بات واضحاً للجميع أنه لا يمكن التوفيق بين الوقوف ضد النظام البعثي الفردي، والمستلب لحقوق الشعب السوري الأساسية، والتقاطع معه في الاستهانة بالقمع اللامحدود ضد الأكراد واستباحة أرواحهم وممتلكاتهم، وحتى التعرض لشرفهم الشخصي، من خلال اعتقال النساء وتعذيبهن.
عموماً جرى التشكيك المباشر بوطنية الشعب الكردي السوري من قبل جميع القوى السياسية العربية والشيوعية السورية. بعضها شككت بشكل مباشر، في الأحاديث العامة وفي الندوات الداخلية وعلى صفحات الجرائد، وبعضها الآخر غمزاً وتورية، ولاذ قسم منهم بالصمت وغمغمة الشيطان الأخرس. لقد اتخذ هذا التشكيك منهجاً صارخاً في معاكسة الموضوعية. فجرى تقسيم الشعب الكردي في سوريا إلى أفراد ضمن مجموعتين. المجموعة الأولى يمثلها ذلك الكردي المبتعد كلياً عن قضية الشعب الذي ينتمي إليه، والمستسلم للمصير المرسوم له بالسير جبراً أو ذاتياً إلى التعريب ومهاجرة هويته القومية، بل المساهمة الفعالة ضد بني جلدته، وأسقطت جميع الصفات الايجابية من وطنية وإخلاص وحب الوطن ومعاداة الإمبريالية والصهيونية عليه، وغير ذلك من الصفات الحميدة التي يحويها القاموس العربي. لقد جرى مدح هذا الكردي الهارب من قضيته، وكان يعني ذلك أن الكردي الجيد هو الذي يتنكر لكرديته. أما المجموعة الثانية فهو ذلك الكردي، الذي إلى جانب دفاعه عن وطنه سوريا والمساهمة المادية والمعنوية في قضايا الشعب العربي ليس في سوريا فقط، بل في كل الأقطار العربية، ولكنه في الوقت نفسه لا يتجاهل قضية شعبه في الإطار الوطني، ويلح أن يكون العربي مثله، يتضامن مع قضية شعبه كما يتضامن هو مع قضية كل الشعوب العربية. لقد أصبح هذا الكردي الأخير عنصرياً وعميلاً ويتحرك بإيعاز من الإمبريالية والصهيونية، ويريد تقسيم البلاد والعباد. إن هذا التعامل السياسي الميكيافلي مع الشعب الكردي في سوريا هو في غاية العنصرية والانحطاط الفكري والأخلاقي.
ولكن، من الصعب قتل الحقيقة أو اعتقالها لمدة طويلة. فقد أذهلت الانتفاضة الجميع، وبينت في عز الظهيرة أن هناك قضية كردية جدية تراكمت منذ سنين، وهناك شعب آخر في سوريا هو الشعب الكردي الذي يتعرض إلى تمييز عنصري مدروس. وسقطت كل الكلمات والشعارات الديماغوجية أمام هذه الحقائق المادية على الأرض.
وهكذا شكلت انتفاضة آذار انعطافاً كبيراً في العقل القومي العربي الكلاسيكي، وكذلك في العقل السياسي الكردي، خصوصاً على صعيد التنظيمات الكردية، التي كشفت فجأة مدى تخلفها عن فهم حقيقة هذا الشعب وما يملك من طاقات كبيرة.
أجرى النظام تعديلاً شكلياً في تعامله مع الحقيقة الكردية السورية. فمع عدم التخلي عن ممارسة استبداده الكلاسيكي تجاهه، والتعامل المفرط في القسوة تجاه الانتفاضة أثناءها وبعد هدوئها، أخذ هذا النظام يبدي تكتيكاً جديداً بهدف تفريغ الانتفاضة من محتواها، والسعي لاجتثاث نتائجها الايجابية من ذهن الشعب الكردي السوري، بل وامتصاص السؤال الكبير الذي فجرته الانتفاضة لدى عامة الشعب السوري، وهو أن هناك مشكلة وطنية كبيرة خلقها النظام منذ سنين ويخفيها عنه.
لقد جاء حديث رئيس الجمهورية إلى قناة الجزيرة بالاعتراف أن القومية الكردية تشكل جزءاً من نسيج الشعب السوري، وأن التحقيقات أثبتت عدم وجود الأيدي الخارجية في الأحداث ليعكس مدى القلق والاضطراب الذي خلقته الانتفاضة في بنية الفكر السياسي للنظام. صحيح أن هذا المصطلح جاء ضبابياً( وكانت هذه الضبابية مقصودة)، وقد يفسّر على أن الشعب السوري هو شعب عربي ولكنه غير نقي من حيث الدم، فجذوره تعود إلى العرب والكرد والسريان والجركس والتركمان والرومان..الخ( وأعتقد هذا ما قصده السيد الرئيس). من هنا كان المصطلح يحمل التكتيك السياسي المرحلي، بحيث يضلل القاعدة الكردية الشعبية الواسعة(وهي التي يخشى منها النظام بالدرجة الأولى)، ومن ناحية أخرى لا يفرض المصطلح أية التزامات على حزب البعث لاحقاً.
ومع ذلك أدهش هذا الاعتراف كل القوى السياسية في سوريا، بما في ذلك اليسار الماركسي. فنحن نعرف أن النظام البعثي في سوريا طيلة تاريخه كان يعلق كل مشاكله وفشله، سواء على الصعيد الداخلي أو العربي أو الخارجي على مشجب الإمبريالية والصهيونية، وذلك للهروب من الأجوبة الحقيقية ومن الاستحقاقات الوطنية الملحة. وكان السؤال المحير لدى الجميع: ما القصة في هذه المرة؟ ولماذا يعاكس النظام البعثي منطقه العام؟ ولاسيما تجاه الأكراد الذين لا يوجدون أصلاً في ذاكرة الفكر البعثي، وقد سبق أن سموا علانية الحركة الكردية في العراق بإسرائيل الثاني، أو الجيب العميل.
تبين فيما بعد، ومن خلال الممارسة الفعلية، والتصريحات اللاحقة ولا سيما تصريح السيد الرئيس إلى الجريدة التركية مؤخراً، أن لا تغيير في منهج حزب البعث تجاه الأكراد. وتجاوبت مع هذا الموقف الرسمي للنظام أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية(أقصد الفصيلين الشيوعيين) ولو بدرجة أخفض. فبالرغم من أن هذين الفصيلين يقران في وثائقهما الحقوق الثقافية للأكراد إلى جانب المطالبة بإلغاء إحصاء 1962 الجائر، إلا أنهما في بياناتهما اللاحقة بدأا يركزان على قضية الإحصاء دون التطرق إلى الحقوق الثقافية، وهذا ما بدا يعكسه تيار الدكتور قدري جميل أيضاً في التقارير والبيانات التي يصدرها باسم لجان وحدة الشيوعيين السوريين، باستثناء لجنة الجزيرة. أما المعارضة السورية فهي تعاني من تناقض مرتبك تجاه القضية الكردية كما سبقت الإشارة. فمن ناحية تبنت هذه المعارضة المفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، بعد أن نفدت لديها كل الوسائل الأخرى في صراعها مع النظام. مع العلم إن الفكر الديمقراطي وحقوق الإنسان لم يكن في يوم من الأيام جزءاً من البنية الفكرية والسياسية للمعارضة السورية، بل جاء هذا الفكر إليها( وإلى كافة الأحزاب السورية) بعد فشل كل الأنماط الأخرى من التفكير والوسائل لتغيير نظام حزب البعث الحاكم، وبعد أن أصبحت لهذه المفاهيم البعد العالمي الذي يشكل الثقل الأكبر على العقل الأحادي البعثي وغير البعثي في هذا المشرق. وبما أن هذه المعارضة تبنت هذا الفكر، فكان لا بد، ومن باب الانسجام مع هذه المفاهيم ولو شكلياً، التعاطي مع القضية الكردية السورية بشكل من الأشكال، في الوقت الذي لا نجد قبل عشر سنوات، على الأقل، أي تعاطف مع هذه القضية في أية بيانات للمعارضة السورية ولا في برامجها ونشراتها الداخلية. بل كان هناك بعض المثقفين في المجتمع السوري يبدون مواقف عنصرية تجاه الأكراد( مثل الكاتب ميشيل كيلو والقصصي ذكريا تامر، على سبيل المثال) وكانوا من ألد أعداء الحقوق الكردية، ليست في سوريا فقط، بل حتى في العراق، على الرغم من عراقة نضال الشعب الكردي هناك من أجل حقوقه.
من ناحية أخرى وجدت المعارضة في الانتفاضة الكردية، وسيلة هامة في نضالها لتغيير النظام، والاستفادة منها لتفجير انتفاضات مماثلة على صعيد الشعب العربي السوري في المدن الكبرى. ولعل هذه الحقيقة تفسر الجانب المخفي في الاعتراف المفاجئ لرئيس الجمهورية بالقومية الكردي. فربما كان يريد من هذا الاعتراف خلق شرخ مسبق بين المعارضة السورية والحركة الكردية الشعبية الناهضة، خصوصاً تبين فيما بعد أن تسعير الشارع العربي السوري ضد الأكراد بهذا الشكل الهوجائي كان وراءه النظام نفسه، خوفاً من تحول الانتفاضة الكردية إلى ثورة شعبية عارمة لكافة الشعب السوري ضد النظام، كما حدث في بعض البلدان، وأدت إلى سقوط أنظمة الحكم.
تدرك المعارضة السورية أن السكون المطلق في الشارع العربي السوري تحصيل حاصل نتيجة استبداد الدولة الأمنية خلال أربعين سنة، ولا سيما أن المجابهة العنيفة خلال أحداث الثمانينات ضد الأخوان خلقت خوفاً مفرطاً في ذاكرة الشعب السوري، ومازال حتى الآن مكبلاً بهذا الخوف. فثمة قناعة باطنية لدى كل أطراف المعارضة السورية، أن التحرك الجماهيري يحتاج إلى قوة من خارجها، أنه يحتاج إلى صعقة كهربائية خارجية، وتنظر المعارضة اليوم إلى الأكراد بأنهم قد يتحولون إلى تلك الصعقة.
وهكذا وجدنا بيان الإخوان المسلمين الخاص بالقضية الكردية، وبيانات التجمع الديمقراطي في سوريا وبعض ندوات المجتمع المدني التي كرست للقضية الكردية في سوريا. كما حدث بعض التغيير في مواقف عدد من كبار المثقفين السوريين. ومن ثم جاء إعلان دمشق، هذا الإعلان الذي جسد سقف المعارضة السورية تجاه القضية الكردية، ولكنه في الوقت نفسه لا يعكس سقف الحركة الكردية السورية، بل ليس تعبيراً موضوعياً عن واقع الشعب الكردي السوري.
أعتقد أن المنطق السائد في المعارضة السورية بشقيها العربي والكردي، هو منطق تكتيكي، فكل طرف له أجندته. فالمعارضة العربية تريد توظيف الحركة الكردية السورية لأجندتها، هذه الأجندة التي لا تتسع للحقوق الكردية السورية كما تراها المعارضة الكردية. وقد نجد الدليل على ذلك سرعة ذهاب بعض أطراف هذه المعارضة إلى لملمة توقيعها على إعلان دمشق، وحصر القضية الكردية بقضية المواطنة، أي قضية لاجئين، وأن سوريا عربية أرضاً وشعباً منذ الأزل، وبالتالي فما قد يحصل الأكراد عليه من حقوق هي هبة من القومية العربية والشعب العربي السوري(رحابة صدر)، وإذا ما تصرف الأكراد خارج هذا المفهوم، فإنهم إما سيطردون أو من حق الدولة استخدام القمع ضدهم.
وإذا كانت الأحزاب الكردية أيضاً دخلت في لعبة التكتيك، فإنها تمثل الجانب الأضعف، ولا توجد خلفها قوة قادرة لتفعيل هذا التكتيك من أجل استحقاق الحقوق الواقعية للشعب الكردي السوري. صحيح أن هذه الأحزاب سعت من وراء التوقيع على إعلان دمشق للحصول على اعتراف أوسع بالقضية الكردية السورية بين صفوف القوى السياسية العربية والإسلامية التي طالما تنكرت لها( ولا شك هم محقون نسبياً في هذا المسعى). إلا أن واقع هذه الأحزاب على الأرض لا يخلق تلك الضمانة التي عليها تستطيع أن تحاور الطرف العربي كشريك فاعل، خصوصاً إذا حدث التغيير بدون مشاركتها، لأن الخارطة السياسية ستكون مختلفة عندئذ.
هناك مسألة أخرى لا بد الوقوف عندها. فإذا كان الطرف العربي من المعارضة السورية تمارس التكتيك مع الطرف الكردي الآن. فإنه كلما اتسعت دائرة هذه المعارضة مستقبلاً ستتقلص الحقوق الكردية، والأخطر من ذلك أنه كلما انشق عن النظام أحد ما وانضم إليها، ستصبح الحقوق الكردية في مهب الريح.
لعلنا نستطيع استنتاج هذا التوقع من لقاء خدام وبيانوني. هذا اللقاء الذي يؤشر على استعداد بيانوني لتبني تكتيك جديد، وربما استراتيجية جديدة، لا يكون للأكراد فيها موضع قدم. نحن نعلم أن خدام كان أحد الجلادين وهو بعثي حتى النخاع، وسبق القول أن نظرية حزب البعث لا يمكن أن تعترف بالأكراد، ولا بالآخر، وإلا ستصبح نظرية أخرى. وقد عبر السيد خدام في تصريحاته من جديد عن أفقه البعثي المحدود تجاه القضية الكردية، فهو لم يعترف حتى بالحقوق الثقافية للأكراد، واعتبرهم مجرد مواطنين. إذن فإن اتفاقاً بين بيانوني وخدام سيكون ضد الأكراد حتماً.
ولعل الدليل الآخر على عدم مصداقية المعارضة السورية تجاه الشعب الكردي السوري هو ما جاء في تصريح القطب اليساري، من السيد رياض الترك في ألمانيا. كلنا يعلم أن رياض الترك ليس مؤرخاً، ولم نسمع أن حزبه شكل لجنة من المؤرخين لدراسة حقيقة الشعب الكردي السوري، وهل هو في حقيقة الأمر من السكان الأصليين في سوريا أم لاجئين؟ إذن ماذا يعني هذا التصريح الذي يلغي جغرافية الأكراد السوريين؟ وهل هو رسالة من تحت الطاولة إلى السيد خدام بالاستعداد للقفز على الحقوق الكردية من أجل قضايا أخرى، يعتبرها المناضل الكبير أن لها الأولوية؟ هذه الأولوية التي كانت دائماً تأتي وبالاً على حقوق الأقليات في منطق الحركة الشيوعية العربية من المشرق حتى المغرب( باستثناء الحزب الشيوعي العراقي). إنه تماما ذلك المنطق الذي تجسده النظرية القومية العربية الكلاسيكية في استخدام الآخر عند الضرورة والتنكر له فيما بعد.
لست ذلك الشخص الذي يعطي لنفسه حق تقديم النصائح والمشورة. ولكنني أرى من الضروري أن يعيد قادة الحركة الكردية السورية قراءة وصية قاضي محمد الأخيرة بإمعان في هذه المرحلة، وأن يتعاملوا مع المعارضة السورية بكل تياراتها الأساسية القومية العربية والماركسية والإسلامية على ضوء بنيتها الفكرية والسياسية الفعلية، وليست تلك المقولات المدفونة في بعض وثاقها، والأهم من ذلك عدم السقوط في المنطق التكتيكي الهش. إن كل تحالف بين الحركة الكردية السورية والمعارضة السورية بكل أطيافها من اليمين وحتى اليسار سيكون تحالفاً مصيره الفشل كردياً، ولن يجلب إلا دورة جديدة من الاضطهاد للشعب الكردي السوري واستلاب حقوقه، إذا لم يأخذ بعين الاعتبار القضاياالتالية:
1- في سوريا شعب آخر غير الشعب العربي، وهو الشعب الكردي ويشكل ثاني قومية من حيث التعداد، وهو جزء من تركيبة الشعب السوري في التاريخ القديم والحديث. وله كامل الحقوق مثل الشعب العربي السوري.
2- إن سوريا كوطن، كجغرافيا هي ملك للشعوب التي تعيش فيها، ولا يحق لأي طرف أن يضع لنفسه أهدافاً تتعارض مع مصلحة الآخر. يجب أن يكون حقوق كل مكون من مكونات الشعب السوري مقدسة عند الآخر.
3- إن الديمقراطية وحقوق الإنسان ليس قميصاً نلبسه اليوم لنخلعه غداً، ومن أهم شروط الديمقراطية المكاشفة وعدم التحايل وراء ألفاظ تملك عدة معاني، أو مزالق للهروب من مستحقات الآخر عند التمكن.
4- إن أي اتفاق للمعارضة السورية بكل أطيافها، بما في ذلك أي اتفاق بين النظام وأي حزب كردي سوري أو مجموعة أحزاب كردية لا يتضمن الحقوق الأساسية للشعب الكردي ولغيره لن يؤدي إلى استقرار البلد، وقد بينت أحداث انتفاضة آذار هذه الحقيقة بكل جلاء، عندما تجاوز الشعب الكردي كل القوى السياسية الكردية في الشارع.
5- إن صراع الأحزاب الكردية فيما بينها من أجل الحصول على تفويض الشعب الكردي، والادعاء بتزعمه، هو مرض عشائري متخلف، فقضية الشعوب كانت دوماً أقدس من الأحزاب وأسمائها وقادتها، وحتى أقدس من شهدائها. فالأحزاب تتشكل وتندثر والقادة يموتون ولكن الشعوب باقية والقدسية للبقاء فقط.
الخاتمة
ربما يكون فيما قلته بعض القسوة في انتقاد الفكر القومي العربي الكلاسيكي والمعارضة السورية بشقيها العربي والكردي، غير أنني قلت ما أزعم أنه الحقيقة المرة في هذا البلد المليء بالأسرار والشعوذة والأساطير التي مازالت تتحكم بالبلاد والعباد.
لقد حان الأوان أن نخرج من التاريخ الاستبدادي المسلط على رقابنا منذ عشرات القرون، هذا الاستبداد الذي يتحكم بعاداتنا وسلوكنا وتفكيرنا، وخصوصاً بعلاقة أحدنا بالآخر. لقد صاغ الحكام المستبدون ومرتزقوهم من المثقفين والمفكرين هذا التاريخ عدة مرات، وفي كل مرة كانوا يدخلون شعوب المنطقة في مرحلة جديدة من الاستبداد أشد قسوة.
إذا أراد الجيل الجديد من الشعب السوري، بجميع طوائفه وقومياته وتلوينه، أن يتحرر من وزر الأجيال السابقة(ولابد أن يتحرر) فعليه أن يقوم بصنع تاريخ يجسد الواقع الفعلي للشعب السوري وليس ما تفتقت وتتفتق في خيالات بعضهم من فانتازيا، وعليه أن يبني على هذا الواقع الفعلي تطلعاته نحو المستقبل.
إن الآمال معقودة على هذا الجيل السوري لكي يمنع تحكم سلبيات الماضي بالحاضر، حتى لا يعيش الشعب السوري صراعات ذلك الماضي من جديد. كما على هذا الجيل عدم صياغة الحاضر على شكل قنابل موقوتة إلى الجيل القادم، لتتحول بالتالي إلى دورة جديدة من الصراعات الدامية كما فعلت الأجيال السابقة. لا بد على الجميع الانطلاق من حقيقة واضحة، وهي أن سوريا للسوريين؛ عرباً وأكراداً وآشوراً وتركماناً. أن سوريا للسوريين؛ مسلمين سنة وعلويين ودروز وإسماعيليين ويزيديين ومسيحيين. ولا فرق بين قومية وأخرى، طائفة وأخرى، سواء كانت صغيرة أم كبيرة. وأن جميع لغات هذه القوميات هي لغات وطنية سورية، وتشكل البنية التركيبية لثقافتنا الوطنية الحية، وكل ما يخالف ذلك هو باطل الأباطيل.
صالح بوزان