ملحق بالوثائق: الشيوعيون هل حرضوا؟

عبدالامير الركابي
2018 / 3 / 14


البعض حتى وان كانوا قلة للأسف، استهول ماقد اورناه، في الجزء الأول من مقالنا: " الشيوعيون هل حرضوا على قتل الصدر؟" من تنويه بمواقف الحزب الشيوعي العراقي من القوى الإسلامية التي يمثلها الصدر، ومدى وطبيعة تحالفه مع حزب البعث الحاكم خلال السبعينات من القرن الماضي، وكما العادة، يميل هذا البعض لاحالة ماقد اوردناه تعقيبا على ظاهرة غريبة، وقفت خلالها قيادة هذا الحزب على قبر "محمد باقر الصدر" لتقرا الفاتحة على روحة، وتعاهده، لخانة المهاترات التي يتمناها، مكرسا نزعة المصادرة على المهتمين والباحثين في الشأن العام، والمعنيين بتنوير القاريء بمقتضيات ومستجدات اللحظة، دفاعا عن جانب وثيق الصلة بأسس الوطنية العراقية، المشهود لها بالمناقبية، ضد مايمكن تسميته الانحدار القيمي الاقصى، والامر لهذه الجهة يتعدى الظواهر والشخصيات المعنوية بذاتها، بغض النظر عن الانتصار العادي للحقيقة ضد الزيف، أوالدعاوية الفارغة، والتقلب المشين على حساب المباديء وبما يضادها كليا، او محاولة "تطبيع اللحظة" التي هي استثناء تام، بما يكاد يسيء لكل تاريخ وتضحيات المئات من الوطنيين، الصادقين، والمنخدعين، ممن تتم المتاجرة اليوم باسمهم، واسم ماقدموه من سجل مشرف، انتهى الى لاشيء، والى مجرد سراب، وخديعة كارثية، يمارسها هيكل فارغ متلون، وسلعة تلبي مصالح ثلة من المنتفعين، على حساب آمال العراقيين.
هؤلاء لن يستطيعواالغاء الحقيقة، حين تكون مسجلة بالوقائع، وبا الوثيقة، اردنا بهذه الوقفة ان نستنطق منها الشواهد الباقية للتاريخ، بلا تعليق، مؤجلين الجزء الثاني من المقال، الى مابعد النشرالحالي للوثائق التي سبق واشرنا لها في الحلقة الأولى. لكن ليس قبل ان نورد بعض الملاحظات الدالة على مستوى التردي العام، أولا من خلال تضخم نزعة تعبد الحزب لذاته في أسوأ اللحظات، مع تفاقم نسبة الابتذال الأقصى والدونية،واستمرار معاملته كهدف لاوسيلة، مايحول مثل هذا الموقف الى نوع غير مسبوق من التهافت المريع على جميع الصعد، مع اعتبار وجودالحزب وبقائه بغض النظر عن أي اعتبار، اهم من أي شيء، فتتعاظم العصبوية الفجة، والانغلاق، بدل الميل الملح للمراجعة. وضمن هذا المنحى، يظهر ما يمكن اعتباره توهمات اضطهادية، اقرب للرهاب المهلوس، تختلق التقصد والعدائية الوهمية، تحت وطاة موروث، لم يعد له من محل، فتستعاد في غير محلها ظاهرة قديمة، يوم كان هنالك مايبررربما اعتبار الحزب الشيوعي هدفا بذاته من قبل الحكومات، من دون غيره، وهو مالم يعد ساريا اليوم، وقد تحول جزء اصيل من حالة عامة متردية، يمكن اعتبارها حقبة سيادة نفايات التاريخ العراقي الحديث، بقاء أي طرف منها، داخلها، يتالف مع ايقاعها، ويناضل للاستمرار فاعلا فيها بحجج تافهه تخيلية ومصطنعة باسم اصلاح مستحيل، يحوله الى نوع اخر من الاهداف تستحق التناول فقط بصفتها "سمكة وسط مستنقع"، تجيد السباحة بين النفايات المهيمنه على الاجواء، والحديث هنا جارعن طرف، مستميت، لايكف عن السعي للتعلق باذيال الوضع الاحتلالي "الطائفوقراطي" الراهن.
المهم ان يتعلم هؤلاء، وان هم لن يفلحوا في الارتقاء لمستوى فهم نوع التناول المستجد، المتناسب والحالة، بان مايجري الحديث عنه، ليس سجالا معه، ولا هو من صنف محاولات البلاهة التي تامل في التصويب، بقدر ماينتمي للتحري في درجة الانحطاط الشامل، ونوع ممارساته التي يفرزها، ومن اشتراطاته، وان مايعرف بالحزب، او الحالة التي يجري تناول اطرافها تباعا في العادة، له او لغيره من أطرافها، هي خوض خارج القواعد التقليدية، ومحاولة تأسيس لنوع من المعالجة تريد التطابق تعارضا مع حالة استثناء خارقة وغير مسبوقة، من الطبيعي ان تعيد بناء مايضادها، فللتردي هو الاخر استثنائيته، التي تبرر لابل تفرض استثنائية سبل تناوله وتفكيكه.
ولنعد الى ماحرصنا على التنذكير به ثوثيقا:
اصدر المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي في شباط/ وفي الثامن منه ( على وجه التحديد ؟؟؟ ومن دون تذكر 8شبط 1963) نص التوجيه الداخلي التالي، الى جميع منظمات الحزب:
" الى جميع اللجان الحزبية
الرفاق الأعزاء
يشهد الوضع الداخلي حاليا تفاقما في النشاطات التامرية الموحى بها من قبل الأوساط الامبريالية والرجعية والاحتكارية البترولية، المعادية للسلطة الوطنية ولمسيرة قطرنا الثورية، ويتجسد هذا التفاقم في الوقت الحاضر باستغلال المشاعر الدينية والطائفية، ومحاولة اثارة الجماهير للقيام باعمال استفزازية تحت هذه الواجهات بمناسبة اربعينية الامام الحسين، ويبدو من الوقائع التي جرت خلال الأيام السابقة، ان هذا النشاط ( الديني الطائفي) المعادي للسلطة الوطنية ماهو الا ستار لمؤامرة رجعية امبريالية تستهدف المسيرة الثورية لبلادنا، ومكتسبات شعبنا وكل إنجازات 17 ـ 30 تموز التقدمية.
ان حزبنا الشيوعي العراقي يقف بحزم الى جانب السلطة الوطنية وحزب البعث العربي الاشتراكي الحليف. ويعتبر هذه النشاطات التآمرية المعادية، تحت اية صورة ظهرت وباي شعار تسترت موجهة الى جموع شعبنا المناضل وجماهيره الكادحة ومكتسباته، ان المكتب السياسي يدعو منظمات حزبنا والرفاق كافة الى رفع اليقظة ومراقبة النشاطات التآمرية، والاتصال بمنظمات حزب البعث العربي الاشتراكي الحليف، وتنشيط لجان الجبهة الوطنية والقومية التقدمية لغرض التنسيق للقيام باعمال مشتركة ضد التامر واعمال التخريب والاستفزاز وفضحها على نطاق جماهيري وبهدف تبصير الجماهير بحقيقة هذه التحركات وأهدافها وارتباطاتها بالامبريالية والرجعية والاضرار الجسيمة الناتجة عنها، والمخاطر التي تجسدها على مسيرة شعبنا الثورية، ومجموع حركة التحرر الوطني العربية. اننا على ثقة من ان شعبنا وسلطته الوطنية وقواه التقدمية المؤتلفة في الجبهة الوطنية والقومية التقدمية ستواصل بثبات مسيرتها الظافرة وستلحق هزيمة أخرى بقوى الظلام والرجعية والامبريالية.
المكتب السياسي للجنة المركزية
للحزب الشيوعي العراقي
8/شباط/1977 "
وفي مبنى المجلس الوطني العراقي عقدت يوم 15 شباط جلسة للجنة العليا للجبهة الوطنية والقومية التقدمية أصدرت بيانا جاء فيه:
" اكدت اللجنة في اجتماعها ان الاعمال التخريبية التي تمت و 6و7 شباط في محافظة النجف الاشرف انما هي من صنع الدوائر الاستعمارية والرجعية الحاقدة على مسيرة الثورة ومكتسباتها الديمقراطية والتقدمية مما يتطلب فضح اغراضها والقوى الرجعية والاستعمارية التي تقف وراءها ومواجهة مثل هذه الاعمال والمخططات بحزم"
وفي 18/2/ 1977 وبعد تسيير المفارز المشتركة البعثية الشيوعية في النجف وكربلاء تعبيرا عن التلاحم بين الحزبين الشقيقين، اصدر الاجتماع الاعتيادي الكامل للجنة المركزية بيانا يساند فيه الإجراءات القمعية التي اتخذتها السلطة ضد زوار العتبات المقدسة قائلة بالنص: "
" ان اتخاذ إجراءات الحزم ضد النشاط التامري حق من حقوق الثورة، ومبدأ يحدد واجبات القوى الثورية في صيانة منجزاتها"
وفي تعليق لجريدة الحزب " طريق الشعب" على البيان جاء في مقال افتتاحي للجريدة بعددها الصادر يوم 27/2/ 1977 ، مايلي نصا من تحريض على القمع وتبريره واضفاء سحنة "الدقة عليه"، تفننا، وبما يدخل في باب التغزل بتاكتيك السلطة "الثورية" الارهابي:
" .... وعلى هذا الأساس الذي رسمه بيان اللجنة المركزية، فاننا ننظر الى الإجراءات الرادعة التي اتخذت بحق العناصر البارزة التي ساهمت في اعمال التخريب والتآمر باعتبارها حقا من حقوق الثورة في الدفاع عن المنجزات التقدمية والمسيرة الثورية التي اختطتها قيادة السلطة الوطنية وايدتها واسهمت في تحقيقها جماهير الشعب وقواه التقدمية، ونود ان نشير الى الأهمية الكبيرة للمؤازنة الدقيقة التي تم الاستناد اليها في الموقف من العناصر المخربة، ضرورة إنزال العقوبات الرادعة والصارمة من جهة، واخذ جانب الاغطية الاجتماعية التي استخدمتها قوى التآمر بعين الاعتبارمن الجهة الأخرى. ان مثل هذا المنطلق السليم ( الذي مارسته السلطة الثورية) يضيع على المخربين واسيادهم فرصا يتوهمون انهم قادرون على استخدامها في أعمالهم التآمرية اللاحقة".
وعادت الجريدة الناطقة بلسان الحزب نفسها في عددها 1043 الصادر في 1/3/ 1977 فنشرت بيانا صادرا عن السكرتاريا العامة للجبهة الوطنية والقومية التقدمية، وضعته تحت عنوان " السكرتاريا العامة للجبهة الوطنية تثمن القرارات الثورية للقيادة السياسية" نص على مايلي:
" عقدت السكرتارية العامة للجبهة الوطنية والقومية التقدمية اجتماعها الدوري مساء امس برئاسة الرفيق نعيم حداد عضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي سكرتير عام الجبهة. وثمنت السكرتاريه القرارات الثورية التي اتخذتها القيادة السياسية ضد الزمرة الخائنة التي ارتضت ان تكون أداة في يد الاستعمار لتنفيذ مخططاتها التي لم تكن بعيدة عن رصد وتشخيص قيادة الحزب والثورة.
واشادت بصواب النهج المبدئي والمثل التي امنت بها قيادة الحزب والثورة والمواقف الحازمة التي اتخذتها دائما في التصدي لكل المحاولات الاجرامية التي تستهدف الثورة وجماهيرها المناضلة.
وأكدت اصالة الثورة ووعيها وادراكها في معالجة المحاولة الدنيئة التي قامت بها الزمرة الخائنة في الخامس والسادس من شباط في محافظة النجف مستغلة المناسبة المقدسة. كما ثمنت نظرة الثورة العملية الصائبة الى تلك المحاولة باعتبارها دبرت من قبل الدوائر الاستعمارية والرجعية الرامية الى تنفيذ مخططاتها التآمرية والتخريبية في عراق الثورة"
ولعل هذا يكفي بالدليل، لايضاح المطلوب بشان ما يمكن ان يثيرة اليوم، مشهد وقفة الدجل المشين، على قبر "محمد باقر الصدر"، على الأقل من باب المقارنة، وملاحظة مستوى تردي الحال، ودرجة الصغار المخزي، والمحرج لاي وطني، او عراقي له علاقة بالعصر وبالتاريخ الحديث، مقارنة بنوع من السلوك، غير البعيد عن الدناءة، التي لايجوزان تمر بدون ادانة صارخة، حتى مع القناعة بكونها من ممارسات زمن نفايات تاريخ العراق الحديث، حيث لااصول تذكر، ولا مباديء، ولا حتى الحد الادنى ،من احترام اية قيمة من القيم.
ـ يتبع ـ