الشيوعيون هل حرضوا على قتل الصدر؟

عبدالامير الركابي
2018 / 3 / 11


هذا المقال مقسوم لقسمين، مبعثه اقدام الحزب الشيوعي العراقي بشخص سكرتيره رائد فهمي، وعضور المكتب السياسي، عراب التحالف مع تيار الصدر، جاسم الحلفي، على زياره قبر محمد باقر الصدر الاخيرة( والأول يصح اعتباره سائحا فرنسيا في العراق)، والاثنان نصف اميين، لايعرفان شيئا عن خارطة العراق التاريخية، ولاعن خاصيات البلد الذي يمثلان فيه كظاهرة، قمة هوان احد احزابه العريقه، كل مايتوفران عليه ثقافة ايديلوجية سطحية متاكلة، لاتنتج اكثر من بيانات، لم تعد تقرا من احد، او مقالات بالكاد تستحق النشر في جرائد لم يعد يقرأها حتى المنتمين لها، هما الان بصدد التعرض لمسالة غاية في الخطورة على المستوى العقلي والمفهومي الوطني التاريخي العراقي، عدا ميدان النظرية الماركسية، كما في مجال مراكمة اشكال من الممارسة الانتهازية الفاضحة، والتقلبية المعيبة، الخارقة لكل حد، وقد اوصلوها بظل "العملية السياسية الطائفية"، والممارسة "الطائفوقراطية"، مستوى من الابتذال، من شانه اخراج التيار المذكوركليا، من الحيز الذي يتشبه به، ويدعي الانتماء له؟
القسم الأول الحالي الماثل، مكرس للمحة من تاريخ التقلبات الشيوعية الفجة والمعيبة، بدلالة الموقف الأخير مع اقدام السكرتير والحلفي، على زيارة قبر "محمد باقر الصدر"، الكاتب الإسلامي المعروف، وقراءتهم الفاتحة على روحه، ومعاهدته ميتا، على ان يكون نضالهم من اجل الشعب، لامن اجل غاياتهم ومصالحهم الخاصة، وان يكونوا ضد الطائفية، ويدافعوا عن حقوق الشعب ومصالحه، وكل هذه كما قد يقول قائل، مباديء عادية، هي من متبنيات الحزب المذكور التاريخية، وهو لم يفعل حين يكررها امام القبر، غير انه أعاد قراءة "فاتحته" الخاصة به، ومع ان المعنى الرمزي الفاضح للخطوة، لايقبل هذا التفسير اطلاقا، حتى من الوجهة البراغماتية، وهو ما سيرد التعامل معه، ومعالجته في القسم الثاني من المقال، الذي سيكون تحت عنوان "الشيوعية والتشيع العراقيين .. ردم الهوة؟" الا ان المشهد الذي اثار أصلا المقالين، والتناول الحالي بجملته، ملتبس ومعقد، ويثير قضايا، أصبحت من نوع تلك التي تتسبب في حصول الانقلابات الكبرى، لافي بنية الحزب مدار التناول، بل في اصل وجوده، وجدوى وضرورة استمرارة كظاهرة، تتحول تباعا، لشيءلايبرره سوى درجة تردي واقع محيط به، بلغ مستوى يفوق كل تصوّر، عدا عن غياب مايستبدله، ويحل محله، وتلك مشكلة عالمية، ماتزال قيد التفاعل.
يوم تم قتل الصدر من قبل "صدام حسين"، كان الحزب الشيوعي قبلها، في طور التحالف مع قاتله "صدام حسين، علاقته به لم تكد تنتهي، وكانت السياقات التي افضت لمقتل الصدرمنذ أواخر 1976/1977 ،مع أولى مظاهر تصاعد المعارضة الإسلامية، وانتفاضة "خان النص" بين النجف وكربلاء، وصولا الى الثورة الإيرانية، هي التي حدت بالنظام وقتها، لان يتخلى عن حلفائة المخلصين، والمصرين على التحالف معه، مهما كان الثمن، وتحت اية اشتراطات قد تفرض عليهم وقتها، وقد تكون المناسبة الحالية، محفزة لاجل استعادة لحظة مهمة من لحظات التبدل في سياقات تشكل نظام 1968، باعتباره التدبيرية الثانية الارسخ، التي أقيمت برعاية النظام الدولي القطبي، كنتيجة وردة فعل، على تعدي ثورة تموز 1958 للافق المسموح به دوليا، واستراتيجا، من قبل القوى القطبية المهيمنة على النظام الدولي آنذاك، بالاخص في بلد له حساسية موقع العراق بين القطبين، إضافة لوقوعه، مع ثقله البشري والتاريخي، على حافة صندوق النفط العالمي.
ومثل هذا التقدير غائب عادة في الادب السياسي العراقي، ويبقى التاريخ ومحطاته بناء عليه خارج الافتكار،بينما المحطات الابرز من التاريخ الحديث، مبعدة ومغلفة بالسياقات الشتائمية الدعاوية، والبباناتية الحزبية، والغالب على الأجواء السياسية، القاء الاحكام على الظواهر وتخوين الناس، والدس عليهم، وقتل سمعتهم، باختزال يفقدها الدلالة والمعنى، ولايفسر شيئا، بل يصف منحازا ببغاويا بناء لخلفيات ايديلوجية، هذا مع العلم اننا نتحدث عن محطة تقارب من حيث الأهمية والخطورة، لحظة مابعد ثورة 1920، حين اضطر الإنكليز وقتها، بعد ان اذهلتهم ردة فعل "مجتمع اللادولة العراقي"، لان يبتكروا صيغة من صيغ الاستعمار، لم تعرف من قبل، ولم يصبح لها اسم، الا في الستينات، حين صار الاستعمار العالمي يعرف ب "الاستعمار الجديد"، وهو نفسه نوع الاستعمار الذي لخصه الإنكليز في أوائل العشرينات في العراق، تحت شعار "الحكم من وراء ستار"، هذا علما ان بريطانبا كانت وقتها تضع شبه القارة الهندية برمتها، ضمن ممتلكات التاج البريطاني، وجاءت الى العراق حاملة نفس البماديء الاستعمارية الكولونياليه، غير ان المس بيل مالبثت ان شبهت حالة الجيش البريطاني، في واحدة من رسائلها، ابان ثورة 1920 ، بحدث تاريخي، قالت انه الأقرب لماحل به في التاريخ هو "انهيار الإمبراطورية الروماينة".
ان وقائع ثورة 1958 ،مهما قيل بشانها، وحول طابعها الفوضوي (اي الجذري الاستثنائي)انما يعكس حضور منظومة نظر وتفكير، مضاد للثورة اجمالا وفي العموم، ينتمي للمعسكر المعاكس لها، بظل فقر ايديلوجي مواكب لها داخل معسكرها، مع ان هذا لم يكن لينفي فعلها مرة أخرى، كقوة محفزة على قبول النظام الدولي هذه المرة، بدل الإنكليز، نمطا من حكم حزب عقائدي ريعي عائلي، بعد ان تبين بالتجربة، فشل الانقلابات العسكرية في العراق، علما ان العراق هو اول من ابتدع عام 1936 هذه الوسيلة من وسائل الوصول للسلطة، على مستوى العالم الثالث، لكنها حيث بدأت، كانت قد استهلكت، وثبت عجزها عن ضبط الأوضاع الخارجة عن السيطرة فيه، مافتح الباب امام سلسله من الاحداث والتحويرات في بنى الأحزاب العقائدية الثلاثينية"الوطنية"، على طريق نقلها لتصبح أحزابا حاكمة، على راسها حزبان، هما الأكثر حضورا، أولهما الحزب الشيوعي، ومعه حزب البعث بجناحه الأقرب كقوة حاكمة لمقتضيات النظام الدولي القطبي وسقفه، وفي هذا السياق تاتي مجزرة 8 شبط 1963 ، وتسليم الحزب الشيوعي لقيادة عزيز محمد، أي تكريد الحزب، وانهاء صلته باصل نشاته في ارض ثورة العشرين، وموضع الفعالية الثورية، عندارض السواد، الى ان تم ترتيب العلاقة بين الأدوات التنفيذية، النايف والداوود، واوصلت ببعث صدام /البكر ليستلموا الحكم، وبمعيتهم الاحتياط الجاهز للمهمة، بصفته "بعث الجبال"، باسم الحزب الشيوعي العراقي. هذه المعادلة اختلت بقوة، وركائزها لم تعد قائمة، منذ عام 1976 وبروززخم المعارضة الإسلامية المتعاظم، بظل الحساسية السلطوية المرضية لصدام حسين والنظام، أي بعد ثلاث سنوات على قيام "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية"، وسنة واحدة على قتال الشيوعيين ضد الثورة الكردية، جنبا الى جنب النظام، وتحت قيادته، كجحوش.
وقتها ومع حملة الاعتقالات الواسعة التي شنها النظام ضد نشطاء الحركة الإسلامية، اصدر الحزب الشيوعي بيانا صريحا، يؤيد إجراءات النظام، ويدعم خطواته القمعية ضد انتفاضة خان النص، وعاد واصدر بيانا أوضح من السابق، واشد وقعا، صادرا هذه المرة عن اللجنة المركزية للحزب، يصر فيها على الاستمرار في تحالفه مع البعث ونظامه، وعلى بناء الاشتراكية معه سويا، بما يعني الإصرار على العمل كجزء من النظام، ضد القوى المعارضة الإسلامية، ومع الدعوة علنا وبصراحة، الى تشديد النكير عليها، وزيادة استعمال القسوة والعنف بحقها.
وقد قتل اعداما او اغتيالا وقتها، نشطاء معارضين، وصدرت بحقهم احكام تصفية، كانت قد حظيت بتاييد الحزب الشيوعي العراقي (1)، ليس هذا فحسب، فالحزب المذكور لم يتخذ لاحقا موقفا من اجمالي مواقف النظام من معارضيه، ومن بينهم محمد باقر الصدر، من منطلق القناعة بمثل هذا الموقف، ولم تتغير مواقفه، الا بعد ان اجبر بالقوة من قبل النظام، على مغادرة تحالفه معه، وقد ظل الحزب الشيوعي، راغبا بقوة وحماس، في مواصلة العلاقة التحالفية مع البعث، واثبت ذلك بعدة مواقف توسلية، كان النظام قد تجاوزها، واتخذ قراره القاطع بشانها، مختارا نهجا جديدا، وجده يوافق مصالحه، ويتناسب مع المتغيرات التي افضت الى الثورة الإيرانية، ومن ثم الى الحرب بينه وبين ايران. وقد تكون النقطة، او المسالة الأهم هنا هي اذا كان الشيوعيين في حينه، قد اجبروا على ترك التحالف مع النظام، ام انهم اختاروا مثل هذا الموقف؟ الامر الذي يستوجب التحري، لانه يحدد المواقف المبدأية والقانونية لهذه الجهة، ومدى مصداقيتها.
ان من وقفوا اليوم على قبر محمد باقر الصدر، هم بموقع قتلته، بالتحربض والمصادقة بحسب مايقول القانونيون، وهم حلفاء قاتليه المحرضين، ومبيحي دماء الإسلاميين، بالنص الصريح، ومن دون أي مجال للبس، فأي وقفة تلك التي ارتكبها هذا الصنف، من عديمي حتى الحد الأدنى من اللياقة واحترام الذات، وليس المباديء، لقد تعدوا حتى دلالات المثل الساري " يقتل القتيل ويمشي في جنازته" ليبتدعوا محله اخرالعن منه يقول" يقتل القتيل ويقرا الفاتحة على قبره"، فلعل الذين قادوهم للوقوف عند القبرمن سادتهم الجدد، ان يكونوا على علم بمدى هوان من اصطحبوهم الى هناك، ليجعلوا منهم قراء فاتحة اذلاء، يمارسون الدجل رافعين شعار "الدولة المدنية تحت قيادة رجل دين معمم، وامام قبررجل دين اخر" مع انهم لم يكونوا فقط حلفاء صدام ضدهم، بل حلفاء الاحتلال، و"بريمر"، مايضيف الى السجل واقعة أخرى قريبة من وقائع التقلب المشين، من المستغرب ان يكون السيد "مقتدى الصدر" قد ابتلعها،مع انه كان أيام بريمر مقاوما، ولم يشترك في مهزلة "مجلس الحكم " الأمريكي الذي اشتركوا هم فيه، الا اذا كان هو أيضا من جهته، يريد ان يبلغنا عن واقع لاراد له، يفرض على الجميع ان يقبلوا حقيقة، ان زمن العفن، لايمكن ان ينجب سوى تحالفات عفنة. في طرفها المدني الاخر، يقف الالوسي المتصهين، وثلة من المهرجين.
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1) للمراجعة بشان النصوص يراجع مقالنا التسلسلل " كسف ولماذا هزمنا امام صدام حسين" المنشور في الحوار المتمدن وفي صفحتنا على ال "فيس بوك".