هل أُصيب حكامنا في العراق بالصمم ؟

صادق محمد عبد الكريم الدبش
2018 / 3 / 11


قبل يومين فجع الشارع العراقي بجريمة سادية عنصرية بشعة ، عندما تمكن المجرمون القتلة من اقتحام دار عائلة مسيحية مكونة من ( الطبيب ووالدته وزوجته ) وقتلهم وبشكل بشع ومستهجن ، وهي جريمة مهما تكن دوافعها ( جنائية أو إرهابية ) فهي تصب في خانة الجرائم اللاأخلاقية واللاإنسانية ، المنافية للقيم والتقاليد والأعراف وللدين وقيمه وللقانون ، ناهيك عن كون ذلك ، منافي لحق الناس بالحياة ، وهذا حق منحتهم الطبيعة والإرادة الإلاهية ، بحق البشر في التمتع في الحياة ،

ناهيك عن كونه حدث جلل !.. وجريمة مروعة بحق مكون اصيل وعريق ومحب للعراق ، بل يعشقون العراق وهم من أُصلاء بلاد الرافدين !..
الغاية من وراء هذه الجريمة المدانة والمستهجنة والمستنكرة ، والتي تمثل استهتار وتحدي للضمير الإنساني وللإنسانية ، وهي جريمة ضد الإنسانية وتطهير عرقي فاضح ومنهجي .

الغاية وهدف هؤلاء القتلة ، لإفراغ العراق من مكون أصيل ، يضرب بجذوره في أعماق وطننا وفي تراثه وثقافته ، وهو جزء مهم من تأريخ وثقافة بلاد ما بين النهرين ، بل هو جزء أساسي في صنع هذا التأريخ .

وهو سلوك منهجي وعنصرية بغيضة ، لإفراغ العراق من مكوناته الأساسية والرئيسية والهامة ، وهذه الفسيفساء تشكل باقة ورد جميلة ، تزخر بكل ما هو جميل ومبهر وحيوي بديع .

نهج ظلامي متخلف يستهدف ديمومة الحياة في عراق اليوم .

التصدي لهذه القوى المجرمة والعنصرية القاتلة للحياة ، هو واجب مقدس وضروري وعاجل ، ويتوجب الكشف عن هذا الإخطبوط وطلاسمه المدمرة للنسيج المجتمعي ، وفضحه وتعريته وعدم التستر على تلك الجرائم ومسلسلها الكارثي المستمر منذ سنوات !..

هذه ليست الجريمة الأُولى !.. ولا أضن بأنها ستكون الأخيرة ، فقد تم ترويع ونحر الكثير من الضحايا ومن مكونات مختلفة وعلى وجه الخصوص ( اليزيدي والمسيحي والصابئة وغيرهم من الضحايا ) .

نهيب بكل قوى الخير والتقدم والسلام والديمقراطية والمدافعين عن الحريات في العراق ، أن تقف وبحزم للمطالبة بالكشف عن هذا المسلسل الذي يستهدف مكونات شعبنا ، ولتمزيق نسيجنا الاجتماعي ، ولزيادة الشحن الطائفي وتكريس سياسة الاقتتال والعنصرية والطائفية ، التي يعاني منها شعبنا منذ سنوات ، والتي تشكل الوجه القبيح والمظلم لنظامنا السياسي ، القائم على الطائفية السياسية والعنصرية والمحاصصة والانحياز الأعمى ( للطائفة وللعرق وللحزب والمنطقة والعشيرة ) والبعيد كل البعد عن دولة المواطنة وقبول الأخر ، وعن العدالة الاجتماعية واحتكار السلطة وإلغاء الأخر وعدم إشراكهم في صنع القرار ، وتكريس فلسفة الدين السياسي ونهجه المدمر واللاغي للديمقراطية وللحقوق والحريات وللمرأة ، وللثقافة والمثقفين وللأدب والفن ، وللفرح وللبِشْرِ والتمتع بمباهج الحياة ، وحق الناس بأن يحلموا بحياة رخية وسعيدة ، يسود فيها الفرح والبهجة والانشراح والأمل بمستقبل واعد ، للشعب بكل مكوناته وأطيافه ، وبديلا عن أجواء الحداد والحزن ولطم الخدود وشق الجيوب ، وإشاعة النكد والسواد الذي يخيم اليوم على حياة الناس ، في حركتهم وملبسهم !.. وحتى يافطاتنا المتشحة بالسواد ، نشاهدها في كل حي ومدرسة وجامع وحسينية وشارع ، والتي أصبحت سمة مميزة لعراق اليوم ومنذ سنوات .

لا بد من العمل على ان ترفع الأصوات عاليا !!.. والدعوة العاجلة لإيقاف مسلسل الموت والإرهاب ضد مكونات شعبنا المختلفة فورا ، وبخطوات عملية وملموسة، بتعقب المجرمين والقاء القبض عليهم واحالتهم الى القضاء لينالوا جزائهم العادل .

والتصدي لكل ما من شئنه ان يدفع ويساعد على عمليات الهجرة الى بلدان الشتات ، نتيجة التهديد والإرغام على الهجرة والتهجير القسري لترك موطنهم وذكرياتهم وما يملكون .

وما برح هؤلاء القتلة والمجرمين ، بسلوكهم ونهجهم ، يسلكون أسلوب التهديد والوعيد ، والتخويف والاضطهاد والإرهاب المنهجي لإفراغ العراق من هذه المكونات الأصيلة !...

التصدي لهذه المجاميع الإرهابية ومنعهم من تنفيذ مخططاتهم الإرهابية الجبانة ، والعمل على تأمين الحياة الامنة لجميع المواطنين ، وحماية أرواحهم وأعراضهم وممتلكاتهم وأمنهم وسلامتهم وسلامة عوائلهم واطفالهم ، وتأمين حركتهم لممارسة أعمالهم بشكل طبيعي وأمن ، وحماية مناطق سكناهم ، واشعار الجميع بالأمن والطمأنينة في حلهم وترحالهم .
ولابد لنا أن نشير الى ضرورة التصدي لكل نهج تكفيري وظلامي وإقصائي ، وتحت أي ذريعة ،فإن الغاء الأخر يشكل عنوانا عريضا للقوى المتخلفة والعنصرية ، والتي لا تأمن بالتعددية ولا تستوعب حرية حق الاختلاف والتنوع ، فإن هؤلاء يشكلون الخطر الداهم في بناء دولة المواطنة ، وعلى الدولة ومؤسساتها المختلفة ، وعلى القضاء ومنظمات المجتمع المدني ، وعلى المثقفين والفنانين والكتاب ، على كل هؤلاء محاصرة وفضح نهجهم ومسعاهم لتدمير المجتمع وتهديد وحدته وتماسكه وتعايشه ومن دون الغاء وتهميش .

والعمل على حماية حق الناس في الاختيار وحقهم في التعبير ، وحرية الفكر والضمير .

نقولها وبكل وضوح للحكومة وللبرلمان وللقضاء ورئاسة الجمهورية ( بأن حرية الناس منتهكة ، وحقوقهم مهدورة وغير مصانة ومسلوبة !!..
وهناك غياب للعدل والمساوات بين الناس ، وشيوع ظواهر وسلوك ونهج التمييز على أساس الطائفة والعرق والدين والمنطقة والفكر !..

وهناك ظلم كبير في غياب العدالة في توزيع الثروة ، وغياب العدالة في توفير فرص العمل وشغل المناصب والوظائف في مؤسسات الدولة المختلفة وفي مختلف المراتب ، وهو حق كفله الدستور وألزم الدولة في تحقيقه وتوفيره للناس ومن دون تمييز ، وحقهم في العمل في مختلف دوائر الدولة ، وبشكل متساوي وعادل ووفق المؤهلات المطلوبة ، وحسب القوانين النافذة !..
لكن هذا غير متوفر ، وغير معمول به نتيجة للتمييز بين مكونات شعبنا المختلفة ، ونتيجة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة المختلفة والرشوة والمحسوبية والمحاصصة ) .

على الدولة ان تعمل وبالسرعة الممكنة ، على إعادة النظر في بناء المؤسسة الأمنية لاستتباب الأمن وإشاعة الأمان في نفوس الناس ، من خلال التحرك السريع بإصلاح وإعادة بناء المؤسسة الأمنية والعسكرية ومتابعة ومصادرة السلاح المنتشر في اغلب محافظات العراق ، والتي تمتلكه أحزاب السلطة ومجاميعها المسلحة ، ولا يجرئ أحد من غير المحسوبين على السلطة من إشهار سلاحه في العلن ، كونه سيتعرض الى المسائلة ومصادرة سلاحه ، وربما سيحال وفق المادة ( أربعة إرهاب ) وكل هذا الزعيق والضجيج الفارغ ، كون الحكومة عاجزة عن مصادرة هذا السلاح الذي تمتلكه هذه المجاميع وأحزابها الطائفية منذ سنوات ، وهذا مخالف لمنظور دولة المواطنة ، ومن المفترض ان تكون الدولة راعية لحقوق الجميع ، والمسؤولة عن حماية أمن الجميع ،
فيتوجب على الدولة أن تقوم بخطوات سريعة ومهمة وأن تكون المؤسسة العسكرية والأمنية ( وطنية وحيادية ومستقلة استقلال كامل ، عن سلطة الأحزاب وهيمنتها وعدم اقحامها بالصراعات السياسية والحزبية ، أو بسبب العرق والطائفة والمنطقة ، وتكون مهنية ، وتضم في صفوفها كل مكونات شعبنا ، وعلى أساس الكفاءة واللياقة البدنية والنزاهة والوطنية ، وان تتوفر بالمنتسب اليها كل الشروط الواجب توفرها ، وحسب قوانينها واللوائح المنظمة لعملها ، بما يؤهلها بأن تنهض بمسؤوليتها على أحسن وجه ، وحصر السلاح بيدها دون غيرها كما ذكرنا أنفا ) ,

إبعاد كل الميليشيات الطائفية المسلحة ، عن هذه المؤسسة ، والجميع يعلم بأن الميليشيات جميعها مسيسة وتابعة لأحزاب سياسية طائفية ، وتعود لمراجع دينية وسياسية معروفة لدى الشارع العراقي ، ولديهم فلسفتهم ورؤيتهم ونهجهم .
ولهذه المجاميع منظور أيديولوجي وفلسفة ومراجع تعود إليها ، وهؤلاء المراجع من يعطيهم الأوامر وليس الدولة أو الحكومة ، فمراجعهم من يتحكم بسياسات ونشاط وعمل هذه الميليشيات وبعيدا عن الدولة ، وهناك من يدين بالولاء الى دول خارجية !.. وهذا ليس سرا ويعرفه القاصي والداني .

والبعض من هذه الميليشيات عليه علامات استفهام !.. وتهم بارتكاب جرائم ضد أُناس أبرياء ، وبدوافع طائفية او عرقية ، او بدوافع سياسية او لكونه من منطقة محددة وبنظرة ضيقة وغير ذلك من مثالب ،

دمج هذه الفصائل وتحت أي ذريعة كانت !!.. لا يصب في مصلحة السلم والأمن والاستقرار في بلدنا ، مثلما بقائها يشكل خطر كبير على بناء دولة المواطنة ، ويخل بحيادية ومهنية هذه المؤسسة الهامة والحيوية ، التي يتوقف عليها مصير البلد والناس على حد سواء ، بل يساهم في زرع أسفين بين مكونات شعبنا المختلفة ، وقد يشعل فتيل الاقتتال والفتن من منطلق الطائفة والمنطقة وغيرها من جديد ، وسيتعرض البلد لصراعات سياسية عنيفة .

و نتيجة لذلك ..فلو قيض لهذه الفصائل المسلحة الدخول في ملاك المؤسسة العسكرية والأمنية ، حتما سَتُدْفَعُ دفعا للانحياز لهذا الطرف على حساب الطرف الأخر .

وتجربة شعبنا خلال السنوات الماضية ، دليل ساطع لصحة ما ذهبنا اليه ، ولا خيار امام النظام السياسي وقوى شعبنا المؤثرة في المشهد السياسي غير ذلك الخيار ، وكل ما عداه فهو يعني استمرار مسلسل العنف والموت والتمزق والاقتتال ، وتجدد الأزمات وتغييب للدولة العادلة ، مما يعرض البلد في الوقوع بمنزلق الطائفية والصراع الطائفي والعرقي والسياسي والعودة الى نقطة الصفر ، والذي سيؤدي الى اشتداد سعير هذا الصراع وستكون نتائجه كارثية .

مما سينتج عنه !.. بقاء العراق يدور في مستنقع الاقتتال والتمزق والطائفية والعرقية ، ويبقى الناس وفي مقدمتهم الطبقات المسحوقة ، هي من يدفع ثمن ذلك الصراع !..

من جوع وبطالة وغياب الخدمات والموت والخراب والتهجير والتشرد والضياع ، والذي عاشه شعبنا طيلة الفترات الماضية ، وما زال هناك الملايين من النازحين عن ديارهم والمهجرين من أماكن سكناهم ومنذ اربع سنوات ، وهم في دوامة اليأس وفقدان الأمل وبمستقبل مجهول .
أذا ما بقيت الأُمور على ما هي عليه !.. فلن نخرج من عنق الزجاجة !.. وأنا متخوف بأن لا تبقى لدينا زجاجة لنخرج من عنقها !!.. فلربما سنقع في جب سحيق ونفقد كل ما حصلنا عليه .. على شحته وقلته .

صادق محمد عبد الكريم الدبش
11/3/2018 م