حوار مع السفسطائي المادي-3

أيمن عبد الخالق
2018 / 3 / 6

حوار مع السفسطائي المادي-3
"انظر بعمق إلى الطبيعة، وبعدها سوف تفهم كل شيء أفضل"....اينشتاين
o السفسطائي المادي: بعد أن بيّنت لكم كل مافي عقلي وقلبي من أفكار ورؤى حول منهجي العلمي الذي اعتقده، وأؤمن به كنمط وأسلوب في حياتي، فأنا في هذه الليلة أود الاستماع إلى وجهة نظركم المقابلة، وبصدر رحب، ومهما كانت النتائج.
• الفيلسوف: أولا أشكركم على سعة صدركم، واستعدادكم للإنصات إلى الرأي المخالف، فنحن في أمس الحاجة إلى مثل هذه الروح الرياضية في حواراتنا الفكرية، حتى تكون بنّاءة ونافعة.
وثانيا - وكماستعرف لاحقا - إنّ ماسأقوله لكم ليس مجرد وجهة نظرشخصية، بل هي نظرية عامة إنسانية، وموضوعية، وإلا إذا كانت مجرد مسألة شخصية ذوقية، مااستحقت أن أطرحها عليكم في حوار فكري بنّاء، يُراد منه معرفة الواقع والحقيقة التي نريد أن نؤسس عليها رؤيتنا العامة في الحياة، ونبني عليها أسلوب حياتنا اليومية.
o السفسطائي المادي: يعني أنت ترى أنّ الحوار الفكري لاينبغي أن نطرح فيه آراءنا الشخصية، حتى لايتحول إلى عبث وتضييع للوقت؟!
• الفيلسوف: هذا يعتمد على طبيعة الحوار، وغايته...فإذا كان الحوار يتعلق بمسائل جزئية، لاسبيل للمنهج العقلي البرهاني، أو المنهج العلمي التجريبي إليها، أو كان الهدف من الحوار مجرد التسلية، وقضاء أوقات ممتعة، كحوارات الصالونات والمقاهي، فلابأس أن نبين آراءنا الشخصية والذوقية فيها، ليمر الوقت، وتنتهي السهرة، وينتهي معها كل شيء.
أما إذا كان الهدف هو اكتشاف المنهج المعرفي الصحيح في التفكير، أوتأسيس الرؤية الفلسفية للحياة، والتي يمكن أن تؤثر على مسيرنا، ومصيرنا في الحياة والوجود، فاعتقد أنّ الأمرأخطر بكثير من أن نجعله موضوعا للتسلية، أو مجرد فرصة للتعبير، والتنفيس عن وجهات نظرنا الشخصية.
o السفسطائي المادي: أممم ..ألمس فيكم جدية أكثر من اللازم، والظاهر إن أغلب حوارات الناس لاتعجبك...على أي حال هذا رأيك..والمهم هو ماستقولونه بعد ذلك.
• الفيلسوف: الأمر الاخر أنه سيتبين لكم عن قريب، أن كلامي لايضاد كلامكم، حيث إنني أؤمن بالمنهج العلمي التجريبي، ولكن لاأحصر المعرفة البشرية فيه، كما تفعلون، بل الأمر أوسع من ذلك بكثير.
o السفسطائي المادي: هذا أمر يبشر بالخير، ويجعلني أشتاق أكثر لسماع ماستقوله، ولكن لاتظن أنني سأستسلم لك بسهولة، فأنا على بيّنة من صحة اتجاهي الفكري، وليس اعتقادي هذا نابع من التقليد الأعمى، كما يفعل عوام الناس، بل قائم على أسس علمية، ودوافع كثيرة قد ذكرتها لكم في حواراتنا السابقة.
• الفيلسوف: جيد...دعنا نبدأ إذن من حيث بدأتم، في حصركم المعرفة الإنسانية في المعرفة الحسية والتجريبية، كما يعتقد فلاسفة الحداثة والتنويرفي الغرب.
o السفسطائي المادي: نعم من هنا ينبغي علينا أن نبدأ، لأنّ هذا هو بيت القصيد.
• الفيلسوف: أريد أن أسألك أولا عن العدالة والحرية، هل تؤمن بهما؟
o السفسطائي المادي: أكيد...وهل هناك قيمة أفضل منهما في الحياة، فلا حياة مع الظلم والاستبداد.
• الفيلسوف: يعني تؤمن بوجودهما في الواقع، وأنهما ليسا من المعاني الفارغة
o السفسطائي المادي: بالطبع أؤمن بذلك، بل أناعلى أتم الاستعداد للنضال والكفاح من أجلهما.
• الفيلسوف: حسنا...الان دعني أسألك...هل تُحس بهما، مالونهما؟ ماشكلهما؟ ماطعمهما؟...هل يمكنك أن تلمسهما أو تشمهما؟
o السفسطائي المادي: ماذا تقصد بكلامك هذا؟! ... أتريد أن تسخر مني!
• الفيلسوف: ولماذا أسخر منك، ونحن قد تعاهدنا على المحبة والاحترام المتبادل...هذا مجرد سؤال بسيط، وأريد منك جوابا بسيطا مثله.
o السفسطائي المادي: جوابي واضح، وهو أنهما لاشكل ولا لون ولاطعم لهما، وهذا يعرفه كل إنسان عاقل.
• الفيلسوف: نعم صحيح...والسبب في ذلك أنهما غير محسوسين، مع كونهما أمرين موجودين وواقعيين، ونناضل من أجلهما باعترافكم
o السفسطائي المادي: أمممم...يعني ماذا تريد أن تقول؟
• الفيلسوف: كلامي واضح، وأنت تعلم جيدا ماذأ اقصد...لقد تبيّن لك بكل وضوح أنّ هناك اشياء واقعية موجودة، نعلمها، مع أنها غير محسوسة، وأنت تحصر العلم في المحسوس لاغير...فقد ثبت لنا أن الموجود أعم من المحسوس وغير المحسوس.
o السفسطائي المادي: ولكن هذه مجرد معاني عامة، وليست أشخاصا في الخارج.
• الفيلسوف: أنا أعرف أنها معاني عامة معقولة، وليست شخصية محسوسة، ولكنها ليست معاني فارغة كاذبة موهومة، كما يزعم أصحاب الوضعية المنطقية، وإلا مااستحقت أن نطالب بها، ونناضل من أجلها.
o السفسطائي المادي: صحيح، ولكن السؤال هو أنه كيف أدركنا هذه المعاني غير المحسوسة...هذا أمر غريب.
• الفيلسوف: أدركناها بعقولنا الإنسانية ياناصح، وليس هذا بالأمر الغريب، نعم هو غريب على من حصر المعرفة الإنسانية فيما تدركه حواسه، وجعل عقله في عينيه.
o السفسطائي المادي: وهل هناك معان أخرى معقولة كذلك؟
• الفيلسوف: بالتأكيد...هناك الإنسانية، والعقلانية، والشرف والعزة والكرامة، والصواب والخطأ.....,غيرها من المعان الصحيحة الواقعية، والتي صار بها الإنسان إنسانا...ونحن عندما نجعل هذه المعاني فارغة وكاذبة، فعقولنا المدركة لها كذلك، فلايبقى أي فرق بين الإنسان والحيوان...فأين الكرامة الإنسانية.
o السفسطائي المادي: نعم...هذه مسألة اعترف أنها جديدة بالنسبة لي، وليس عندي جواب عليها في الوقت الحاضر، وأؤثر الانتظار لتكملوا كلامكم، قبل التعليق عليه، فهل لديكم بيان اخر؟
• الفيلسوف: نحن مازلنا في بداية الطريق...ولكن أنا أكتفي بهذا التنبيه هذه الليلة، وأرجو أن تتأملوا فيه جيدا حتى موعدنا في الجلسة اللاحقة، حيث سنغوص أكثر في وادي العقل والمعقولات، لنستكشف سويا حقيقة الإنسانية.