مدخل لفهم المجتمع العراقي المعاصر

محمد لفته محل
2018 / 3 / 4

منذ أن ظهر الدكتور العلامة الاجتماعي (علي الوردي) بنظريته الرائدة عن طبيعة المجتمع العراقي حتى سلط البحث على المجتمع العراقي وقدم خدمة عظيمة للعلم الاجتماعي العراقي، استمرت على مدى نصف قرن، لكن الوردي شخص واحد قام بهمة جليلة ومن العيب ترك مشروعه بدون إكمال لأنه يحتاج لتضافر جهود أخرى تكمل المشروع العلمي الذي بدأه، وقد اقر الوردي ان نظريته مثلت مرحلة الانتقال من العهد العثماني الى العهد الملكي. وآن الأوان بعد الاحتلال الأمريكي للعراق الذي اثر في علاقات الجماعات بينها بتنشيط هويتها سياسيا، الذي انعكس اجتماعيا بلغ ذروته في حرب اهلية ثم حرب اعلامية اقليمية وتمييز اجتماعي وشيطنة الطائفة الاخرى، ثم تصاعد بحرب طائفية اقليمية في سوريا واليمن والبحرين، فتكتل العراقيون الى طوائف وقوميات واديان هي بالأساس تكتلات عشائرية، فتغيرت العلاقات بين الجماعات من التقارب والمصاهرة احيانا الى التمييز والشيطنة وعدم الثقة. وعليه لابد من طرح تصور يكون مشروع نظرية جديدة للمجتمع قادرة على فهم المجتمع العراقي المعاصر.
كيف نستطيع بناء فهم نظري جديد للمجتمع العراقي المعاصر؟ والمجتمع مزدحم بالظواهر المتنوعة؟ هل لنا من بين هذا الظواهر أن نستنبط فهم جوهري يفسر كل هذا الرصد من الظواهر؟ مثلا حين نرى ظاهرة الفساد متفشية في المجتمع، هل نقول أن المجتمع العراقي فاسد بطبيعته ونكتفي؟ وهذا ينقلنا لسؤال آخر لماذا نحن فاسدون؟ وإذا لاحظنا حمية العراقي وغيرته على جاره مثلا او على امرأة واقفة في الباص، هل نقول ان العراقي (غيور)؟ ترى اين هذه الغيرة من العنف الذي تتعرض له المرأة في المنزل او العمل؟ اين الحمية من الاحتقار والتمييز الطائفي بين العراقيين؟ وإذا قلنا إن العراقيين منافقون كما يقال، ترى لماذا نحن منافقون؟ وعليه يجب ان تبحث عما هو جوهري في هذا المجتمع من خلال الملاحظة المباشرة، واراء الفاعلين (العراقيين) الاجتماعيين المعاصرين عن انفسهم ومجتمعهم.
كل عراقي يُعرف نفسه بهوية طائفية (سني، شيعي) أو قومية (عربي، كردي) أو عشائرية (بني فلان أو آل فلان) أو دينية (مسلم، مسيحي، ايزيدي، صابئي)، والعراقيون حالما يتعارفون يسألون عن أصل الفرد العشائري أو المذهبي أو القومي (من ياعمام؟) أو (منين انتَ؟) أو (شنو أصلك؟) وهذا التقسيم اعترِف به سياسياً وتشكلت الأحزاب على أساسه. فالمجتمع العراقي مشكل من جماعات اجتماعية تاريخية ذات هوية طائفية، قومية، عشائرية، دينية وذلك من خلال هوية الأفراد أو موقعهم الجغرافي على خارطة العراق (الجنوب للشيعة، الغرب للسنة، الشمال للأكراد) أو الاثنيات. يقول الدكتور (قيس النوري) أن البنية الاجتماعية العربية التقليدية قامت على أواصر القربى التي استمدت العشيرة منها وحدتها. وهو ما يدعى في الإناسة "عاطفة الجماعة" وهذه العاطفة تؤدي وظائف مهمة منها قوة الولاء والانتماء للقبيلة والعشيرة، والحرص على مصالحها وشرفها والتضحية من أجلها. ونتج عن هذا الاندماج بين الفرد والجماعة تبلور الذات الاجتماعية في صيغة ال"نحن" أكثر من جنوحها إلى "الأنا".(النوري،2010: 131) وهذا يسمى في مدرسة الاجتماع الفرنسية المجتمع ذو التضامن الآلي، النقيض للمجتمع العضوي. وكما يصف دوركهايم: التعاون الآلي لا يعني انه ينشأ عن وسائل آلية، إنما لما فيه من شبه مع الانسجام الذي يجمع عناصر الأجسام الجامدة، بعضها إلى بعض، على خلاف الانسجام الذي يضمن وحدة الأجسام الحية. والعلاقة التي تصل الفرد بالمجتمع، علاقة مباشرة شبيهة بتلك التي تصل الشيء بالشخص. والوجدان الفردي للفرد مجرد أداة في يد النموذج الجمعي، يتبع كل حركاته، والفرد في هذه المجتمعات ليس ملك نفسه، بل هو شيء يتصرف به المجتمع، والحقوق الشخصية لا تتميز عن الحقوق العينية.(دركهايم،1982: 151،152) وتقسيم العمل فيه ضعيف. والوجدانات متشابهة، والفرد متبنى اجتماعياً، منصهر هو وأقرانه في النموذج الاجتماعي نفسه، إذ ليس له شخصية خاصة به. وتشابه الوجدانات ينشئ قواعد خلقية تَفرِضُ على كل الناس تحت طائلة التدابير القامعة معتقدات وتقاليد متماثلة. وكلما ازداد التشابه اختلطت الحياة الاجتماعية بالحياة الدينية، واقتربت المؤسسات الاقتصادية من الشيوعية.(دركهايم:257،258) والدين يحيط بكل شيء لدى هذه المجتمعات البدائية؛ وكل ما هو اجتماعي كان دينياً. والكلمتان مترادفتان.(دركهايم:196) وكلما كانت الحياة الدينية قوية ومكثفة، كلما كانت الحاجة ماسة إلى كهنة لقيادتها والإشراف عليها. وكلما كان هناك عقائد وتعاليم لا يترك تأويلها للضمائر الفردية، كلما كان هناك حاجة إلى سلطات مختصة لتأويل معناها. ومن جهة أخرى فكلما كانت هذه السلطات كثيرة العدد، كلما أحاطت بالفرد، وكبحته، بنحو أقوى.(دوركايم،2011: 184) والتضامن الآلي مرتبط بالنموذج المقطعي (المقاطعات السكنية) لأنها تطوق الفرد عن كثب وتربطه بمحيطه العائلي.(دركهايم:342) وهذا التعاون الآلي، ينشأ عن وجوده عدد من حالات الوجدان مشتركة بين كل أفراد المجتمع الواحد. وهذا التعاون هو الذي يصوره قانون الجزاء مادياً. ويرتبط التعاون والاندماج الاجتماعي العام، بسعة الجانب الاجتماعي الذي يضمه الوجدان المشترك وينظمه. وكلما ازداد ما ينشئه هذا الوجدان من علاقات تصل الفرد بالرهط، وبالتالي نشوء الانسجام الاجتماعي عن هذا المصدر، وحمل طابعه.(دركهايم:129) من الطبيعي حينئذ أن يكون هذا الفرد أقل حماية حيال المقتضيات الجمعية، وأن المجتمع لن يتردد، لأقل سبب في أن يطلب منه أن يضع حداً لحياته التي تعتبرها شيئاً تافها لاقيمة له.(دوركايم:270) ففي سبيل غايات اجتماعية يفرض المجتمع هذه التضحية. وإذا ما قصر في أداء هذا الواجب فإن جزاءه الخزي والعار، وينال في أغلب الأحيان عقاباً دينياً(دوركايم:269، 268). فإذا لم يفرضها الرأي العام، فهو يستحسنها (التضحية بالحياة)، فبما أن عدم الحرص على الحياة يعتبر فضيلة، فإن المديح والتشجيع يطرى لمن يضحي بحياته.(دوركايم:272) باسم الشهادة أو الثأر أو غسل العار مثلا.
أما أنا فاستبدل كلمة التضامن اللآلي ب(المجتمع الشجري) استعرته من التشبيه العشائري التي ترسم أصلها بشجرة ترمز لنسبهم، ويعكس تصورهم الفعلي للبشر، ولذلك يبقى أصل التربة/المكان الذي نبت/تربى فيه الجدود هو الأصل، مثلما أن جذر الشجرة هو أصلها مهما ارتفعت، وهذا التصور مسقط على السماء أيضا فالبشر هم أسماء مكتوبة على أوراق شجرة الحياة، وسقوط ورقته من الغصن يعني موت الفرد المكتوب اسمه عليها، وعليه سُمي الأطفال عامياً (بزر) وتعني لغوياً كل حَبّ يُبزَرُ للنبات. وبَزَرَ بَزْراً: بَذَرَهُ.(ابن منظور،2000،ج4: 56) والبَذْرُ والبُذارَة: النَّسل. ويقال إن هؤلاء لَبَذْرُ سَوْءٍ.(ابن منظور،ج4: 50) ونحن نشتم بالعامية العراقية (بزرة خر..) وهذا الأخير يستخدم لتسمية النسل، ومن ينجب اطفالاً يسمى (يحي الشجرة). ومن لا نسب له ننعته ب(ﻤﮕطوع من شجرة، أو نغل، أو ﻤﮕّطم، لملوم=مجموع عشوائيا) وبما أن الشجرة أهم من الأوراق والأغصان فالجماعة أهم من الفرد الذي يعتبر رقما (اكو واحد، فد واحد، انت فد واحد الخ) فالإنسان هو فرد وليس شخص على حد تعبير (يوسف شلحت)، فالفرد يمثل حالة بدائية أما الشخص فهو مرحلة الانتقال من التبعية للوعي الجمعي إلى الاستقلال الذي يسمح له بالتفكير الذاتي الذي ينقله من فرد إلى شخص(شلحت،2003: 44). فالفرد مجرد إنسان، أو كائن بشري، بغض النظر عن مركزه ومقومات شخصيته. أما الشخص فهو الفرد مكتمل مقومات الشخصية، والذي يحتل مركزاً اجتماعيا يكسبه حقوقاً، ويفرض عليه واجبات ومسئوليات. ولذا فكل شخصٍ فردً، والعكس غير صحيح.(سليم،1981: 489) ونحن نستعمل كلمة (بشر) في تسميتنا للإنسان وهي كلمة تدل للجمع وتستخدم للمفرد واختيارها له دلالة اجتماعية على عدم أهمية الفرد إلا بارتباطه بالجماعة، وكذلك تسميتنا (بني آدم) للإنسان لنفس السبب أي بانتساب الفرد لأصل، ومن يترك أصله يبقى أصله ملصقا به (كان أصله كذا) لان ترك الأصل وصمة عار (لينكر اصله نغل). حتى إن كلمة (أصل) أصبحت تقال للشكر والإطراء والجودة، فإذا قلت لشخص (أنت أصيل) فإننا نمدحه وإذا قلنا على بضاعة أنها (أصلية) فإنها تعني جيدة، لأنه (الأصل) أصبح استعارة للجيد والمتين. لأن الفرد مملوك للجماعة وهذا واضح كثرت الآداب والطقوس اليومية التي تضبط سلوكه الشخصي حتى في الجنس والمرحاض وداخل البيت، لان خصوصية الفرد شبه معدومة لأنه مملوك للجماعة، وهذا واضح أيضا في عبارات (اعوذ بالله من كلمة آني، من مدح نفسه ذمها، الينكر أصله نغل، النفس أمارة بالسوء، الله يكفيكم شر بني آدم، الشكوى لغير الله مذلة، سوي زين وذب بالشط، اتقي شر من أحسنت إليه) كلها تجسيد لهيمنة الجماعة وتحقير الأنا/الفرد. والفرد معرض للانتهاك بسهولة إذا كان طفلا او أمرأة او ضعيف او غريب. ولهذا فنحن نعتبر الفرد هو نتاج أصله وليس نفسه، فالفرد الحسن لا نشكره بل نشكر والديه (رحمة الله والديك) لأن (أصله طيب وأبن حلال) أو (أبن أصول) أو (شريف) والفرد السيئ لا نشتمه بل نشتم والديه (نعلة على والديك، ابن كلب، أبن قندرة، أبن ساقط الخ) فالأب هو المسؤول عن أخلاق أبنه بالوراثة، وهذا الشيء يحدث من النطفة التي قد تكون (صالحة، أو خبيثة)، أما الأم فإن تأثيرها على أبنائها يكون عن طريق الحليب وليس النطفة، فهي تورثه أخلاقها إذا كانت سلبية أو ايجابية لذلك نحن لا نشكر الشخص بل حليب أمه (ألف رحمة على عالديس الرضعته) أو نشتمه إذا كان سيئا (نعلة على مرضعك) أو (ابن اﻠﮕحبة/القحبة، ابن الساقطة، ابن بلاعة العي..) لأن المثل يقول (المايسوﮔﺔ مرضعه، ضرب العصا ما ينفه) وكل شخص ينهاه حليب أمه إذا كان صالحا (كلمن يرده حليبه) وهو يعني أن التربية عاجزة عن التأثير في الموروثات (ابو طبع ما يغير طبعه)(الطبع بالبدن، مايغيره إلا اﻠﭼفن=الكفن). أما المؤثر الثالث بعد الأصل والأبوين هو (العرض=الشرف) فإذا تلوث العرض أثر على أخلاق الفرد وسلالته فيوصف الفرد السيء (عرضه ﺳﮕط=سقط)، ويجب غسله حين يتلوث (غسل العار) وفي كلا الحالات الأصل السلالي ثم الأب وألام ثم العرض هم مصدر أخلاق وصفات البشر في المجتمع ولا دور له في تحقيق مصيره، وهذه الأشياء الثلاثة مقدسة اجتماعيا ولها جزاء ذاتي دنيوي عدا الجزاء الأخروي، فمن يتمرد على أبويه، يُعامله أولاده مثل معاملته لأبويه السيئة، لان الله يستجيب دعاء الأبوين ضد أبنائهم، وللأبوين حرمة اجتماعية حتى لو قصرا بحق ابنهم لا يقبل التجاوز عليهم.(1) أما الذي ينكر أصله يكون (نغل) لا يمكن أن يزوجه أو يحترمه احد، ويسهل التعدي عليه لأنه (مكطم=مقطع)، أو (بلا أصل وفصل) وهذا نوع من الجزاء اجتماعي. وهكذا سميت الأخلاق وأصلها لغة (الخُلُق): وهو الديَّن والطبْع والسجية.(ابن منظور،ج10: 86) أي ما خلقه الله دون إرادتنا، توافقا مع الأصول الصانعة للفرد. فكيف لايفتخر الفرد بأصله فيكتب اسمه مقرونا بنسبه (فلان النعيمي، العبيدي، الشمري الخ) لأنه بدون نسبه بلا القيمة، وهذا المجتمع يدرك إن نظريته يجب وضع استثناءات لها حتى تبقى متماسكة مع الواقع، فعندما يأتي أبن سيء لأب صالح قالوا (النار تخلف عار) أو لأن أبوه كان سيئا مع والده حين كان شابا، والله يعاقب الأب بأبنه مثلما فعل الأب مع أبيه، وإذا حدث العكس ابن صالح لأب سيء قالوا (مو كل اصابعك سوى). وفي أجواء هكذا ثقافة تشيع الأفكار السلفية، وترفض القيم الجديدة وياتي الفكر الشعبي حول فلسفة الإنسان معبرا مجازيا عن هيمنة الأصل في شكل فلسفة تتحدث عن مصير مكتوب للبشر من الولادة على جبينه (المكتوب عالجبين لازم تشوفه العين). فالإنسان هو وريث أسلافه يرث عنهم صفاتهم وطباعهم ولا يغيره إلا طباع وصفات أبويه إذا كانا صالحين أو طالحين كان مثلهم أو إذا تلوث عرضه، لأن (العرق دساس) كما يقال بالعراقي. فالجماعة تتأله في هذا المجتمع الشجري.
فالفرد العراقي ما هو إلا ورقة في شجرة عشيرته لا قيمة له بدونها، لكنه جزء من الكل، المساس به مساس للكل، والعكس كذلك. والانتماء فيه للجماعة وراثي وليس اكتسابي، بناءا على ذلك يكون للأصل مكانة مقدسه. وللنواهي والعرف والتقاليد الجماعية حرمة من الانتهاك، ومن يخالفها يوصف (مو أبن أصول) ويتعرض للتوبيخ والنبذ وهو ما يسمى "الجزاء الاجتماعي"، ويُتهم بسوء تربيته أو بنجاسة أصله إذا كان أبيه سيئاً، أو يُتهم بنجاسة حليب أمه، لأن العرق دساس. ومن يتمسك بالعرف يوصف (ابن اصول، ابن اجاويد). فالأصل هو المسؤول عن أخلاق أفراده الصالحة والطالحة. وترى الدكتورة (ثناء محمد صالح) أن بنية المجتمع الزراعية انعكست على بيئته الاجتماعية وأعطته سمته الاجتماعية المتمثلة في ذوبان النزعة الفردية وبروز مفهوم الجماعة.(صالح،2013: 32) وظلت الجماعة فاعلة في الموازنة السلوكية بين الفرد والمجتمع تتخذ طابعا دينيا. فالمجتمع العراقي اعتمد في بنائه الإجتماعي على وحدة تكوينية تمثلت في الجماعة الإجتماعية، التي استطاعت أن تستقطب وظائف الأسرة مضيفة إليها الممارسات الخاصة بالمحلة مع امتداد قبلي برز بشكل طرف أو محلة في بغداد وديرة في البصرة وزقاق في الموصل يقابلها نزل أو سلف أو آل أو بني في الريف. مثل هذه الوحدة تمارس ضبطا اجتماعيا غير رسمي جمع بين قوالب التنشئة الإجتماعية والموروث الروحي والشعبي.(صالح:33) وهذه الجماعة المتضامنة داخليا جعلها تتصلب تجاه أي تغيير خارجي عليها يأتي من المؤسسات الرسمية. فخلق تقاطع بين الزمن التغيري المؤسسي والزمن التطويري الإجتماعي حتى غدت إشكالية مجتمع/دولة.(صالح:36) أزمة تحول دون تكون أمة تحكم نفسها سياسيا بوئام. وفي المدرسة الفرنسية كل تضامن اجتماعي هو بنفس الوقت تضامن ديني، وكما يقول دوركهايم (إن من الثابت، فعلاً انه عندما يكون الاعتقاد القوي بعض الشيء، مشتركاً بين أفراد طائفة واحدة من الناس، فإنه لا بدّ وأن يّتخذ صفة دينية، وهو يحمل النفوس على احترامه، كما تحترم المعتقدات الدينية البحته.)(دركهايم:196) لهذا يدافع العراقي عن عشيرته كما يدافع عن طائفته، ومستعد للتضحية من اجلها، و(الأصل، والشرف، والعرض) يحاط بقداسة من التدنيس، ولا ننسى أن لكل عشيرة انتماء طائفي (سنة أو شيعة) ولا تشذ أي عشيرة عن هذه الانتماءات، فإذا تمذهب جزء من العشيرة بطائفة مختلفة، أصبح هذا الجزء مستقل بشيخ لها عن العشيرة الأم (كثير من العشائر منقسمة طائفيا). وحين انقسم الإسلام طائفيا بالعراق اتخذ الانقسام طابعا قبليا، حيث تم تكييف الطائفة وفق النموذج القبلي السائد تاريخياً، فأصبحت الطائفة كالقبيلة تجمع كل العشائر ذات الطائفة نفسها، يُطلِق أتباع الطائفة الواحدة على نفسهم (جماعتنا، ربعنا، احنا) أي كجماعة متضامنة، يسكنون جغرافيا معا، لهم أزيائهم وأعيادهم وطقوسهم، ولهم شيوخ دين خاصة بهم تميزهم كجماعة داخلية عن الجماعات الخارجية الأخرى. من هنا جرى تماهي بين العشائري والطائفي. والحقيقة أن كثير من كلماتنا الاجتماعية الدنيوية ذات مضمون ديني مثل (خطيئة) يقابلها بالعامية (خطيّه) التي تقال لكل شيء فيه إساءة على الآخرين، وكلمة (حرام) يقابلها بالعامية (حرامات/احترم/حرمة) التي تقال على كثير من القضايا الاجتماعية التي يرفضها المجتمع، وكلمة (نجس) يقابلها بالعامية (ﻨﮕس) التي تطلق على كل سيء أخلاقيا. وهذا ما يميز المجتمع الآلي إن كل قانون جزائي هو شيء ديني بدرجات متفاوتة، إذ إن روحه تتألف من شعور باحترام لقوة أعلى من الإنسان الفرد، أو لقدرة متعالية بمعنى ما، أَيَّاً كان الرمز الذي تتجلى من خلاله للضمائر، وهذا الشعور أيضاً أساس كل حياة دينية.(دركهايم:164) وبعض القوى الاجتماعية ذو مضمون ديني دون أن يقابله اعتراف من الدين الرسمي مثل (قسمة، ﻔﮕر، حوبة، بخت، يشاور، الثار)الخ وهناك محرمات اجتماعية ذات مضمون ديني مثل محرمات الغروب كعدم الضحك، أو الغناء، أو الرقص، أو الاستحمام، أو الحلاقة، أو قص الأظافر الخ، وهذا يؤيد أنه كلما ساد التضامن الاجتماعي تولدت مشاعر دينية عن هذا التضامن. وعليه استطيع القول أن مجتمعنا مجتمع شجري ذو تضامن ديني، لأنه يحيط تقاليده وأعرافه وأصوله بقداسة وجزاء اجتماعي مادي وروحي. ويمتد هذا التصور الديني إلى نمط تفكيره فيرى العالم وفق ثنائيات دينية ما بين المهدي والشيطان، الأول يتجسد بالرمز السياسي كمنقذ خالد (رمزية صلاح الدين وصدام حسين المهدوية عند السنة، ورمزية المختار والمهدي ونوري المالكي المهدوية عند الشيعة)، والثاني بنظرية المؤامرة أو إضفاء قدرات خارقة شريرة على الأعداء (امريكا، اسرائيل، الماسونية). ويحاط كبير السن بقداسة كونه رمز للأجداد والآباء والأصول، وينقسم المكان والزمان إلى ثنائية مقدس ومدنس، وتمايز المكان لقنين حدود الملكية الخاصة والمقدسة المتمايزة عن ملكيتنا، وملكية جسد المرأة للرجل للحفاظ على ذكورية المجتمع بالدم والاملاك، وهذه كلها لتنظيم المجتمع بحفظ حقوق الفرد الخاصة. والملكية جماعية في هذا المجتمع، رغم أن للفرد ملكية خاصة من ملكية الجماعة، فالمال والطعام والروح هي ملكية الجماعة تقسمها للفرد بقدر سعيه العملي وإيمانه الإسلامي (صلاة، صيام، تسبيح، زيارة الأضرحة) وعبارة (الملك لله) هي المعبر المجازي عن ملكية الجماعة التي تفرض تدويرها على الأفراد (زكاة وتبرع المال، اعتبار الموت حق وأجل لله، توزيع الطعام والدعوة لمشاركة الآخرين به، ذبح القرابين لله على امتلاك ارض) وكقولنا (ارض الله الواسعة). والفرد نفسه مملوك للجماعة ليس له خصوصيته، فهي تتدخل في خصوصياته البيتية من آداب ومحرمات الجنس إلى الدخول للمرحاض وتربية أطفاله وما يحق له أن يسمع (تحريم الغناء مثلا) وان يرى (بعض المشاهد محرمة من النظر) وان يستعمل (تحريم بعض الأجهزة التكنولوجية) أو لا يحق. وهذه امور سنوضحها في مقالات مستقلة بالتفصيل.
ويكتسب الإنسان قيمته من أصله كما قلنا وهو بذاته لا قيمة له، وهناك شيء آخر فيه والذي يعطيه قيمة كفرد هو الكرامة، والكَرامةُ: أسم يوضع للإكرام، كما وضعت الطَّاعة موضع الإِطاعة. والكَريم: الجامع لأَنواع الخير والشرَف والفَضائل. وهو أسم جامع لكل ما يُحْمَد. الكَرَم نقيض اللُّؤْم.(ابن منظور،ج12: 510) وبهذا فالكرامة هي حصانة الجماعة منحتها للفرد لحفظ دمه وحقوقه لكي يعطي ويفعل الخير ويلتزم بالفضائل، فيكتسب قيمة بالتزامه بها، وشعبيا تعني الكرامة الكبرياء والآباء وعدم الإذلال.
وهكذا فالمجتمع العراقي يمتاز بميزتين اساسيتين هما انه مجتمع جماعات، وانه مجتمع ديني لان الرابط لهذه الجماعات هو الدين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1_موروث شعبي كثير عن انتقام الابن من ابيه بمثلما قام به الاب (حين كان ابناً) تجاه اباه، فمثلا أبنُ يأخذ ابوه المقعد دون أن يخبره لهاوية، فيضحك الأب قائلا:(انها نفس الهاوية التي القيت ابي منها، والآن انت تريد ان تلقيني منها) او اولاد يحفرون لكي يدفنوا ابيهم، لان ابيهم سابقا دفن اباه، وغيرها. وهي قصة تعليمية ووسيلة ضبط اجتماعي وجزائي تحذر من عقوق الوالدين.

المصادر
_يوسف شلحت، مدخل إلى علم اجتماع الإسلام، من الارواحية إلى الشمولية، تعريب: خليل احمد خليل، الطبعة الأولى، 2003، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
_الإماِم العَلاّمة أبي الفضل جَمال الدّين محمَّد بن مكرم ابن منظور الافريقي المِصري، لسان العرب، دار صادر، بيروت 2000.
_ثناء محمد صالح عبد الرحيم، سوسيولوجيا تاريخ العراق المعاصر، بغداد عاصمة الثقافة العراقية، الطبعة الاولى:2013.
_إميل دوركايم، الانتحار، ترجمة: حسن عودة، الهيئة العامة السورية للكتاب، دراسات اجتماعية4، 2011.
_إميل دركهايم، في تقسيم العَمَل الاجتماعي، ترجمة حافظ الجمالي، مجموعة الروائع الإنسانية_الأونسكو، السلسلة العربية، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع بيروت1982.
_أ.د. قيس نعمة النوري، الثقافة والثروة الإنسانية، مدارك، مجلة فصلية تصدر عن مركز مدارك للبحوث والدراسات، العددان13-14، 2010.
_د.شاكر مصطفى سليم، قاموس الأنثروبولوجيا، انكليزي-عربي، جامعة الكويت، الطبعة الاولى، 1981.