رسالة للصديق نضال نعيسة

غسان صابور
2018 / 3 / 2

رسالة للصديق نضال نعيسة
كتب الصديق والزميل والإعلامي المخضرم السوري نـضـال نـعيـسـة على صفحته بموقع (القرية العلمانية السورية).. البارحة مساء ما يلي :
"شباب أمانة عن جد اللي شاف لي شي بوصلة ضايعة
أنا ضيعتها للبوصلة وما بعرف بقا كيف بدي أرجع ع القدس مع الشباب؟"...
وهذا جوابي لـه :
نضال.. يا صديقي الطيب...
قرأت كلمتك عن بوصلتك الضائعة.. والتي كانت على ما يبدو مبرمجة باتجاه القدس.. مثلنا كلنا.. منذ بدأنا نفكر أيام فتوتنا وشبابنا.. وبعدها.. وبعدها.. عندما لم يتبق بالمشرق الضائع والبلاد العربية.. أي التزام سياسي.. على ما توهمنا بجميع الأوساط السياسية والأحزاب والالتزامات السياسية (الــحــرة) المسموحة إسما.. والممنوعة والمحرمة فعلا.. غير موضوع القدس وفلسطين... وحتى عندما اخترنا الهجرة الأبدية.. بحثا عن الأوكسيجين بعوالم أخرى.. انخرطت وبعض الزملاء من جيلنا.. وحفنة من بقايا الأنتليجنسيا السورية (والعربية) بالأوساط اليسارية بفرنسا وأوروبا الوحيدة آنذاك بالستينات من القرن الماضي التي بقيت تدافع عن القضية الفلسطينية... والتي بدأت تتفكك منذ وصول فرانسوا ميتران إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية.. ووصول الحزب الاشتراكي الفرنسي معه إلى السلطة.. لمدة عشرة سنوات... كانت القضية الفلسطينية آخر ما تبقى من كرامتنا... آخر ما تبقى من فكرنا وتحليلاتنا السياسية.. وأؤكد لك أنه من ذلك التاريخ.. كان يتواجد معنا بالاجتماعات والمظاهرات والكتابات والندوات.. فــرنــســيــون.. أكثر من الطلاب والأساتذة السوريون والعرب وما تبقى من فلسطينيين... ويوما بعد يوم.. بدأت فلسطين تغيب عن الساحة الفرنسية خاصة والأوروبية عامة... حتى أنني شعرت بوحدة ويتامة كاملة بهذا الاتجاه... حتى فقدت البوصلة كليا... خلال سنوات وسنوات... حتى اشتعلت الحرب الأمريكية الأولى.. بشهر آب 1990 ضد العراق وضد صدام حسين... ومن جديد عدنا نبحث عن كرامتنا النائمة.. رغم اشتراك عديد من الدول العربية جانب الأمريكيين ضده.. ورحنا نبحث عن بوصلات سياسية وفكرية جديدة.. ومن حينها يا صديقي.. كنا بضياع متواصل.. ضد بعضنا البعض.. وتفكك ما بيننا.. وتفككت أهدافنا.. ولم نعد نؤمن بأية بوصلة.. ثـم اندلعت الحرب ضد سوريا.. ورأينا كيف تواردت ذئاب غابات الأرض كلها.. باتجاه الأراضي السورية.. وراحت تنهار المدن السورية واحدة تلو الأخرى أمام هذه الجحافل الإسلامية العجيبة الغريبة التكوين.. مدعومة من جيران سوريا وأبناء عم السوريين من عربان النفط والعمالة.. وها هي هذه الحرب تدخل بسنتها الثامنة.. بلا أية بوصلة.. ولا نعرف حتى اليوم من يقاتل من على هذه الأرض الحزينة... ومن يدعم من.. حتى أصبحت هذه الأرض السورية.. أكبر مخبر للموت والتهجير والخراب والخوف.. والبيع والتقسيم... وصرت أتردد ما بين كسر بوصلتي السياسية.. أو رميها بالبحر.. لما أشعر بمزيد من اليأس عن هذا البلد الذي ولدت بـه وأعطيته طفولتي وفتوتي وشبابي.. وحتى بعد أن غادرته.. وهبته كل كرامتي دفاعا حتى عن قضاياه التي هرب منها الكثيرون.. وحتى زبدة عناتره وسياسييه ومسؤوليه باعته ببضعة ملايين الدولارات.. وجناح متوسط بفنادق أوروبية أو تركية ببضعة نجوم...
أين هم المسؤولون والحكام العرب اليوم؟.. كلهم؟؟.. "قــشــة لــفــة"؟؟؟!!!... أين قدرتهم السياسية؟.. أين تخطيطاتهم للمستقبل؟؟؟!!!... أين قيمتهم بالميزان العالمي؟؟؟... هل تحسبوا لكل هذا الخراب وهذه الانحدارات العالمية التي أصابتنا؟؟؟!!!...
بالإضافة أن الإعلام العالمي يا صديقي.. لم يكن على الإطلاق مساندا لأي من القضايا المشرقية.. أو العربية... ودون أن ننسى أن الإعلام العربي نفسه.. كان دوما بأيادي الأمراء النفطيين والذين كانت دوما خطوطهم السياسية والفكرية وتمويل المنظمات الداعشية وغيرها.. تشبه بلونها النفط الذي ينتجون... وهو صورة طبق الأصل عن التشويه وتفجير كل حقيقة حقيقية.. عن شركة FOX الأمريكية والتي ساهمت كالسياسة الأمريكية الرسمية خلال الخمسين سنة التعيسة الفائتة.. بتفجير المنطقة.. وجرها إلى حرق وتدمير مستقبل شعوب الشرق الأوسط.. وخاصة سوريا والعراق.. وحتى لبنان والتي خطط لها الخراب والموت بمخابر الأطلسي وحلفائهم من جيران تلك المناطق المشرقية...
أعداؤنا ليس الأمريكان ولا الغرب وحدهم يا صديقي... كانوا قابعين في بيوتنا.. منا وفينا... لأن الخيانة موجودة بجيناتنا منذ مئات السنين.. ولكننا كنا دوما نبيض صفحاتهم وزعاماتهم وبطولاتهم التاريخية.. لأنهم منا وفينا...
لا أعرف إن كان سوف يرضيك هذا.. وإن كان سوف يساعدك بإيجاد بوصلتك الضائعة... أو أنك تحتاج للبحث عن بديل غيرها...بعد برمجتها عما يجري ــ حقيقة ــ بالعالم...
نضال يا صديقي.. إنس بوصلتك.. وانس مشوارك الموهوم للقدس.. لأنه مهما تغيرت نتائج ابتلاعها من ترامب وناتانياهو.. وتصفيق أولاد عمك العربان لهما.. لن يسمح لك أو لي بزيارتها... لأننا غير مرغوبين لا أنت ولا أنا.. ممن بــاعــوهــا.. وممن اشتروها!!!... لأننا أحــرار.. وعلـمـانـيـون.....
ولن يتبق لك ولي.. سوى الصراخ بوادي العربان والطرشان.. وبق البحصة من وقت لآخر... مع كل تأكيدي أن صرخاتنا وبق بحصاتنا.. ضائعة.. ضائعة.. ضــائعــة.........
*************
عـلى الــهــامــش :
ــ ما بين "ســويــســرا و ســــوريــا"
الزميل بالحوار المتمدن "الدكتور سامي الذيب" يعرض على السلطات السورية الفيدرالية (المفترضة مستقبلا؟!) دستورا جديدا منسوخا 100% من الدستور السويسري.. مع قوانين علمانية واضحة صحيحة معقولة للشعب السويسري.. ناسيا دكتورنا وزميلنا الرائع.. أن الشعب السوري لا يشبه على الإطلاق الشعب السويسري.. بسب الرواسب الدينية المحفورة بالحجر والمزروعة بالجينات منذ مئات ومئات السنين... رغم أنها تبيض (باطنا من وقت لآخر)... وكل مادة من هذا الدستور تحتاج لمائة عام على الأقل.. حتى تفسر.. وتفهم.. وتقبل أو لا تقبل!!!.....
مع احترامي لكتاباته الجريئة الشجاعة المستقبلية.. وموافقتي الكاملة مع تنبؤاته العلمانية وحلوله المنطقية... ولكن شعوب المشرق والعالم العربي والعالم الإسلامي... شــعـوب يجب تفصيل مبادئها "بـــحـــذر"... لأنها براكين نائمة.. تنفجر جماعيا ـ غالبا ـ من تغيير فاصلة واحدة.... لكل حقيقة منطقية... مع مزيد الحزن والأسى والأسـف........

بــــالانــــتــــظــــار...
غـسـان صـــابـــور ـــ لـيـون فـــرنـــســـا