هل خالف الشيعة مبدا العدل في احكامهم الفقهية ؟؟

سلمان رشيد محمد الهلالي
2018 / 2 / 26

ان من اصول الدين المشتركة عند الشيعة والمعتزلة هو (التوحيد والعدل) وهذه الاصول تكون بمثابة الدستور او المرجع الرئيسي للاحكام الدينية والفقهية والعقائدية . واذا تركنا مبحث التوحيد جانبا وناتي الى مرجعية (العدل) نجد ان الشيعة الامامية - الاثنا عشرية الجعفرية - يؤكدون نظريا الى اهمية هذا الاصل . قال العلامة الحلي (اعلم أنّ هذا الأصل [ العدل ] عظيم , تبتني عليه القواعد الإسلامية، بل الأحكام الدينية مطلقاً ، وبدونه لا يتمّ شيء من الأديان) ولااريد ان ادخل في تفاصيل العدل التكويني والتشريعي والجزائي لان ذلك يخرجنا عن اصل الموضوع الذي نحن بصدده , الا اننا وجدنا ان الشيعة لايهتمون او بالاصح يتجاهلون (العدل) كمرجعية في الاحكام الفقهية وهذا باعتقادي يرجع الى سببين :
الاولى : عدم اصالة مفهوم (العدل) عند الشيعة , وربما تسرب اليهم من المعتزلة دون قناعة به , او لغرض الجدل مع الاشاعرة والفرق االاسلامية الاخرى التي وقفت بالضد من مفهوم العدل , (حتى وصل الحال بالاشاعرة السنة ان اعلنوا حرية الله في ان يضع الانبياء والصالحين يوم القيامة في النار ويضع الكافرين والظالمين في الجنة) , وبما ان الخلفاء والسلاطين هم من تبنى هذا الراي والترويج له لاغراض سياسية وتبريرية لافعالهم الظالمة والغاشمة ضد المخالفين والمعارضين وغيرهم , فان الشيعة وكردفعل سياسي تبنوا الراي المعاكس وهو (العدل) واستحالة الظلم على الله . وقد اكد اطروحة تسرت مفهوم العدل من المعتزلة الى الشيعة العديد من الكتاب واهمهم المرجع الشيعي السيد كمال الحيدري في احدى محاضراته بالقول ان تاثر المفيد والطوسي بالاعتزال هو من سرب هذا المفهوم للشيعة .
الثاني : تقليد الشيعة لاهل السنة في المباني الفقهية التقليدية التي لم تتبلور على اساس (العدل) , لانه في الاصل لايشكل عندهم ركيزة او اصل من اصول الدين , والسبب لتبني الشيعة تلك المباني الفقهية هو الرغبة بالاندماج مع المركزية السنية وحيازة المقبولية الاسلامية . ويعد الشيخ الطوسي الذي انتقل من بغداد الى النجف الرائد بتقليد المتبنيات الفقهية السنية .
والمتتبع لانعدام اصل العدالة في الفقه الشيعي , يمكنه استعراض الاف الفتاوي والاراء الفقهية التي ادرجت كاحاديث نسبت للائمة او فتاوى من المجتهدين منها :
1 . جواز المسلم ان يطلق زوجته دون سبب عقلاني - وفي اي وقت - حتى لو حازت جميع فضائل الكمال .
2 . اختصار قبول الاعمال وجميع الحسنات بالصلاة . اي ان المسلم لو عمل صالحا طوال حياته وحصل على مليار حسنة ولم يصلي فلاتقبل منه تلك الاعمال
3 .جواز زواج من تجاوز عمره التسعين عاما بفتاة عمرها خمسة عشر عاما فقط .
4 . لايشترط لمن عنده مرض القلب او السرطان (الذي قد يموت في اي وقت) ان يعلن ذلك للفتاة التي يريد تزويجها .
5 . جواز الربا من خلال الحيلة الشرعية , كان يكون من خلال حيازة الفائدة من التبديل الظاهري للدينار بالدولار او بالعكس .
6 . عدم حصول اولاد المتوفي على اي ورث من جدهم اذا مات والدهم في حياة ابيه .
اذن على الشيعة الامامية الاثنا عشرية اذا كانوا صادقين في تبني مفهوم العدل - او اصل العدل - كمرجعية للدين الاسلامي بحسب رؤيتهم المذهبية , فعليهم ان يعيدوا النظر بجميع احكامهم الفقهية ومتبنياتهم العقائدية على اسس جديدة تتلائم ومع مرجعية العدل . وان يعيد كل مرجع او مجتهد فتاويه الدينية ويعرضها على هذا الاصل الثاني بعد التوحيد , فاذا توافقت معه فهو يكون قد التزم بالمسار والمرجعية الاصلية للدين الاسلامي , وان كانت قد خالفته فان الواجب عليه ان يعود الى تلك المرجعية , والا فانه يكون بذلك قد ساهم بالانحراف عن الاصل الحقيقي الدين .
ان هذه الدعوة ليس هدفها احياء اصول الدين والالتزام بها او الاصرار عليها , وانما هدفها الترويج للنزعة الانسانية في الدين والتاكيد على الجانب الاخلاقي فيه , بدل التركيز على البرود الفقهي والجمود العقائدي والاجترار الديني . وان اعادة النظر بتلك الفتاوى التي تخالف اصل العدل , ستكون مدخلا ايجابيا لانسياب مفاهيم التنوير والانسنة والعقلانية , لان اي مراجعة للدين هى حالة ايجابية للتغيير والاعادة بالمسلمات واليقينيات الزائفة وتفتيت السياج الدوغمائي المغلق – حسب تعبير محمد اركون – الذي يشكل حاجزا عن النقد والتحليل والتفكيك والانطلاق نحو افق التنوير والحداثة والعقل .