كونفرانس براغ - البلشفية طريق الثورة

آلان وودز
2018 / 2 / 25

البلشفية طريق الثورة

الفصل الرابع: النهوض

كونفرانس براغ

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

أدى فشل محاولة تحقيق الوحدة إلى إقناع لينين بضرورة إحداث قطيعة جذرية، فبدأ يضغط من أجل عقد كونفرانس جديد لجميع العناصر الثورية الحقيقية داخل روسيا. وفي فبراير 1910، كتب أن الكونفرانس ينبغي أن ينعقد "أولا وقبل كل شيء وعلى الفور وبأي ثمن".[1] تعاون البلاشفة والمناشفة الموالون للحزب في تشكيل اللجنة التنظيمية داخل روسيا. ومن الوقائع المعبرة أن بليخانوف لم يشارك في ذلك العمل. كانت أخطائه المنشفية قد منعته، في تلك اللحظة الحاسمة، من القطيعة التنظيمية النهائية مع التصفويين. وفي رسالة إلى مكسيم غوركي، كتب لينين: «بليخانوف يتملص، إنه دائما ما يتصرف بهذه الطريقة، التي هي مثل المرض، في اللحظات الحاسمة»[2]

كان كونفرانس براغ (الذي لم تنشر محاضره) نقطة تحول حاسمة. لقد انعقد في ظل ظروف صعبة للغاية. كان الوضع داخل روسيا ما يزال خطرا للغاية مما كان يمنع عقد الكونفرانس هناك. تعرضت التحضيرات لعقد الكونفرانس لعراقيل كثيرة بسبب حملة الاعتقالات، على الرغم من عقد كونفرانسات محلية في نوفمبر 1911. وأخيرا تم عقد الكونفرانس في براغ. وتمت الاستعدادات على يد بياتنيتسكي ودزرجينسكي، بمساعدة من الاشتراكيين الديمقراطيين التشيك. كتب لينين إلى هؤلاء الأخيرين يؤكد على ضرورة السرية المطلقة، ففي 19 أكتوبر 1911، كتب إلى أنطون نيميتش: «يجب ألا يعرف أي أحد وأي منظمة أي شيء عن هذا [الاجتماع]». لكن وعلى الرغم من كل هذه الاحتياطات فقد تم القبض على بعض المندوبين في الطريق إلى الكونفرانس الذي كانت الأوخرانا تعرف عنه كل التفاصيل.

افتتح الكونفرانس في 05 يناير 1912، واستمر 12 يوما. وحقيقة الأمر هي أن الحضور خلال كونفرانس براغ كان بداية لا تبشر بخير. لم يكن هناك سوى 14 مندوبا بحق تصويت، كلهم بلاشفة، باستثناء اثنين منهم. كان قد تم إرسال دعوات للحضور لكل من الاشتراكيين الديمقراطيين الليتوانيين والبوند والبولنديين والقوقازيين ومجموعة فبريود ومجموعة بليخانوف وكذلك صحيفة تروتسكي برافدا، لكنهم لم يحضروا. بليخانوف بقي بعيدا، مدعيا سوء ظروفه الصحية. كانت تلك التيارات إما معارضة لعقد الكونفرانس، أو أنها، على الأقل، كانت مترددة بشأن تلك القطيعة الجذرية. حتى في تلك اللحظة كانت الميول التوفيقية ما تزال قوية في معسكر البلاشفة. ظهرت اختلافات وشكوك داخل الكونفرانس، ولا سيما من جانب المناشفة الموالين للحزب، لكنهم لم يكونوا الوحيدين. تسبب ي. د. زيفين (الذي انضم فيما بعد إلى البلاشفة، وكان واحدا من هؤلاء المفوضين 26 الذين قتلهم البريطانيون في باكو) في بعض الجدال بسبب دفاعه عن موقف بليخانوف. كان بليخانوف، كما توقع لينين، قد بدأ بالفعل في التراجع. وفى الجلسة الافتتاحية، قرأ زيفين بيانا معدا مسبقا مفاده أنه يشارك في هذا الكونفرانس «ليس باعتباره كونفرانس للحزب بأكمله، بل بكونه كونفرانس لتيار واحد فقط من تيارات الحزب».

أصر عدد من المندوبين الروس، بمن فيهم رفيق لينين المقرب آنذاك أوردجونيكيدزه، على توجيه دعوات لحضور الكونفرانس إلى الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية القومية ومحرري الجرائد الحزبية فبريود وتروتسكي والمناشفة الموالين للحزب، لكنهم جميعا رفضوا الحضور. قال لينين في وقت لاحق: «لقد كنت ضد الدعوة، لكن المندوبين استدعوا مجموعة فبريود وتروتسكي وبليخانوف».[3] لم يكن ذلك كل شيء، فقد أراد ما لا يقل عن أربعة مندوبين استدعاء مارتوف ودان محرري الصحيفة الرئيسية للمناشفة غولوس سوتسيال ديموكراتا، في تناقض واضح مع موقف لينين الداعي إلى استبعاد "التصفويين" رسميا من الحزب. كانت هناك تعبيرات أخرى عن عدم التوافق، حيث انتقد العديد من المندوبين صحيفة سوتسيال ديموكراتا على نشرها مقالات غير مفهومة بالنسبة للعمال العاديين. وقد ظهرت شكوك هؤلاء المندوبين الذين يعملون داخل روسيا تجاه القادة في المنفى في الطلب الذي قدمه غولوشكيكن وأوردجونيكيدزه وسبانداريان، بأنه يجب حل المنظمات البلشفية في الخارج. أكد أوردجونيكيدزه أن منظمات المنفى "تافهة وعقيمة"، بل وشكك كذلك في جدوى الوحدة مع جماعة بليخانوف. أما سبانداريان فقد ذهب أبعد من ذلك، فقد دعا إلى حل كل مجموعات المنفى: «على أولئك الذين يرغبون في العمل... الانضمام إلينا في روسيا». نرى هنا مرة أخرى مظهرا آخر من مظاهر ضيق أفق موظفي الحزب "العمليين". ومرة أخرى كان على لينين تصحيح أخطاء هؤلاء الناس.


«يقول البعض: علينا شن الحرب على المهاجرين. لكن يجب أن نفهم ما الذي نكافح ضده. طالما بقي نظام ستوليبين قائما في روسيا، سيبقى هناك دائما أناس في المنفى. لكن هؤلاء المنفيين مرتبطون بآلاف الخيوط مع روسيا، ولن تتمكنوا من قطع تلك الخيوط، مهما حاولتم»[4]

لكن وعلى الرغم من تثاقل خطى بعض من أعضاء اللجان البلاشفة، فقد تم تحقيق الهدف الرئيسي. شكل كونفرانس براغ مفترق الطرق النهائي بين البلشفية والمنشفية. ورغم مقاطعة المناشفة للكونفرانس فقد استمرت التحضيرات لعقد كونفرانس بلشفي خالص، أي ما كان يعني، بعبارة أخرى، الانشقاق بشكل رسمي. كان لينين، على أية حال، قد توصل إلى الاقتناع بأن مرحلة المماطلة قد انتهت. كان من الضروري إجراء قطيعة جذرية للجناح الثوري عن الانتهازية، ولم يكن ليتأثر بضغط التوفيقيين. جاء في القرار النهائي بأن مجموعة التصفويين، المتحلقة حول صحيفتي سان بيترسبورغ "ناشا زاريا" و"ديلو جيزني"، "قد وضعت نفسها إلى الأبد خارج الحزب". وكانت "ناشا زاريا" و"ديلو جيزني" صحيفتي الجناح اليميني المتطرف للمناشفة (بوتريسوف وشركاؤه). كما أكد القرار أنه ليس من حق مجموعات المنفى استخدام اسم الحزب الاشتراكي الديمقراطي العمالي الروسي.

شعر بليخانوف آنذاك بعدم الارتياح لتركه وحيدا مع البلاشفة، لكنه كان قد عبر الروبيكون*، ولم تعد تحفظات المناشفة المواليين للحزب مجدية. لم يعد من الممكن العودة إلى الوراء آنذاك. لكنهم وعلى الرغم من أنهم كانوا أفضل العناصر بين جميع المناشفة اليساريين، وكانوا بدون شك مناضلين صادقين ومخلصين لقضية الطبقة العاملة، فقد اتضح أنهم حلفاء متذبذبون وغير حازمين، وتراجعوا عندما جاءت اللحظة الحاسمة. لقد كانوا تيارا وسطيا، أي تيارا يقف في منتصف الطريق بين الإصلاحية اليسارية وبين الماركسية الحقيقية. كان سلوكهم مثالا نموذجيا تماما عن جميع التيارات الوسطية في جميع الأوقات وفي كل مكان. إلا أن لينين لم يكن مستعدا للتوصل إلى حل توفيقي وتم رفض مقترحاتهم. لكن على الرغم من اللهجة المتشددة للقرارات، فإن لينين فهم أن كونفرانس براغ لم يكن نهاية القصة، بل فقط بداية المعركة لكسب غالبية الطبقة العاملة، وكذلك جميع عناصر الحزب الذين يمكن كسبهم.

وفيما يتعلق بمسألة التنظيم، أكد لينين مرة أخرى على ضرورة فتح أبواب الحزب، وتشكيل منظمات واسعة قادرة على استيعاب جماهير العمال الذين استفاقوا مؤخرا على الحياة السياسية في ظل الوضع الجديد. أنشئت لجنة لوضع قرار تنظيمي. كان من الضروري أن يتكيف الحزب مع الظروف المتغيرة. وكانت هناك حاجة ماسة إلى إشراك المزيد من الناس في العمل، ومنحهم المسؤوليات. حتى تلك اللحظة كان عدد قليل من الناشطين في الخلايا السرية قد اعتادوا على القيام بكل شيء بأنفسهم، أما الآن فقد صارت هناك حاجة إلى تفويض أكبر للمسؤوليات والمزيد من المشاركة والمزيد من المبادرة من جانب العمال الاشتراكيين الديمقراطيين في المصانع والنقابات وجميع المنظمات الأخرى التي كان الحزب موجودا فيها. ينبغي لهذه المنظمات الأوسع أن تضطلع بدور أكبر في عمل الحزب، كما ينبغي تشكيل لجان الفروع للحد من مخاطر القمع. وكان من الضروري أيضا القضاء على سيطرة الليبراليين على المنظمات الشرعية. هذه هي السمة الأساسية للسياسة اللينينية، والتي هي النقيض المطلق لجميع أنواع العصبوية. لم يكن المقصود من إعلان حزب مستقل أن يشكل مبادرة فارغة أو خطوة شكلية، بل أن يكون الخطوة الأولى لتنظيم عمل الثوريين داخل المنظمات الجماهيرية، حيث كان عليهم الانخراط في النضال من أجل تخليص الجماهير من نفوذ الليبرالية البرجوازية والقيادات الانتهازية. وقد شدد الكونفرانس على دور الصحافة الحزبية باعتبارها وسيلة تنظيمية، وعين رابوتشايا غازيتا (جريدة العمال) باعتبارها الجريدة الرسمية للحزب.

كان أحد أهم أهداف كونفرانس براغ وضع برنامج عمل ملموس لبناء الحزب. وقد علق لينين أهمية كبيرة على التقارير القادمة من المحليات، والتي كانت تقدم الأساس المادي لمنظوراته العامة. وكان عمل الفريق البلشفي داخل الدوما عنصرا رئيسيا في كسب غالبية العمال إلى البلشفية. أوضح لينين خلال الكونفرانس التكتيكات الانتخابية البلشفية، وقد استندت، من جهة، إلى معارضة النظام الملكي القيصري وأحزاب البرجوازية والملاكين العقاريين التي تقف وراءه، ومن جهة أخرى كان من الضروري فضح الليبراليين والحفاظ على الاستقلالية التامة عنهم. يجب على الفريق البلشفي داخل الدوما أن يسعى جاهدا لعقد الاتفاق النضالي فقط مع ممثلي البرجوازية الصغيرة الثورية (الفلاحين): الترودوفيك والاشتراكيين الثوريين. كان الحزب سيقدم مرشحيه في جميع المقاطعات، لكن وفي ظل ظروف معينة، كان من الممكن التوصل إلى اتفاقات جزئية مع "مجموعات أخرى"، بما في ذلك التصفويين. وأوضح قرار الكونفرانس ما يلي:


«يجب على الحزب أن يشن حربا لا هوادة فيها ضد الاستبداد القيصري وضد أحزاب الملاكين العقاريين والرأسماليين الذين يدعمونه، وأن يفضح في الوقت نفسه الآراء المعادية للثورة والديمقراطية الكاذبة لليبراليين البرجوازيين (وعلى رأسهم حزب الكاديت). وينبغي إيلاء اهتمام خاص، خلال الحملة الانتخابية، للحفاظ على استقلالية حزب البروليتاريا عن جميع الأحزاب غير البروليتارية، ولفضح الطبيعة البرجوازية الصغيرة للاشتراكية الزائفة للجماعات الديمقراطية (وعلى رأسها الترودوفيك والنارودنيين والاشتراكيين الثوريين)، وفضح الضرر الذي لحق بقضية الديمقراطية بسبب تذبذبهم بخصوص مسائل النضال الثوري الجماهيري»[5]

هوامش:

1: LCW, Towards Unity, February 13 (26), 1910, vol. 16, 155.

2: LCW, Letter to Maxim Gorky, September 15, 1911, vol. 36, 185.

3: LCW, Letter to G.L. Shklovsky, March 12, 1912, vol. 35, 25.

4: Istoriya KPSS, vol. 2.

5: A.Ye. Badayev, Bolsheviks in the Tsarist Duma, 20.

*: الروبيكون: نهر بإيطاليا، كان جزءا من الحدود بين إيطاليا الرومانية ومقاطعة الغال الجنوبية، وكان محظورا على الرومان عبوره بجنودهم. لكن قيصر عبره برجاله، في 10 يناير عام 49 ق.م، ومن ثم بات تعبير "عبور الروبيكون"، يعني اتخاذ قرار لا يمكن التراجع عنه. المترجم.