اجتماعيات الحرام في المجتمع العراقي

محمد لفته محل
2018 / 2 / 18

تشكل المحظورات الثقافية معرفة جمعية غالبا ما تترسخ بصيغ وقائية موجزة (انتبه خطر) وتوسعت بعض الحضارات أكثر من غيرها بهذا الشكل التربوي الذي يبدو لنا مظهره الرمزي في اغلب الأحيان لاعقلانياً. في الواقع تطرح الأوامر الناهية جانباً العلاقات السببية بين الانتهاكات ومفاعيلها، المرتقبة والمرهوبة في آن، ضمن تحويل المعايير إلى أنظمة داخلية.
تحدد كثرة الأعراض الوقائية المطروحة على بعض أنواع السلوك حقلاً من الدلالات تستوعب انطلاقاً منه تلقائياً أشكال التربية الصالحة والتصرفات الجيدة مثلما تفهمها الثقافة المعنية. في الوقت نفسه هناك قطاعات للسلوك أكثر من غيرها محظورة، بحيث يكون هناك تكثيف لوظائف ودلالات خلف تسميات (المقدس، والمدنس). بشكل عام، لا ترتكز أغلبية المحظورات على سلوك يسبب اختلالاً كبيراً، بل على إشارات شؤم ونحس.(بونت، ايزار،2006: 820_821). وفي الإناسة المعاصرة قدمت (ماري دوجلاس) (1966) أهم دراسة عن الحرام لتفسير صور التحريم الطقوسي كثمرة لنظم التصنيف، التي تخلق بدورها استجابات اجتماعية ونفسية وعقلية هي رفض للظواهر التي تتعدى أو تهدد نظامها التصنيفي. غير أن الدراسة الحديثة رفضت المحرم كمفرد أو تقديم تفسير شامل له، وحاولت بدلاً من ذلك أن كل شكل من أشكال التحريم يرتبط بالسياق الرمزي والاجتماعي الثقافي الذي يوجد فيه. (سميث، 2009: 178)
ويشير المحرم إلى الموانع التي يفرضها المجتمع على السلوك المحرم الذي قد يرتكبه الفرد الذي يعرض العلاقات الاجتماعية إلى التفكك والضعف والمشاكل والأمراض التي تهدد كيان المجتمع بالسقوط والفناء. والمحرمات ترمز إلى العلاقات الخارجة عن الأعراف والتقاليد الاجتماعية التي تقرها الجماعة. والامتناع عن السلوك المحرم هو من العوامل الأساسية التي تساعد على قبول الفرد في الجماعة. أما قيام الفرد بارتكاب الأعمال المحرمة فيعرضه للعقاب الصارم من قبل جماعته، كالطرد أو الحبس أو النفي أو القتل. والغاية ردع الأفراد الآخرين من القيام بنفس العمل الشاذ. (ميشيل، 1980: 355_356)
وقد استفاض فيه عالم النفس (سيغموند فرويد) ببراعة حيث يعرف الحرام (وبالمعنى الحرفي للكلمة، صفة كل ما هو مقدس لطبيعة الأشياء العادية وكل ما هو خطر، مدنس، غامض.) (فرويد،1983 :36) (فالحرام تحظير سحيق القدم، مفروض من الخارج (من قبل سلطة ما) وموجه ضد أقوى رغبات الإنسان. والميل إلى انتهاكه يظل قائما في لاشعوره؛ والأشخاص الذين ينصاعون للحرام يقفون موقفاً ازدواجياً حيال ما هو حرام. والقوة السحرية، المعزوة إلى الحرام، لا تجاوز كونها المقدرة المتاحة له على إيقاع الإنسان في الإغراء؛ وهي تسلك مسلك العدوى)(فرويد، 1983: 51)(ومن المحتمل ايضاً أن تكون (التحظيرات) غدت جزءاً "عضوياً" من الحياة النفسية للأجيال اللاحقة)(فرويد: 47) (ونعلم أيضا أن من أنتهك حراما بعينه بلمسه موضوعا حرميا يغدوا هو نفسه حرميا، فلا يعود يجوز لأحد أن يدخل معه في أتصال)(فرويد: 43) (إنه إذن معد فعليا)(ولهذا فإن تحاشيه واجب)(فرويد: 48) (ونفهم، ناهيك عن ذلك، جيد الفهم لماذا يمثل خرق بعض التحظيرات الحرمية خطراً اجتماعياً وجريمة ينبغي أن تعاقب أو أن يكفر عنها من قبل جميع أعضاء المجتمع، إذا كانوا يريدون ألا تقع على كواهلهم عواقبها الوخيمة.)(وكنه هذا الخطر احتمال الاقتداء والتقليد، مما يترتب عليه انحلال المجتمع. فاذا تُرك الانتهاك بلا عقاب فلن يتوانى الآخرون أن يدركوا أنه يطيب لهم أن يفعلوا بدورهم ما فعله الشقي الآثم.)(فرويد: 49) إن أي نظام تصنيفي مفترض يجب أن يفسح المجال لظهور الشواذ.(دوغلاس، 1995: 71) عندما يتم تصنيف شيء ما بشكل ثابت على أنه شاذ، يتضح الإطار العام للمجموعة التي لاينتمي اليها هذا الشيء.(دوغلاس: 69)
وعندما يكون مفهوم الانتهاك مزوداً بشكل كافٍ بالروادع العملية من خلال نظام اجتماعي، فإن النجاسة من غير المحتمل أن تظهر للعيان. ولكن عندما يمر الانتهاك دون عقاب، يتم الاستنجاد بمعتقدات النجاسة لاستكمال النقص في الروادع الأخرى.(دوغلاس: 230) لتعطي وسيلة لدعم النظام الأخلاقي.(دوغلاس: 231) ان قواعد النجاسة تمتلك وظيفة اجتماعية وهي اعطاء قوة دفع الاستهجان الاخلاقي كلما اصابه الفتور.(دوغلاس: 229) إن أخطار النجاسة تضرب ضربتها عندما يتعرض العرف للهجوم.(دوغلاس: 181)
بعض المحرمات اذا خرقت تجر البلاء الجماعي على افرادها، وارتباط الكوارث الطبيعية بخرق المحرمات اعتقاد بدائي معروف، حيث يؤدي انتهاك المحرم الى جفاف المياه، وموت النبات والثمار والمحاصيل والحيوان، وحدوث امراض جماعية عند هذه المجتمعات، لأن الطبيعة هنا جزء من المجتمع، تمارس الضبط الاجتماعي على الفرد والجماعة، تثيب اذا التزموا بمحلالاتها او تعاقب اذا انتهكوا محرماتها، وتغضب على الاعداء لنصرة "جماعتها". وهو ما يسميه (دوركهايم) المركزية الاجتماعية.(باحثين،2016: 146) فالكون البدائي اللامتمايز شخصياً مأمول منه أن يتصرف كما لو كان عاقلاً مستجيباً للإشارات والرموز والهبات وكما لو كان بمقدوره أن يميز العلاقات الاجتماعية.(دوغلاس:150) بهذا المفهوم يكون الكون قادراً بشكل ظاهري على بناء الأحكام على القيمة الأخلاقية للعلاقات البشرية والتصرف وفقاً لها. إن الكون يستجيب للكلام والإيماء، فهو يميز النظام الاجتماعي ويتدخل لمساندته.(دوغلاس:153) والكون برمته يتم تسخيره لخدمة محاولات البشر لإجبار بعضهم بعضاً على المواطنية الصالحة. بالتالي نجد أن قيماً أخلاقية معينة تلقى التأييد، وأن أنظمة اجتماعية معينة تتحدد معالمها بالاعتقاد بوجود العدوى الخطرة. ان كل حضارة بدائية تشكل لذاتها كوناً. فهذا النوع من المرض ناجم عن الزنا، وذاك ناجم عن سفاح القربى، وهذه الكارثة نتيجة للخيانة السياسية، وتلك نتيجة لعقوق الأبناء. فلابد من تصنيف كل ما يمكن أن يحدث لإنسان سواء كارثة او مصيبة تبعا للمبادئ الفاعلة المتضمنة في الكون الخاص بحضارته.(دوغلاس:12_14) وهي بالنهاية وسيلة ضبط اجتماعي لمراقبة الفرد على ان يكون صالحا متضامنا مع المجتمع ولا ينتهك معاييرها وإلا غضبت عليه الأرض، وهذه الظاهرة تقوى في المجتمعات ذات التضامن الآلي الذي يدخل في تصنيفه المجتمع العراقي.
أما الحرام اجتماعيا فهو نتيجة تأطير الجماعة لأفعالنا العامة والخاصة بمعتقدات تمنحها معنى وغاية، وخلق الوحدة النفسية للمجتمع بتماثل افعالنا وتنظيمها بشكل يكفل وحدة المجتمع منظماً متماسكاً باستمرار. والحرام من بين المعتقدات التي تصنف بعض الأشياء والسلوكيات والتصورات على أنها ممنوعة محظورة الاقتراب والفعل، ولعنة الحرام أداة ضبط اجتماعي تبقي الإنسان ملتزماً بنواهي الجماعة حتى في خلوته أو في غياب الرقابة الخارجية، فتقتص منه ذاتياً، وهذه الأداة تفعل فعالها لأنها غرست بالأنا الأعلى منذ الطفولة فأصبحت رقابة داخلية تراقب وتجازي الأنا بعذاب الضمير أو راحته إذا التزم بنواهي الحرام. وقدرة العدوى في الحرام الغاية منه عزل الفرد عن الجماعة ومقاطعته بالكلام أو الطعام أو المصافحة، وعزل المحرّم من الانتهاك، ولا يسمح له بالعودة للجماعة إلا بعد طقس التطهير، لان الجماعة طاهرة وترفض الفرد النجس. بالضبط مثلما يعزل المصاب بمرض معدي عن الآخرين تجنبا لانتشار المرض. وهو ما يسميه كوفمان (الوصمة).
وفي المجتمع العراقي المعاصر تُصّنف أفعالنا إجمالا ما بين كون بعضها حلال وبعضها حرام، ونُعّلم الطفل منذ نشأته ما هي المحلالات والمحرمات، والحرام فعل مرفوض أو ممنوع اجتماعيا لاعتقادات خاصة بالجماعة، لأنه أداة نهي اجتماعي ديني وأخلاقي تعني الممنوع والمحظور، والأشياء المقدسة والمدنسة التي يجب عدم المساس بها والاتصال معها، فبيت الله "الحرام" والشهر "الحرام" تعني المقدس، والخمر والزنى والكذب "حرام" تعني المدنس، وحين تطلق كلمة حرام أو حرمة على الأرض والمرأة والبيت والمسجد فإن ذلك يعني حظر المساس بها إلا بعد طقوس تأهيل. فاعتقد بعض علماء الإناسة إن المقدس والمدنس من أصل واحد، والحرام عند الأقوام البدائية له قوة سحرية ذاتية على اللعنة والبلاء لمنتهكيه، ولازال هذا الاعتقاد بقوة انتقال الحرام في مجتمعنا العراقي حيث أن الذي (يأكل الحرام) (تطلع بعائلته أو بصحته) أي تصيبهم اللعنة (مرض، موت، بلاء، انتهاك شرف الخ)، وحين نلمس الحرام نصبح نجسين، أو حين نلفظ اسمه يجب أن نتعوذ منه (العياذ بالله، اجلكم الله، مكرم السامع، حاشا من اكول بوجه، محشوم، تخسا عنك)، ومحرم رؤيته (الافلام الجنسية، النساء السافرات مثلا)، لان (الحرام) له قدرة على الانتقال باللمس والكلام والأكل والشرب والنظر مثل العدوى. وانتهاك الحرام يشمل الفرد وعائلته وحياته بصورة عامة، يتنحس عمله (ﻴﻨﻔﮕر) ومعيشته ونجاحه وقد يُدّنس عرضه (تطلع بعرضه). والمنتهك للحرام تسقط عنه الكرامة ويباح للآخرين التعدي عليه في حالة لم يكفر عن ذنبه او يتطهر. ولهذا نرى انتهاك حقوق الانسان من اي فرد أمني على فرد متهم او مشتبه لأنه مباح للجميع.
وللحرام علاقة عضوية بال(عيب) في المجتمع العراقي المعاصر لان كلاهما مصدرهما المجتمع، والعيب اداة نهي اجتماعي للمحرمات العرفية، رديفة للحرام سوى انها خالية من اللعنة الذاتية للحرام حيث تتولى الجماعة معاقبة الذي ينتهك العيب باللوم والشتم والوصمة فيوصف(ما يستحي، مو أبن أصول، ما مربى، ما مربوط بديوان). لكن للعيب علاقة صميمية بالحرام إذ غالباً ما ترادف كلمة (عيب) كلمة (احترام أو احترم) (عيب احترم) والاحترام مشتق من (حرام) كما نبهني لذلك (يوسف شلحت) والعيب ليس أداة نهي فقط بل هو معيار وتقويم للسلوك الصحيح فالأفعال المعيبة يجب أن لا نقترفها ومنها نعرف الأفعال الصحيحة.
والحرام درجات فمنها ما لايغتفر الا بالقتل مثل زنا المحارم والقتل الظالم، واللواط وغيرها ومنها يمكن التكفير عنه والتطهر بالتوبة او المغفرة والعمل الصالح والعبادة لمحو ذنبه والمغفرة له. وهناك طريقة لمحوا الحرام بغير طريقة التطهير وهي التكفير عنه بالحرام المماثل المعروفة (العين بالعين) كما في حالة الثأر، او (مال الحرام للحرام) وهي الآلية التي يستخدمها الفاسدون بالعراق قائلين ان المال المسروق (مابي بركة) او (صرفته عالكحاب) او (عازلهن عن فلوس البيت ومخليهن بس للجكاير اللي تمرضني.الخ) او ان جرائم (صدام حسين) تمحى لان النظام الذي جاء بعده ارتكب جرائم اكثر.
مع ذلك ان الجماعة تبيح ارتكاب الحرام في المزاح والضحك والغضب والجنون والسلوك الجمعي والطقوس والاعياد والاعراس التي يتساهل فيها بشرب الخمر والرقص والشتم والاختلاط بالنساء ومغازلتهن. وهذا الفعل هو اشبه بتنفيس للرغبات المحظورة التي يتحكم بها المجتمع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
_(تحت إشراف) بيَاربونت، ميشاَل إيزار، مُعْجَم الأثنوُلوجيا وَالأنْتربُولوُجيَا، ترجَمة وَإشراف مصبَاح الصَّمَد، الطبعة الأولى 2006م، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.
_شارلوت سيمور_سميث، مَوسوعة علم الإنسان، المفاهيم والمصطلحات الأنثربولوجية، ترجمة مجموعة من أساتذة علم الاجتماع بإشراف محمد الجوهري، المركز القومي للترجمة، الطبعة الثانية2009.
_(تحرير البروفيسور) دينكن ميشيل، معجم علم الاجتماع، ترجمة الدكتور إحسان محمد الحسن، دار الرشيد للنشر 1980.
_سيغموند فرويد، الطوطم والحرام، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت، 1983.
_ماري دوغلاس، الطُّهرُ والخَطر، ترجمة: عدنان حسن، دار المدى، دراسات، الطبعة الأولى1995.
_مجموعة باحثين، تراث الأنثروبولوجيا الفرنسية، في تقدير الممارسة الفكرية لمارسيل موس، تنسيق وتقديم: يونس الوكيلي، سلسلة ملفات بحثية، الفلسفة والعلوم الإنسانية،2016 1فبراير، مؤمنون بلا حدود للدراسات والابحاث. على الرابط:
www.mominoun.com/.تراث-الأنثروبولوجيا-الفرنسية-في-تقدير-ا