ثورة العشرين بمواجهة الثورتين الفرنسية والروسية ( 2/2)

عبدالامير الركابي
2018 / 2 / 16

ثورة العشرين بمواجهة الثورتين الفرنسية والروسية ( 2/2)
عبدالاميرالركابي
تنتمي ثورة 1920 العراقية الى نمط تعبيرات غيرمعرفة، غلب عليها وعلى ماتنتمي اليه وتوميء باتجاهه، الطغيان الغربي المفهومي والنموذجي الحديث، وبماانها أصلا واقعة من نوع مالا يمكن افتكاره في حينه، ولكونها تنتسب موضوعيا لعالم "مابعد غرب"، فلقد مورست بحقها اعنف اشكال الامحاء والغمط، بالاخص على المستوى المفهومي والدلالي، باعتبارها حدثا تاريخيا ينتمي لعالم "اللادولة".
ويلعب الواقع ومتغيراته عراقيا، دورا في مثل هذا الامحاء من جهة لتعذر وعي الذات الوطنية وقتها، ومن ناحية لان الفترة كانت تتيح ظهور وطنيات تلاميذ الغرب غير النجباء، كبديل عما هو متطابق مع ظاهرة كبرى، استغلت وجرى استعمالها لاغراض تضادها، فقامت النخبة المتعلمة والافندية، بالاخص الجناح العملي الحزبي منها، ببناء منظور واساس ناظم لسردية، اعتبرت حديثة ووطنية، تنتمي لفرضية وطنية أحادية، مناقضة لتكوين العراق الحضاري التاريخي، باعتباره مجتمعا "ازدواجيا"، ولترسانة الغرب الحديث، وفرضية ايقاعه وتعاقباته المرحلية المفترضة.
ليس لثورة العشرين قادة وان كان لها زعماء، ولم يحركها لنين، او الفلاسفة الفرنسيين، وتياراتهم، كما حدث في الثورتين الانفتين، كان الفعل العام هنا، من دون رؤوس، وبلا مشاريع سلطات تتلطى خلف ادعاءات التغيير والثورة، كما هي العادة، والمفاهيم الممارسة هي المستبطنة من عشرات القرون، من اليات نمط مجتمعي لاتمايزي، وحيث يقول الشعر " الطوب احسن لو مكواري"و "جن ماهزيتي ولوليتي"، والرد عليها من قبل الام : "هزيت ولوليت لهذا"، او حين تقول ام عن ابنها الشهيد "حي ميت تقتل ياجنيدي"، فان جمعا موحدا من البشر، وطاقة فعل اقصى، ومستوى من الاستنفار والتنظيم الدقيق الاستثنائي، العغوي من جهة، هو مايلوح امام التجربة الإنسانية متفردا، على الأخص وانها تواصل قتل معتبرات ومقاييس مجتمعات السلطوية الأحادية، فتنتهي من دون قاعدة "دولة"، لتبقى كما هي تاريخيا "لادولة"، و يبقى الفعل الأقصى بكل دلالاته التي لاتمحى، من دون تجسيد، منتظرا اليوم الذي يصير فيه هو النموذج.
فلا وعود مع مجتمع اللادولة، ولاشعارات بلا افق، فهل حققت الثورة الفرنسية مااعلنته واوحت به، بعد كل ذلك الموت، هل زال الظلم والجشع والاستعمار، والنزوع للحرب، لعقود، الى عودة الإمبراطورية، وتتويج الامبريالية، داخل الحلم الكبير، وهل حالت نظريات لنين دون كابوس ستالين، لقد تكرر وهج ثورة العشرين ثانية، عام 1958 خلال انفجار ثورة تموز الكبرى ، ليصل مجتمع اللادولة منتهاه الصراعي مع الاطار الأعلى للدولة التمايزية القاهرة، وللوطنية المتشبهة بالغرب. ومن يومها والعراق سائر، مابين الفناء، او التحقق عبر وعي الذات، بالاخص منذ دخول الريع تضاعيف عملية الاصطراع المزدوج الداخلي، بين المجتمعين العراقيين الموحدين، والموجه للانموذج الامبريالي الغربي، وصولا الى التحوّل الحالي الفريد، من كيان مابين النهرين، الى عراق مابعد النهرين ( خيضت على العراق في الفترة من 1968 الى اليوم عشرة حروب متصلة سنحرص على تعدادها ورصدتداعياتها واحتمالاتها خلال تناول مقبل/ سيكون تحت عنوان "بلاد الحروب العشرة").
مقارنه بظروف مابعد 1920 ،تتجمع اليوم اشتراطات داخلية ودولية/ إقليمية استثنائية وانقلابية. حيث ازمة الغرب بلا افق ولانهاية، والبشرية بالاجمال تنتقل من الإنتاج الالي الى الإنتاج العقلي المعرفي، والى التكنولوجيا، حيث تفاقم التناقض بين بنية المجتمعات الأحادية، ووسيلة الإنتاج المستجدة، في حين لم تتوقف عملية التدمير المنظم، لبنية ووجود العراق، من الخمسينات، وعلى اثر ثورة تموز التي كررت ثورة العشرين وكانت امتدادها بعكس مايتخيل وطنيو التشبه بالغرب، بينما الوعي بالذات عراقيا وكونيا، مايزال غير متحقق، والأفكار السائدة، سواء التقليدية المنتسبة لاسلام الدورة الثانية المنتهية، بعد نهاية حقبة النبوية الابراهيمية وختامها، او تلك التي تنتمي للوطنية المتشبهة بالغرب، في حالى تاكل مستمر، وخروج مطرد من الحياة. ولاقيم شاملة تعبر اليوم عن الحد الأدنى من الوطنية كمشروع حياتي تاريخي.
ومع اقتراب ثورة العشرين من عمرها القرني، تعود للحضور كدروس لاقيادية لاتغلبية سلطوية، وباعتبارها فعلا متجاوزا لخيار الغرب، ودالة على ماورائة ويتجاوزه، في وقت تغدو فيه، هي وثورة تموز، رديفتها، مجالا لاعادة تقييم ونظر، ضمن مشروع وطنية الكيان المزدوج واللادولة، بالاخص من ناحية تطابقها وتلاؤمها كبنية مع صيغة وشكل الإنتاج الصاعد، المتزايد حضورا وفعلا، بما يمكن ان يفضي لعودة الفعالية الحضارية الكونية الى الشرق المتوسطي، والى العراق باعتباره البؤرة الحضارية الكونية الفعالة في محيطه.
لم يعد الغرب امامنا، ولكن المستقبل مايزال بعيدا وغامضا، ومايتضمنه يمكن ان يكون خارقا، الا ان قوة العقل الوثابة، لم تبلغ الى اليوم بالاخص في العراق، قوة الحضور التي عرفها هذا الموضع الكوني، سواء في دورة حضارته التاسيسية الأولى، السومرية البابلية، او الثانية العباسية القرمطية، ولاينبغي ونحن نعين مكانة مثل هذا المنجز، كما نعين طبيعته المختلفة، ان لانتوقع انقلابا في المفاهيم الإنسانية، من نوع تلك التي أسست لاعقال العالم في حالته المستجدة عند بدايات الحضارة، قبل قربة سبعة الاف عام في ارض الرافدين.
ان بلاد، او عراق مابعد النهرين، هو موضع بدء جديد، من شانه ان يطوي كل تراكمات الخبرة الإنسانية، كما عرفت من قبل البشر في القرون المنصرمة، بالاخص من مدخل ومنطلق "اللامجتمعية، واللاثباتية، مع احتمالات التحولية التي قد تأخذ المخلوق البشري الحالي، نحو خيارات تفوق طاقة العقل على التصور، ومن ذلك على سبيل موضوعة او احتمال ارتباط حلول عامل التكنولوجيا والإنتاج المعرفي، في قلب الحياة والممارسة الإنتاجية الحضارية، واكتشاف "النشوئية العقلية"، وبدء عملية انفصال العقل عن الجسد، وهو ماتشير التقديرات المواكبة، الى حلول اونه مع الاربعينات من القرن الحالي، حيث تبدا وقتها حقبة انقلابية، لاعلاقة لها بماضي البشرية، كما عرفته خلال طوري الإنتاج اليدوي والالي.
تبقى المسالة المحورية الأهم، تنصب على حقيقة، او حتمية التطابق بين ينة مجتمع اللادولة المدخر تاريخيا، وبين الانقلاب في وسائل الإنتاج، والاغلب اننا سنكون معنيين بان نقدم من باب المخرج للمازق البشري الحالي، اقتراح طمجتمع اللادولة" والمجتمع المزدوج المدخر في جنوب ارض الرافدين خصوصا، على اعتباره المجتمع النموذجي المستقبلي القادر على استيعاب القفزة التقنية الكبرى، مع كل ماترتب على مثل هذا المقترح، من حيثيات شاملة قيمية وتاريخية، تستدعي إعادة نظر انقلابية، بكل مايتصل بمنتج مجتمعات الأحادية العقلي، بما في ذلك اعلاها واهمها، وأكثرها دينامية "المجتمع الطبقي" الأوربي.
في الغالب، سيكون عام الاحتفال بمئوية ثورة العشرين، بداية ثورة كبرى بحد ذاته، عندها تعاد محاكمة الثورات " الحديثة"، وتوضع في مكانها الذي تستحقه في المتحف الإنساني، هي وعموم مشروع وتجربة الراسمالية العالمية، مع اجمالي لابل عموم تاريخ الانسان المعاش، الى اليوم، وسيكون هنالك وقتها نسخة جديدة من " قصة الخليقة"، و "عندما في الاعالي"، كما سيبعث : " كلكامش" وقد وجد نفسه مختلفا، لاتسرق منه عشبة الخلود، ولايسمع صوت امراة الحانه وهي تقول له بملء صوتها :" كلكامش ان ماتبحث عنه لن تجده ابدا"، ثمة بدء اخر، وسيرورة أخرى، قد لايكون مسرحها الأرض.
وخيرا، فنمطان من الثورات، ورؤيتان كونيتان، احداهما كانت متراجعة، لمصلحة أخرى غالبة، طرفية وجانبية احادية، تعتاش من قصور وانتكاسة العقل في منطقة الرؤية الكونية الأولى، وميل العقل القاصر فيه البديهي، لتبني المنظور الجاهز، المتغلب مؤقتا، ووراء هذين المتوازيين التاريخيين، مالايحصى من الوقائع، والمواقف، والاحداث المقروءة، بعين الرؤية المؤقته المنتصرة، تحتاج الى اظهار، وبعث من تحت تراب الاختلالات التاريخية المواكبة للتعاقبات الحضارية الكبرى المعتادة، بين شرق المتوسط وغربه.