حوار مع الإخصائية النفسية Psychologue الدكتورة وصال لمغاري حول واقع الطب النفسي بالمغرب

عزيز باكوش
2018 / 2 / 16

حوار مع الإخصائية النفسية Psychologue الدكتورة وصال لمغاري حول واقع الطب النفسي بالمغرب
أعد الحوار وقدم له : عزيز باكوش

تعزز حقل الطب النفسي بالعاصمة العلمية مؤخرا بافتتاح عيادة جديدة بمواصفات علمية وأكاديمية ومؤهلات علمية دقيقة يتعلق الأمر بالدكتورة وصال لمغاري من مواليد 19/10/1983 بفاس حاصلة على إجازة في علم النفس من جامعة سيدي محمد بن عبد الله سنة 2007 ، ثم ماستر في علم الاقتصاد سنة 2010 من كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية والاجتماعية والقانونية ، شعبة تدبير الموارد البشرية وتنافسية المقاولات وأخيرا نالت شهادة دكتوراه في علم النفس جامعة سيدي محمد ابن عبد الله كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بميزة مشرف جدا في موضوع التواصل الداخلي والتحفيز وأثرهما على الآداء ” جريدة فاس اليوم حاورت الدكتورة وصال لمغاري على هامش ندوة موضوعاتية حول واقع الطب النفسي ( العلاج النفسي ) بفاس فكانت الورقة التالية

أعد الحوار وقدم له: عزيز باكوش


رغم الأرقام و الإحصائيات المخيفة التي رصدت نسبة انتشار الأمراض النفسية بفاس، إلا أن هذا القطاع مازال يعاني من مجموعة من العراقيل التي تساهم في عدم تشخيص وعلاج العديد من الإضطرابات النفسية .كيف تقيمين الوضع دكتورة وصال ؟


غالبا ما نربط في مجتمعنا الأمراض النفسية بالجنون، إذن يعتقد أغلب الناس بأن كل من يتردد على عيادة للعلاج النفسي مجنون أو أحمق. وكأن الاضطرابات النفسية تختزل فقط في الفصام (la schizophrénie) أو الأمراض الذهانية الأخرى. هذه الفكرة الخاطئة خلفت وصمة منعت علم النفس من التقرب من الأفراد إلا فئة قليلة من المجتمع . فمثلا إذا قمنا بمقارنة بين المرض العضوي و المرض النفسي، نجد أن الأهل في الحالة الأولى يستدعون أو يزورون الطبيب بشكل فوري و من دون تردد، ثم يقومون بتنفيذ تعليماته بدقة، يقبلون تشخيصه، يعطونه ثقة كبيرة، و أيضا و هو أمر مهم، تسود مشاعر التعاطف و التضامن و الحرص على متابعة علاجه حتى الشفاء التام.
في حالة المرض النفسي، غالبا ما يتردد الأهل كثيرا قبل استشارة الأخصائي النفسي، حيث يحيطون التشخيص بالتشكيل وربما بالاستهزاء، كما غالبا ما تكون هناك إرادة مبرزة أو خفية لإنهاء بأقصى سرعة ممكنة، كما أن المشاعر تجاه المريض غالبا ما تكون هجومية غير تضامنية ، حيث يتم التفسير باللجوء إلى الاعتقادات الخرافية، كالمس بالجن،أو الإصابة بالسحر،لأن الاعتراف بالمرض النفسي يعادل الاعتراف بالنقص والقصور.لذلك فنتيجة لهذه الأفكار والمعتقدات السائدة، فإن الناس يتأخرون عن مراجعة عيادة العلاج النفسي حتى يستفحل المرض و تصبح عملية العلاج أطول.
2-هل هناك حاجة ماسة اليوم لتعزيز هذا النقص في الأخصائيين النفسيين ؟

مدينة فاس، بشكل خاص ، نظرا لما تعرفه من طفرات على مستوى الأمن و مستوى جودة العيش ، بحاجة ماسة إلى تزايد الأخصائيين النفسيين ، و أريد هنا أن أوضح الخلط الذي يقع فيه العديد من الأفراد ، ألا وهو الخلط بين مفهوم الطب النفسي و مفهوم العلاج النفسي ، هناك أوجه تشابه عديدة ، فالطبيب النفسي و المعالج النفسي مدربان على مساعدة الناس الذين يعانون من مشاكل في صحتهم النفسية ، ولكن هناك فروقات مهمة بينهما.
فالطبيب النفسي شخص تلقى تدريبا خاصا في الطب النفسي لإضطرابات الإدمان، وهو مخول بتقييم الحالة النفسية و الجسدية للمشكلة النفسية ـ و لأنه طبيب ، فهو قادر على عمل مجموعة كاملة من الفحوصات المخبرية و العقلية لتقييم الحالات ، كما أنه يتمكن من فهم العلاقات المعقدة بين الأمراض الجسدية و النفسية ، بين التاريخ المرضي للعائلة والدور المحتمل للجينات، و يعتمد في طريقة علاجه على الأدوية و العقاقير.في الجانب الٱخر، المعالج النفسي يمتلك غالبا أو يجب أن يمتلك شهادة متقدمة في علم النفس “دكتوراه أكاديمية” وغالبا ما تكون في علم النفس الإكلينيكي. فالمعالج النفسي يعالج بجلسات العلاج ، ولا يعتمد في مقاربته للإضطرابات النفسية على العقاقير و الأدوية .من بين مجالات تدخل المعالج النفسي، المساعدة على تجاوز الظروف الصعبة، الذكريات الصعبة و التجارب السيئة .و بما أن مدينة فاس، تعاني اليوم ، من استفحال ظواهر جديدة على المجتمع الفاسي؛ السرقة بالعنف، الإغتصاب والتحرش الجنسي الذي بات مستفحلا في الشارع، المؤسسات التعليمية و الخدماتية، و أيضا في بعض الأحيان من طرف المقربون داخل المنازل، فإن الحاجة إلى تعزيز الحاجة إلى الدعم النفسي و العلاج النفسي باتت ضرورية و مؤكدة .
4 رغم التقدم التكنولوجي، وارتفاع مستوى الوعي، ما تزال فكرة زيارة الأخصائي النفسي تتأرجح في مجتمعاتنا المحافظة ؟

في البداية، أريد أن أشير إلى مصطلح مهم لازال يهيمن على المجتمع المغربي، وهو”مجتمع العار” أو”مجتمع العيب” وهو مصطلح يستعمل في مجال الدراسات الإنسانية، و الذي يدل على مجتمع “يسيطر” على أطفاله عن طريق تلقين قيم “العيب” و بالتالي نبد كل من يخالف قيمه . تعتمد معظم الدول العربية بما في ذلك المغرب، على فكرة “العيب” كمقياس لتحديد ما هو مقبول اجتماعيا، وما يعتبر مرفوضا .
في المجتمع المغربي، هناك صراع بين نمط مختلف متجذر في الماضي و بين تجليات نمط حضاري”الحداثة” هذا الصراع المستمر يحول دون تحديد طبيعة و خصوصية هذا المجتمع [ هل هو مجتمع تقليدي أو مجتمع حديث ]. إن ما يفسر هذا الغموض هو مجموعة من المظاهر التي تطبع ذهنيات، خطابات، سلوكات و ممارسات المغاربة. ما نلاحظه ونعيشه داخل مجتمعنا من أرقى أنواع الحداثة المادية ” كالأجهزة المعلوماتية” و تطور المعدات التكنولوجية ، في حين أن الحداثة العقلية تكون شبه منعدمة على مستوى المعيش اليومي، وتدبير الشأن العمومي و التصورات الخاصة بالوجود و الإنسان.
فالإنسان المغربي ترعرع في ظل التقليد بكل ما يتضمنه هذا المفهوم من معاني إيجابية و سلبية..و يتشبع في نفس الوقت بمظاهر التحديث في المجتمع بدءا بالمدارس العصرية، وتطور الوسائل السمعية البصرية، و تقدم الثورة التكنولوجية، مما يؤدي حتما إلى تبني المبادئ العصرية فكريا و عدم تطبيقها ممارساتيا و سلوكيا فنحن إذا وكما جاء على لسان السيد “عز الدين الخطابي” أمام نموذج عصري يحاول إنتاج سلوكات و مواقف تحديثية، عن طريق المدرسة و الوسائل التكنولوجية، و نموذج تقليدي يقاوم التجديد بالإستناد إلى المعايير و القيم الإجتماعية التي تحاول الأسرة ثم المجتمع الحفاظ عليها.
بالنسبة لعلم النفس، صاحبه ولا زال يصاحبه تمثل اجتماعي مشوه، مفاده أن من يلجأ للتدخل النفسي هو”أحمق” ،”مجنون”، “ممسوس بالجن. “. هذه التمثلات حول علم النفس تعتبر سلبية للغاية، إذ يعتبر الشخص الدارس لهذا العلم مطلعا على دواخل النفس البشرية ” مثل الساحر أو المنجم” حيث أن النفس البشرية شيء غامض لا يمكن الوصول إليه إلا بأساليب تشبه السحر و التنجيم و غيرهما، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تضل الإضطرابات النفسية في المخيلة الشعبية مرتبطة بالجن و المس و غيرها مما ينتج عن هذا التصور المعروف “من يلجأ إلى خدمات عالم النفس قد أصبح من فئة “الحمقى””
و هذا التمثل المسيء لعلم النفس نابع من نمط التفكير السائد عن الإنسان العربي عامة، و المغربي خصوصا، نظرا لذاته و لعلاقته بالطبيعة و المجتمع التي يضفي عليها الطابع الأسطوري السحري و الغيبي. كما أن هناك سوء فهم لشخصية ووظيفة الأخصائي النفسي، حيث أن نظرة الإنسان المغربي للأخصائي تظل نظرة في أغلب الحالات ـ غير جدية.
يمكن أن نقول بأن انتشار الأمية و انحصار علم النفس في الجامعات، قد فتح مجالا خصبا لإنتشار هذه التصورات. لكن الملاحظ الآن أن جزء كبيرا من الطبقة المتعلمة و حتى غير المتعلمة التي يوجد فرد من العائلة فيها متعلما ، أصبحت تقتنع بشكل أكبر بجدوى الاستشارة النفسيةـ فأمام تعقد المجتمع و تعقد مكوناته و علاقاته، أصبحت هذه الاستشارة تفرض نفسها أكثر فأكثر، فعلم النفس لا يرتبط أساسا بالعلاج لوحده، بل إنه منفتح على التربية و الاستشارة و الإنصات و الدعم و الإرشاد.
5 دور الإعلام و المدارس في ترسيخ تربية و ثقافة توضع الحاجة لعلم النفس

كما هو معروف يعتبر الإعلام أهم وسيلة من وسائل التأثير الجماهيري، فهو عملية نقل الخبر من طرف إلى طرف ٱخر..
مفهوم الإعلام يتصل بالوسائل أو المؤسسات أو التقنيات المستخدمة في تداول الأخبار و المعلومات و نشرها، فهو يمارس دورا مؤثرا في توجيه المجتمعات و الشعوب، ومع الثورة التكنولوجية التي شهدها العالم، تطورت وسائل الإعلام تطورا هائلا، فلم يعد الأمر مقتصرا على التلفزيون و الراديو والصحافة في معرفة الأخبار ونشرها، بل أصبح هناك إعلام إلكتروني بظهور أجهزة الكمبيوتر و الهواتف الذكية.
هنا سنتساءل عن طبيعة العلاقة التي تربط الإعلام بالمجتمع، أغلبية علماء الاجتماع يعرفون مجتمعات اليوم على أنها مجتمعات إعلامية، فهناك علاقة تفاعلية بين المجتمع و الإعلام، فهو يؤثر و يتأثر في الوقت ذاته في المجتمع بصورة متباينة تختلف من مجتمع لأخرـ عادة ما نعتبر الإعلام على أنه مصدر للخبر ولتقديم الترفيه والتسلية، لكن وسائل الإعلام تحمل في طياتها رسائل للإقناع بل و أكثر من ذلك فهي تعد بمثابة الأداة التي تربط الأفراد في المجتمعات . وسائل الإعلام أصبحت وسيلة هامة للإقناع في العصر الحديث، يستخدمها السياسيون و الاقتصاديون و الباحثون، لإقناع المشاهد أو المستمع أو القارئ، فقد ثبت أن” الإعلام” يؤثر على طريقة تفكير الإنسان و على أفعاله و تصرفاته، ومن هذه الصفة للإعلام تنتج ٱثار سلبية تمارسها وسائله على المجتمع و أفراده، فهو وسيلة أيضا لترويج الإشاعات و المعلومات التافهة، أو أكثر من هذا، القيام بزرع تمثلات زائفة كما هو الحال بالنسبة للصورة التي يعطيها الإعلام لعالم النفس .
ومهما كانت الصورة التي يكونها الأفراد عن علماء النفس و علم النفس، فهي تتأثر بدرجة كبيرة بما نشاهده و نقرأه عنهم في الإعلام. فالإعلام يعد مسؤولا إلى حد كبير عن تفعيل المجتمع و تزييف ـ وعي ـ المشاهدين في كثير من المجتمعات ، و ساهم في تقليل القضايا المعقدة أو السخرية من الأكاديميين على أنهم مهرجين و تافهين .
فمعظم المسلسلات أو الأفلام العربية عموما، المغربية خصوصا، غالبا ما تظهر عالم النفس، أو الأخصائي النفسي كشخص غريب المظهر، غريب التصرفات، غريب الكلام، فتبدو الشخصية كشخصية مسرحية وجدت لتسلية الناس في إطار كوميدي ساخر. لا بد أن يتم استبدال هذا “المظهر الهجين” واستحضار الأهمية الكبيرة لهذه المهنة النبيلة في البرامج، الإشهارات، التلفزيون و السينما. بالنسبة للمدارس، و خصوصا مع ما نلاحظه اليوم من تنام للعنف داخل المؤسسات التعليمية الخاصة منها و العمومية، أصبحت الضرورة إلى اللجوء إلى الأخصائيين مظهرا يفرض نفسه رغم تعنت بعض الأطر ذوي الأفكار التقليدية التي تستند على مبدأ المكافأة والعقاب.
حيث تأكدنا اليوم، أن الطبيعة المعقدة لطبيعة الإنسان، سواء كان طفلا، مراهقا، أو بالغا، تستوجب الدراسة و البحث الدقيق و العميق للسلوك الإنساني، أسبابه، تمظهراته و طرق علاج أو تقويم مظاهر الخلل عند التلاميذ أو الطلاب، وهنا نذكر مرة أخرى الدور الوقائي للإخصائي النفسي، حيث أن هذا الأخير يمكنه القيام بأنشطة، ورشات، يتم من خلالها معاينة نفسية التلاميذ أو الطلبة وذلك في إطار استراتيجية وقائية تقوم على التواصل و الاستماع. ومن هذا المنبر آمل أن يحظى علم النفس، وأن نحظى نحن الأخصائيون النفسيون بإمكانية تواجدنا في المدارس الخاصة أو العامة، وذلك من خلال أدوار استشارية، وقائية و علاجية.
معلومات شخصية
adresse 26 Rue Abbas Mssadi V N . 4 me étage n 16
الهاتف: 0661558191 البريد الإلكتروني: elmghariouissall@gmail.com