التحولات الفكرية في الفن الغربي منذ القرن الثامن عشر الى المعاصر

عبدالله احمد التميمي
2018 / 2 / 16

تبحث هذه الدراسة عن أهم التحولات الفكرية في الفن الغربي منذ القرن الثامن عشر الى العصر الحالي ، من منظور توسع مفهوم الفن من كونه طراز مذهبي يعتمد على أسس النظريات الجمالية الكلاسيكية المثالية في المحاكاة والتقليد المطابق للواقع ، الى انه شكل من اشكال النشاط الفكري التعبيري الذي ينبع من العقل ويتولد من الاحاسيس والمشاعر الذاتية للانسان ويقوم على مبدأ التاثر والتأثير، وتغليب ملكة الخيال على الواقع مع الاعتماد على العاطفة الجياشة في التعبير في بعض الاحيان ، كما انه يحمل رسالة يتم ترجمتها الى عمل فني ابتكاري ابداعي وعليه ان هذا النشاط العقلي للفكر هو بمثابة الرافعة الرئيسية للفن الحديث من جو البلبلة الثورية الى جو الفلسفه والمنطق والروح المجتمعيه ، حيث جسدت لوحة الحرية تقود الشعب 1830 الحس القومي في تلك الفترة بصورة رومانتيكية مدهشة ، ولوحة الفنان جويا (ساتورن يأكل أولاده ) ، وقياسا على ذلك يمكن لنا ان نستقرأ فن المئة سنة الماضية فيما صار يسمى لاحقا "ما بعد الحداثة "، هذا الصراع الفني نتج عنه جدلية في مفهوم الشكل والمضمون للعمل الفني ، ولتوضيح هذا الامر لابد لنا من قراءة حادثة صالون باريس
ففي ربيع عام (1863) كان هناك شاب رسام يسمى ادور مانية ، يتردد ويراقب هذا الصالون الذي كانت تعرض فيه اهم اعمال الفنانين المشهورين في تلك الفترة ، على لجنة محكمين من كبارالفنانين الارستقراطين ، وكانت الواقعة عندما رفضت اعمال هذا الشاب الفنية مع مجموعة من من زملائة ، مما دفعهم لتقديم التماسا على شكل استدعاء واسترحام الى القائد نابليون بونابارت ، والذي بدوره رجح ان يكون هناك شيئ من الظلم والاجحاف في قرارات محكمين صالون باريس ، فكانت الفكرة المطروحة لحل هذا الخلاف هو تنظيم معرض خاص بالرسوم والمنحوتات المرفوضة ويطلق عليه فيما بعد صالون المرفوضات ويعلن بذلك عن انطلاق الفن الحديث من هذة الحركة التحررية .

وعلى الرغم من أهمية صالون المرفوضات في تلك الفترة الا انها كانت عبارة عن نقطة تحول وانعطاف في اسلوب الرسم ، حيث كانت لوحة ( غداء على الحشائش 1863 – زيتي 211-270سم) لادور مانية هي بمثابة الزوبعة التي اثارت هذا التمرد الفني وقد تكون اكثر لوحة لاقت اعجاب رغم الانتقاد العارم لها ، بالاضافة الى لوحة مولد فينوس لالكسندر كابيل ايضا (129-111سم) زيت على قماش ، وبهذه الاعمال السابق ذكرها اصبح هناك تحول في مفهوم العمل الفني من المضمون المثالي الى الشكل المجرد الذي يحمل بين ثناياه أحاسيس ومشاعر وفكر مرتبط بالمجتمع في بعض الاحيان ، ومن هذا الطرح الفلسفي توالت المدارس الفنية في اوروبا بعد هذا التاريخ والتي جسدت في اغلبها في ما بعد وحدة الشكل " الصورة" والمضمون الفكري للعمل الفني
نأتي على ذكر هذه المدارس بشكل ملخص تعريفي
1 - المدرسة الرومانسية ظهرت هذه المدرسة الفنية في أواخر القرن الثامن عشر حيث جاءت كردة فعل للكلاسيكية أبان حروب نابليون ، وتقوم هذه المدرسة على تغليب ملكة الخيال على الواقع مع الاعتماد على العاطفة الجياشة في التعبير مع الاهتمام بالمضمون ، ومن أشهر فنانيها الفنان الفرنسي ديلاكروا ولوحته الشهيره "الحرية تقود الشعب 1830" ، والفنان جويا 1746-1828 واشهر لوحاته ساتورن يأكل أولاده 18155
- المدرسة الواقعية جاءت بعد الرومانسية لتجسد الواقع بموضوعية وصدق في ومعالجة مشاكل المجتمع اليومية بأمانة تامة مع الابتعاد عن الخيال وكان السبب في ظهور تلك المدرسة هو تأثر الفنانين بتعاليم الثورة الفرنسية والتحرر، أما اشهر فنانين تلك المدرسة ، الفنان كوربية 1819 -1877 والذي يعتبر زعيم المدرسة الواقعية ومن اشهر أعماله لوحة قطاع الحجر .
-المدرسة الانطباعية :(Impressionism) أو التأثيرية 1830- 1841 وهي أسلوب فني في الرسم وتعني الخروج من حدود المرسم إلى الطبيعية لنقل تأثيرات أشعة الشمس والضلال مباشرة بواقعية تامة بعيدة عن التفاصيل الدقيقة وكما تراه العين المجردة ، ويترك الفنان انطباعه عن هذا الحدث على سطح اللوحة مع الأخذ بعين الاعتبار علاقة الضوء بالألوان وتأثيراته ، وساهم اخترع آله التصوير الشمسي في تلك الفترة إلى ازدهار هذا الطراز ، ومن اشهر فناني هذه المدرسة الفنان الفرنسي اوجست رينوار واشهر لواحاته (في الشرفة) التي قام برسمها في

العام 1879.والفنان الفرنسي بول سيزان واشهر أعماله ( زهور الأضاليا في إناء) والتي رسمها في العام 1875 ، ونجد في هذه الاعمال اهتماما واضحا في الشكل يطغى على المضمون حيث اصبح الشكل له اثر كبير لانتاج اي عمل فني
- المدرسة التكعيبية : 1907 مع بداية القرن العشرين ظهره اتجاه جديد بالرسم على يد الفنان العالمي بابلو بيكاسو متخذاً من الخط والأشكال الهندسية - المكعب والأسطوانة والمربع أساسا في بناء العمل الفني لذلك سميت بالتكعبية ، وتجسدت هذه المدرسة العظيمة بلوحة ( الجيرنكا) للفنان بيكاسو والتي مثلت أثار الحرب على إسبانيا ، كما يعتبر الفنان جورج براك والفنان سيزان من أهم الدعائم الأساسية في المدرسة التكعيبية ، والتي اهتمت ايضا بالشكل على حساب المضمون
يقول بيكاسو " ان الاشكال تعيش حياتها الخاصة في العمل الفني وليس بالضرورة ارتباطها ومطابقتها للواقع "
- وبعد الحرب العالمية الأولى دخلت المجتمعات الأوروبية حالة من التشاؤمية والانحطاط العام بالحياة مما نتج عنها عدة مدارس فنية مثل الدادئية والوحشية والمستقبلة والسريالية كل هذه الاتجاهات بالرسم كانت تقوم على فكرة تهميش العقل والمنطق في الرسم مع السخرية وروح الدعابة في بعض الأحيان مع التركيز على حق الفنان بالأبداع والتعبير عن الواقع بالمشاعر والانفعالات بحرية تامة
- المدرسة السريالية 1924 وكما أشرنا سابقا إن تبعات الحرب العالمية الأولى لازمت مجموعة من الفنانين اذ اصبح القلق والاكتئاب واليأس ملازماً لهم ، ونتيجة لتلك المحنة النفسية ظهره تيار فني يهتم بالحالة النفسية للفنان والنشاط الفعلي للفكر والعقل الباطن واللاوعي، للتعبير عن الواقع بحرية فيها نوع من المبالغة في الخيال والرمزية، وأشهر فنانين تلك المدرسة سلفادور دالي ولوحته الشهيرة الساعة اللينة وأمرأة برقبة الزرافة .
- المدرسة المستقبلية (futurisme): اهتم هذه المدرسة بالعالم الحديث التقني والمدنية والتطور الصناعي والسرعة وسعت هذه المدرسة إلى الخروج من أساطير الماضي والحروب والتشاؤم والاهتمام بالمستقبل بجمالية تفاصيلة.
- المدرسة التجريدية ( abstract): وتعني تجريد الأصل الطبيعي إلى شكله الهندسي مع الاهتمام بجوهر هذا الشيء ، وهناك شكل اخر من التجريد يتمحور اللون اساساً في بناء العمل ليشكل إيقاع بصري مترابط متزاوج بالايحائية التأثيرية النفسية للون ، وعادة تحمل هذه المدرسة خلاصة التجربة الفنية التشكيلية للفنان أما اشهر فنانين هذه الحركة الفنان موندريان والفنان فاسيلي كاندنسكي ولوحته الشهيرة (تكوين 1914) ويقول كاندنسكي "إن معنى الرسم لا يقتصر على الأشياء المنسوخة من الطبيعة بل على عناصر وأشكال العمل وخطوطه وألوانه التي تفرح النفس والتي تعكس أحاسيس ومشاعر الفنان " وما تحويه من افكار ابداعية .
- الفن العصري ما بعد عام 1980 حيث ظهر في هذا العام اول برنامج للرسم على جهاز الكمبيوتر وكان يسمى "باينت بوكس" كما ان اول ظهور لبرنامج الفوتوشوب يعود للعام 1986 من خلال التشكيل والتركيب للصور المتحركة ، وتعتبر هذه الفترة والتي ما زلنا نعيش تراكماتها التكنولوجية المتسارعة المطردة مع الزمن ، انها قفزةً حضارية عالية مقارنة مع العصور الماضية ، حيث عملت على اقصاء الفنان التقليدي وابعاده عن الساحة العصرية ، وأصبحنا نشاهد مهارة الانسان على الفن الرقمي والميديا واستبدلت هوية الفن التقليدية بالهوية الفنية الذكية والتي تحمل كود وشيفرة مفتاحية لدخول عالم الخيال العلمي الوظيفي بكل ابعاده البصرية السيكولوجية ، وحلت الالة والربوت مكان أحاسيس ومشاعر الفنان التراثي، وبعد عام 2000 م غزت البرامج والتطبيقات المحوسبة الساحة الفنية بكل مخالبها ، وأصبحت صالات عرض اللوحات الفنية متاحف للعالم القديم ، حيث اقتصر روادها على بعض المهتمين والفنانين ، كما اغلقت أبواب السينما والعديد من خشبات المسرح وحلا مكانها مواقع التواصل الاجتماعي والاجهزة الخلوية بكل ما تحوي من تطبيقات ووسائط تكنولوجية متطورة .
ومن هنا يمكن لنا أن تستخلص مما سبق هو أن الفن هو لغة تواصل ، وهو شكل من اشكال النشاط الفكري التعبيري الذي ينبع من العقل ويتولد من الاحاسيس والمشاعر الذاتية للانسان ويحمل رسالة يتم ترجمتها الى عمل فني ابتكاري ابداعي وعليه ان هذا النشاط العقلي للفكر هو بمثابة الرافعة الرئيسية للحضارة الانسانية الحديثة ، لذا يجب علينا استيعاب هذا التطور التقني وتنمية ملكة الادراك للموجودات التكنولوجية والعمل على اضافة نوعية عليها مع ضرورة تغذية الفكر الانساني منذ الصغر لمحو الاميه البصرية ورفع المستوى الثقافي لديه من خلال تذوق الجمال والاعمال الفنية وتاريخ الفن والمدارس الفنية واشهر الفنانين واعمالهم ومحاولة تحليل واكتشاف العلاقات الترابطية بين هذه المدارس وعن ماذا تمخضت مع الدراسة والادراك المشبع للتفاصيل الدقيقة وهضمها بشكل جيد ، كل ذلك سوف يساعد على تحفيز ملكة الخيال والابداع والابتكار من جديد وهذا بدوره يساهم في دفع عجلة التطور والتقدم والبناء


المراجع
1 – باونيس . الين ، ترجمة فخري خليل ، (1990) الفن الاوروبي الحديث ، دار المأمون بغداد
2- فراي . ادورد، ترجمة هادي الطائي (1990) التكعيبية ، دار المأمون للنشر ، بغداد
3- قطب . جمال ، روائع الفن العالمي، دار مصر للطباعة ، القاهرة