لقد وقعت روسيا في الفخ الذي نصبته لغيرها

صالح بوزان
2018 / 2 / 15

تاجرت روسيا مع حزب الاتحاد الديمقراطي تجارة رخيصة، عندما عرضت على قيادته إما تسليم عفرين للنظام السوري أو ستكونون وجهاً لوجه أمام الهجوم التركي. كان الروس يتوقعون أن حزب الاتحاد الديمقراطي سيوافق على تسليم عفرين للنظام خوفاً من الاصطدام المباشر مع الجيش التركي الجرار. لكن الرد الكردي جاء مزلزلاً لهم، عندما رفضوا الاقتراح. فأوعز الروس للأتراك باقتحام عفرين. أراد الروس من هذه العملية وضع اسفين نهائي بين أمريكا وتركيا من ناحية، وخلق شرخ في التحالف الأمريكي وقوات سوريا الديمقراطية من ناحية ثانية. مهد الروس لهذه المؤامرة قبل شهر، عندما أوعزوا للنظام السوري بإطلاق تصريحات نارية ضد حزب الاتحاد الديمقراطي. مع العلم أن النظام السوري بقي طيلة السنوات الماضية من أزمة سوريا يحافظ على شعرة معاوية مع هذا الحزب. لكن الصاعقة التي سقطت على رأس بوتين لم يكن يتوقعها. فالمقاتلون الكرد في عفرين صمدوا صموداً مذهلاً. تركيا التي كانت تتوقع ومعها روسيا أنها ستحتل عفرين خلال أقل من اسبوع، راوحت على حدود عفرين مع خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد. معركة اسبوع مازالت مستمرة دون أن تحقق تركيا شيئاً ملموساً. الصاعقة الثانية التي وقعت على رأس بوتين، وكانت مزدوجة، جاءت من أمريكا في الضربة المؤلمة لحلفاء بوتين في دير الزور، وراح فيها جنود روس أيضاً دون أن يتجرأ بوتين الاعتراف بذلك. كان الروس يتوقعون أنه في الزمن المستقطع من حرب عفرين يستطيعون بمساعدة النظام السوري وحلفائه من جنجويد ايران وشيعة العراق الاستيلاء على بعض المواقع النفطية شرقي الفرات في الدير الزور. كانت الضربة الأمريكية مؤلمة لروسيا من الناحية السياسية قبل العسكرية. فقد تبين للروس أن الوجود الأمريكي في شرقي الفرات ليس وجوداً رمزياً. وأن أمريكا لها هدف استراتيجي هنا كما لهم هدفهم الاستراتيجي في حماية النظام والبقاء الدائم في سوريا سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. من جهة أخرى أعلنت أمريكا بكل اصرار ووضوح، وعلى أعلى المستويات، أن تحالفهم مع قوات سوريا الديمقراطية سيستمر، وأن البرنامج الذي وضعته لشمال سوريا سينفذ. بل قدمت في هذه الأيام شحنة كبيرة من السلاح لقوات سوريا الديمقراطية. وهذه الشحنة بالذات وفي هذا الظرف هي رسالة ذات مغزى للروس ولتركيا وللنظام السوري. تعاملت أمريكا مع تركيا بدبلوماسية مرنة. لكنها أوضحت لها أن هذه الحرب التي أعلنتها في عفرين ليس الهدف منها ضرب الارهاب. ويبدو أن الأمريكان أعلموا تركيا أيضاً أن التلاعب مع الروس على حسابنا لن نقبله.
سعى الروس التنافس مع أمريكا في ود الكرد خلال المرحلة الماضية، لكن نتيجة تحالفهم التكتيكي مع أردوغان تخلوا عنهم لعدم تمكنهم توجيه الكرد ضد أمريكا. كان الروس مصرين على دعوة حزب الاتحاد الديمقراطي لمؤتمر سوتشي. وعندما اعترضت تركيا، قال نائب وزير خارجية روسيا حينها أن هؤلاء مواطنون سوريون وليسوا أكراد تركيا. لكنهم خضعوا للخط الأحمر التركي في سبيل اضعاف أمريكا في سوريا. اعتقد الروس أن اضعاف أمريكا في سوريا ممكن من خلال تهميش هذا الحزب وقواته المسلحة في مؤتمر سوتشي. خصوصاً أنهم توقعوا أن هذا المؤتمر سينسف مؤتمرات جنيف التي عليها اجماع دولي. لكن مؤتمر سوتشي فشل فشلاً ذريعاً. فخرج الروس من هذا المؤتمر بخفي حنين.
الحرب التي تدور اليوم في عفرين جعلت العالم كله على قناعة، أنها حرب تركية عنصرية ضد الوجود الكردي وبالاتفاق مع الروس وصمت النظام لكونه لم يعد هو صاحب القرار في سوريا. كما بينت الحرب أن تركيا تستخدم فلول داعش والكتائب الاسلامية التكفيرية في هذا الحرب وبمساعدة روسيا التي تدعي محاربة الارهاب. مما يبين ذلك مدى العلاقة الحميمية بين تركيا وهذه المجموعات الاسلامية التكفيرية، ومدى نفاق الروس في حل الأزمة السورية. اقتنع العالم أن الروس ليس لهم هدف في سوريا سوى ترسيخ النظام، وكل التصريحات التي يطلقونها بأن الشعب السوري بكل مكوناته هو يقرر مصيره، عبارة عن كذبة لإخفاء هدفهم الحقيقي. منذ دخول بوتين المباشر في سوريا وغياب أمريكا عنها في فترة أوباما الأخيرة، أصبح يشعر أنه اللاعب الأكبر على مختلف الصعد في سوريا. كل تصريحات النظام السوري هي إيعاز مباشرة من بوتين. فالشرعية التي يتكلم عنها الروس في سوريا هي شرعية وجودهم وتحكمهم بالنظام السوري.
لكن أمريكا في عهد ترامب عادت إلى سوريا بقوة، وتعتمد على حليف قوي على الأرض. أمريكا مصرة على تغيير هيكلية النظام السوري، مما جعلت روسيا عاجزة عن تحقيق أهدافها بأن تبقى سوريا خاضعة لها 100%. لم تعد بالإمكان حل الأزمة السورية اليوم بدون أمريكا وبدون حزب الاتحاد الديمقراطي. هذا ما دفع وزير خارجية روسيا يستخدم خرافات الائتلاف السوري المعارض بأن الأمريكان يريدون تشكيل دويلة كردية في شمال سوريا. بالرغم من أن هذا الكلام عبارة عن شعوذة. ولكن عندما يقوله رئيس الدبلوماسية الروسية، فإنه يدل على بداية الافلاس الروسي في سوريا. فالصفقة التي عقدها بوتين مع أردوغان انقلبت على كليهما. تركيا منعزلة في هذه الحرب، والمقاتلون الكرد محط احترام وتقدير من العالم كله. الروس يسعون لتبرئة غدرهم بالكرد بحجة أن المساعدات العسكرية الأمريكية لقوات سوريا الديمقراطية استفزت تركيا ودفعتها للحرب ضد الكرد. هذا السقوط للدبلوماسية الروسية التي لجأت إلى هذه الترهات لدليل على عدم قدرتهم لإقناع العالم في تبرير خيانتهم للكرد.
من هنا تظهر مقاومة عفرين كحدث مفصلي في الأزمة السورية منذ سبعة سنوات. فالأزمة السورية بعد معركة عفرين لم تعد كما هي قبلها. لأن عفرين أماطت اللثام عن وجه الجميع، دولياً واقليمياً ومحلياً.