الشعب الأزوادي المُفترى عليه

مختار سعد شحاته
2018 / 2 / 11

يبدو أن العرب ما زالوا على عهدهم من التشتت الذي نال منهم على مدى تاريخهم الطويل، والذي وصفه جمال الدين الأفغاني بجملة رائعة حين قال، "العرب اتفقوا على ألا يتفقوا"، وهو ما يجعلنا نفهم الكثير مما يحدث في المنطقة العربية في ضوء تلك العبارة، لكن العجيب الأعجب هو ما يقوم به العرب والحكومات العربية، حين تقوم بحروبها بالوكالة عن حكومات أخرى، فتقع في مستنقع من الكذب والافتراء طوال الوقت.
العرب وشيفونية قاتلة مجحفة:
يبدو أن العرب حتى الآن لم يتخلصوا من عرق شيفوني جرى في عروقهم مجرى الدم، ويُصرون على تعريب ما لا يمكن ولا يقبل بأي حال أن يكون عربيًّا، ولعل أزمة شعب الطوارق والأزواديين منهم خاصة في إقليم أزواد لهو خير دليل على تلك الشيفونية، إذ يُصر العرب على احتكار الإسلام، ويخلعون من عروبتهم ثوبًا أوسع ليجعلوا الإسلام بعض هذا الثوب، والعكس هو الصحيح، وربما كانت اللغة العربية سببًا في ذلك، وهو ما جعلهم يعتبرون كل من يتحدث العربية –بفصاحة أو بركاكة ويعتنق الإسلام- بمثابة شخص يجب الوصاية عليه، ويجب التحكم في مصيره بدعوى الإسلام.
يجد المتأمل في تاريخ الصحراء الكبرى الإفريقية وشعوبها ما يُعد حضارة كاملة وممتدة لها أصولها ولها مقوماتها، والتي أنتجتها الشعوب الأمازيغية التي قدمت النفيس والغال في سبيل نصرة الإسلام بعد دخولها تحت المظلة الإسلامية، والعجيب هو محاولات العرب الكثيرة لطمس هذا الأمر، بل والتجرأ على تعريبه، وهو ما ينفي جملة كل ما قدمه العرق الأمازيغي للعروبة والإسلام، وينسى الجميع –من العرب والقوميون العرب والعروبيون- أن الأمازيغ شعب له حضارته ولغته الخاصة، وأنها واحدة من محددات الهوية والوطنية الأمازيغية، وهو حق أصيل لهم متى تمسكوا به، ولا يحق لأي دعوى عربية أن تطمس هذا الحق الأصيل لكل شعوب الأمازيغ.
براءة الذئب من دم ابن يعقوب:
تابعنا في الأيام القليلة كثيرًا من الاتهامات التي روجت لها الدعاية العربية، والتي تأثرت بالخلافات القائمة في الجسد العربي، خاصة ما يحدث في دول الخليج والمقاطعة القطرية، وبدأ التسويق ضد قطر، ونحن هُنا لا يعنينا ذلك الأمر، لكن حين يتم الزج بشعب أزواد الحر الذي يناضل لأجل استقلاله أو لأجل الحكم الذاتي عن الحكومة المالية المدعومة من الغرب وخاصة الجمهورية الفرنسية، فإننا نجد ذلك أعجب الأعاجيب، حين تسوق الدعايات العربية بأن الأزواديين ليسوا إلا رأس حربه أمازيغية تقلقل بها الحكومة القطرية بعض استقرار مزعوم لبعض الدول العربية، وهو ما يرفضه الأزواديون رفضًا يصل إلى حد الغضب من كل التصريحات التي تمادت في الكذب والإشاعات التي يأتي غالبها مُجهل المصدر وغير موثوق به. أظن بقليل من التبصر والبحث سنكتشف بسهولة براءة الشعب الأزوادي من تلك الافتراءات براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
الشعب الأزوادي له حقه المشروع في تقرير المصير:
يعرف القاصي والداني أن لكل إنسان حق تقرير مصيره، وهو ما نصت عليه مواثيق حقوق الإنسان والأمم المتحدة منذ الإنشاء، ولكن حتى الآن لا نعرف السرَّ وراء الهجمة العدائية التي يتعرض لها الشعب الأزوادي لمجرد إعلانه رغبته في الاستقلال عن حكومة مالي التي تهمشه والتي تسوق له بالدعايات المغرضة التي تصل في بعض الأوقات إلى حد التلفيق والإدعاء، حتى وصل الأمر أن يُلصق بالشعب الأزوادي المناضل فرية بأنهم مجرد قبائل مسلحة تتمرد على الاستقرار وتدعم التشدد الإسلامي، ويتم الربط بين كفاح الأزواديين المشروع وبين ظهور جماعات إرهابية في بلاد الأطلس المغربي، والتي أذاقت الآمنين من شعب أزواد الويلات والمرار، فانتهز الجميع الفرصة وأعلن حربًا نفسية علنية ومضمرة على نضال الشعب الأزوادي المتهم، بل وتم الزج بهم في معارك وحروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، تمامًا كما يحدث الآن في الأزمة العربية بين الدول العربية ودولة قطر.
نرى أن من واجب كل المدافعين عن العدالة ونضال الشعوب أن يصطفوا في معية الشعب الأزوادي الذي يناضل بشرف لأجل قضية عادلة هي قضية تقرير المصير، والتي يمتد تاريخها إلى ما هو أبعد من استقلال دولة مالي بعد رحيل المستعمر الفرنسي، والذي يدعم علنًا وسرًا الحكومات في المنطقة ضد قومية الأمازيغ، وضد نضال الشعب المسالم، ليروج للعالم كذبًا بان نضال شعب أزواد ليس إلا حرب عصابات لجماعات إسلامية متشددة، وهو ما تفعله الآلة الإعلامية لبعض الدول بكل خسة ووضاعة وخيانة للشرف والمواثيق الإعلامية المتعارف عليها، دون أن يعترفوا بأن النضال لأجل تحرير الأرض هو حق أصيل للشعب الأزوادي، وأن تقرير مصيرهم يعادل ما حدث في القضية العراقية الكردية، وغيرها من القوميات التي حصلت على حكم ذاتي أو استقلال عن حكومات تُصر على فرض الوصاية عليها، تمامًا كما يحدث من الحكومات المالية المتعاقبة وحتى اللحظة، والمدعومة بكثير من المصالح الغربية والعربية والتي تعكس ظلال خلافاتها على القضية الأزوادية بظلم وإجحاف بين.
عزيزي القاريء؛ من فضلك انتبه:
فقط تطلع نحو فصول التاريخ والنضال المشرف الذي سطره الشعب الأزوادي على مر تاريخه القديم والحديث، لتعرف أن القضية الأزوادية حق مشروع وأن الدفاع عنها هو واجب وطني لكل أزوادي، ولتفهم طبيعة الشعب الأزوادي المسالم أكثر وأكثر، والمُفترى عليه على الدوام من الجميع، وكأنهم اتفقوا على ألا يستقل بهويته الأمازيغية، ويرون في بزوغ شمس أزواد تهديدًا لوجودهم، وهو ما ليس له محل من الإعراب، بل يدعو إلى الدهشة، والتي تزيد حين يتم الزج باسم الشعب الأزوادي في خلافات عربية بعيدة كل البعد عن واقع الأزواديين ونضالهم، ليتم الهجوم الإعلامي عليهم باعتبارهم رأس حربة تحركها الحكومات العربية في خلافاتها، وهو ما يرفضه الشعب الأزوادي جملة وتفصيلاً، دون أن ينفي حدوث بعض التمويلات لجماعات متشددة اقتحمت نضال الشعب الأزوادي وحاولت القفز فوق نضاله وسرقة صيحاته المطالبة بالحرية، واستغلال ذلك للدعايات الأخرى التي أضرت مصالح الشعب الأزوادي وقضية استقلاله العادلة.
سؤال واضح وشفاف:
دعونا نسأل السؤال بوضوح وشفافية، ما الذي يستفيده الشعب الأزوادي في قضيته العادلة بدعم الخلاف العربي؟ لا شيء، إذ أنه لا ناقة له ولا جمل في ذلك الصراع، فلماذا يتم الدفع بهم إلى أزماتهم العربية التي يبتعد عنها الأزواديون جغرافيًّا ومعنويًّا؟
يبدو أنه لم يتخلص العرب من تلك الوصاية القديمة التي فرضوها باعتبارهم حماة للإسلام، وهو توهم باطل، ينفي به العرب حق كل المسلمين في العالم أن يحتفظوا بلغاتهم ووطنيتهم وهوياتهم غير العربية، ومن دون أن يمس أو يُشكك في إسلامهم الخالص، فلماذا لا يقف العالم وقفة شجاعة مع نفسه، ولماذا لا يقولها العربيون بوضوح، ولماذا يُصرون على غمط حق الشعب الأزوادي والعبث بقضية استقلاله والزج باسمه في صراعاتهم العربية التي خاضوها بالوكالة عن حكومات غير عربية قررت ألا تتواجه وأن تجعل العرب بيادق على رقعة شطرنج السياسة الدولية تحركها حسبما شاءت مصالحها؟
عار عليكم يا دعاة الحرية:
أظن أن العالم المتحضر سيقف كثيرًا أمام خذلانهم لهذا الشعب المناضل في أزواد، والذي يبدو أن قدره أن يعاني من القاصي والداني، وأن يُنظر إليه بغير عين الإنصاف، وهو ما يجعلني أتساءل، هل لو كان الشعب الأزوادي في أوربا أو في غيرها هل كان سيتم تهميش قضيته إلى حد من الإغفال المشين الجالب للعار لكل من تعمد تشويه نضال أزواد لأجل حريتها؟ هل يقل الشعب الأزوادي عن الشعب الكردي؟ أو الشعب الأيرلندي؟ أو عن كل هؤلاء العرقيات التي تمسكت بوهيتها الوطنية ودافعت عنها، ونالت دعم العالم؟ هل لأن الشعب الأزوادي شعب مسالم بطبعه يحب الحياة ويكره الخراب والدمار، وله من العزة والكرامة ما يجعله مُصرًا على قوميته الأمازيغية والتي تتعارض مع أطماع الدولة المالية والحكومات الغربية وعلى رأسها االفرنسية والأمريكية، يتم لأجل ذلك تهميش قضيته ومحاولة تشويه كفاح شعب أزواد لأجل الحرية المشروعة، وهو عار عليكم لن ينساه التاريخ أبدًا مهما حاولتم طمسه أو إخفاءه.
دعوة لكل شرفاء العالم:
أين شرفاء العالم وكل داعمي حقوق الإنسان في تقرير المصير؟ بل أين الأمم المتحدة من ذلك، وما يُحاك ضد الشعب الأزوادي على الملأ وفي الخفاء لأجل إجهاض صوت حريته وصوت جماهيره المطالبة بحق تقرير المصير؟!
هذا نداء وجدته حقًا عليّ أن أصرخ به لأجل هذا الشعب الذي عاشرته وعرفت من أبنائه الكثيرين، ممن لا يمكن أن يوصفوا بغير المسالمين الواضحين في مطالبهم، ولا أرى أي أزمة في دعمه ولو بهذا المقال، إيمانًا بحق تقرير المصير للجميع، ودعمًا لقضايا الإنسانية العادلة والمشروعة، وكذلك لطرح ذلك التساؤل:
متى سيزيح العرب وصايتهم عن شعب أزواد؟ ومتى يتوقفون عن تشويه الأمازيغ بالجملة، والزج بهم في خلافاتهم التي لا تعني الشعب الأزوادي بأي مصلحة، بل تحز في نفسه فهم إخوانهم في الدين؟ كذلك متى يدرك العرب أن أزواد وشعبها ليسوا عربًا وأن ذلك لا يعيب أزواد ولا يعيب العرب؟ تمامًا مثلما يشعر الأيرلندي بأنه غير إنجليزي دون أي شعور بأي عار، لكن يبدو أن كما قال الشاعر العربي يتحقق في قضية أزواد، "حرام على بلابله الدوح... حلال للطير من كل جنس".
مختار سعد شحاته
روائي وباحث أدبي
ريو دي جانيرو/ البرازيل