الرقص الشرقي- من الابتذال الليلي الى فن جماعي

ملهم الملائكة
2018 / 2 / 10

ظل الرقص الشرقي قرون طويلة عنوانا للشهوة أكثر منه عنواناً للفن، حتى تلقفته أوروبا واسمته "رقص البطن"، فشاع بين النساء - والرجال في حالات قليلة- كنوعٍ فني تقام له نوادٍ لتعلمه واتقانه ليتحول الى هواية تسمو عن ابتذال نوادي الليل السكرانة.


الجديد اليوم في مدارس الرقص الشرقي الأوروبية هو تحويلها هذا الرقص الى فن جماعي، بعد أن كان ينزع الى الفردانية، وبدل أن تتقلب راقصة واحدة تحت ضوء مسرحي وعيون الجميع تتعلق بها، بات الرقص اليوم يتوزع بين بضع راقصات، يحاولن خلق تناسق حركي صعب، مستقيات في الغالب مثالهن من الفن الهندي أو الفن الأندلسي حسبما وصلنا. وكانت فرقة الفنون الشعبية المصرية التي قادها الفنان الراقص محمد رضا والراقصة فريدة فهمي مثالا للريادة في نقل الرقص الشرقي من عروضه الفردية الى عروض جماعية متناسقة.
ومع ذلك ففي تداعيات الرقص الشرقي هناك مساحة لذة هي أجمل من الشهوة نفسها، فغالبا يكون اللباس الملتصق بالجسد والذي يغطي مساحة الأنوثة المفعمة أجمل من عري الجسد، وهكذا يتصل القياس، فمساحة الجسد الراقص على نبض النغم المسترسل قد تكون أجمل من لقاء يلامس ذلك الجسد.
وفي أواخر ستينات القرن العشرين ألهبت سهير زكي الراقصة المصرية الطرية فوق العادة مشاعر الرجال والمراهقين العرب عبر شاشات التلفزة، وعرفها الناس من خلال تلفزيون بغداد وهي تتلوى على ألحان أغاني أم كلثوم خاصة، فبات كثيرون يعتبرونها مدرسة في الرقص، مع أنها كانت ايقونة وليست مدرسة، اذ لم تخرج بالرقص الشرقي عن هز البطون والمؤخرات والصدور .
وسهير زكي المولودة عام 1945 قد تكون اسطورة برعت في هذا الفن، لأنها لم تكن ترقص بعضلاتها كحال سائر الراقصات، بل ما برحت تتلوح بلحمها وروحها، وقد عرض تلفزيون القاهرة نهاية عام 1967 وصلات رقص لها لاقت استحسان كثيرين، وما لبث تلفزيون بغداد أن عرض أول مرة عام 1968 وصلات رقصٍ لها أحدثت هزة في مشاعر المشاهدين وهي تتلوى بأنوثة من حرير. وسُجل لها أنّها أول من رقص على أغاني أم كلثوم.
ولدت في مدينة المنصورة، سافرت إلى الإسكندرية حيث عرفت الشهرة ثم اتجهت إلى القاهرة ورقصت في برنامج أضواء المسرح وفي أماكن السهر، وشاركت في أكثر من خمسين فيلما كراقصة وممثلة. اسمها الحقيقي سهير زكي عبد الله، تزوجت من المصور محمد عمارة، اعتزلت الفن في أوائل تسعينيات القرن العشرين. رقصت في حفلات زفاف جميع أبناء الرئيس المصري جمال عبد الناصر، كما رقصت أمام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة. كما رقصت في حضور شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي الأبن. كما زارت موسكو بدعوة من الجنرال غريتشكو وزير الدفاع السوفيتي إبان حكم الرئيس بريجينيف.
سهير زكي لم تكن ترقص بطريقة رياضية تشد عضلات الجسد، بل كانت تسيل مع اللحن وتتلوى مع تلوي اللغة وكلماتها، لذا انفردت بين الراقصات بأداء خاص جداً.
أما معلمات الرقص الشرقي المصريات المعروفات الكبريات فهن الثلاثي الشهير، تحية كاريوكا، نعيمة عاكف وسامية جمال.
تحية كاريوكا فنانة وسياسية ضد التيار
ذاعت شهرة الفنانة تحية كاريوكا الحقيقية عام 1940 عندما قدمت رقصة الكاريوكا العالمية في أحد عروض سليمان نجيب وهي الرقصة التي التصقت بها بعد ذلك حتى أنها لازمت اسمها.
وعُرفت تحية بأنّها آخر المبدعات في تاريخ الرقص الشرقي، حيث طوّرت أسلوبها الخاص الذي اعتمد على إعادة إنتاج الهرمونية الشرقية القديمة في الرقص وهو الأسلوب الذي تأسس عليه مدرسة كاملة في الرقص الشرقي، في مقابل مدرسة سامية جمال التي لجأت إلى مزج الرقص الشرقي بالرقص الغربي، فيما تطور بعد ذلك إلى حدوث خلط كبير بين أساليب الرقص الشرقي والستربتيز (رقص تعري)
ما لا يعرفه كثيرون أنّ تحية كاريوكا مع ماجدة الخطيب والممثلة لبيبة والممثل سامي الجندي وفردوس عبد الحميد وعبد الله غيث بتوجهاتهم اليسارية لعبوا دورا فاعلا في نشاط اليسار عبر السينما والفن بمصر، ولعبت تحية بالخصوص دوراً سياسياً بارزا، وقد ألقي القبض عليها أكثر من مرة بسبب نشاطها السياسي السري، حيث كانت عضواً في أكثر من تنظيم شيوعي أشهرهم تنظيم حدتو كما تشير موسوعة ويكبيديا الشعبية غير الموثقة، وتأثراً بشخصيتها كتب عنها أكثر من كاتب ومثقف عربي العديد من الدراسات أهمها الدراسة التي كتبها المفكر الراحل إدوارد سعيد.
اسمها الحقيقي بدوية محمد علي النيداني مولودة في مدينة الإسماعيلية عام 1919، وقد مارست الرقص والغناء والتمثيل في سن صغيرة حتى اكتشفتها الراقصة محاسن محمد ثم تعرفت على بديعة مصابني وانضمت إلى فرقتها فاستعانت بها في السينما والمسرح.
في منتصف خمسينات القرن العشرين اعتزلت كاريوكا الرقص الشرقي وتفرغت نهائياً للسينما حيث شاركت في عدد ضخم من الأفلام السينمائية البارزة التي حملت بصمتها الفريدة منها:
شباب امرأة، خلي بالك من زوزو، وداعاً بونابارت، إسكندرية كمان وكمان قامت فيه بأداء دورها الحقيقي في حركة اعتصام أعضاء اتحاد النقابات الفنية، والأخيران فلمان من اخراج عملاق السينما المصرية يوسف شاهين، مرسيدس، كما قدمت مع زوجها السابق فايز حلاوة عددا من المسرحيات الشهيرة منها روبابكيا ويحيا الوفد وكانتا بطابع سياسي نقدي فاضح. توفيت عام 1999 بعد مسيرة فنية حافلة لا تنافس مخلفة طفلة صغيرة تبنتها عام 1989.
نعيمة عاكف زهرة اينعت وذبلت سريعاً
نعيمة عاكف لم تعش سوى 37 عاما، حيث توفيت بمرض سرطان الأمعاء وهي في أوج شبابها وشهرتها الفنية. وهي من أصول مغربية ولكنها ولدت وعرفت في مصر، وقد قدمت فن الرقص والغناء والمونولوج والتمثيل في القاهرة. تزوجت مرتين ورزقت بطفل وحيد. ولدت في مدينة طنطا عام 1929 حيث كان سيرك والدها، يقدم عروضه خلال ليالي الاحتفال بمولد السيد البدوي وخرجت نعيمة إلى النور لتجد نفسها بين الوحوش والحيوانات والألعاب البهلوانية مثل أبيها وأمها وسائر أفراد أسرتها، ولما بلغت سن العاشرة تزوج والدها من أخرى غير والدتها التي اضطرت إلى ترك السيرك مع أولادها لتستقر في شقة متواضعة بشارع محمد علي ثم انتقلت نعيمة إلى ملهي كيت كات الذي كان يرتاده معظم مخرجي السينما، فالتقطها المخرج أحمد كامل مرسي وقدمها كراقصة في فيلم ست البيت ومنه اختارها المخرج حسين فوزي لتشارك في بطولة فيلمه العيش والملح وبعده تعاقد معها على احتكار وجودها في الأفلام التي يخرجها لحساب نحاس فيلم وقامت بأول بطولة سينمائية لها في لهاليبو ورغم فارق السن الكبير بينهما إلا أن المخرج حسين فوزي تزوجها ونقلها من شارع محمد علي إلى فيلا بمصر الجديدة. وتوالت أفلامها ولمع نجمها في السينما من خلال أفلام: بلدي وخفة، بابا عريس، فتاة السيرك، جنة ونار، تمر حنة، يا حلاوة الحب. وبعد عشرة أعوام من الزواج انفصلت نعيمة عن زوجها في هدوء شديد بعد أن أخرج لها 15 فيلماً آخرها فيلم أحبك يا حسن ثم تزوجت من المحاسب صلاح الدين عبد العليم وأنجبت منه ابنها الوحيد محمد صلاح الدين عبد العليم، وحصلت نعيمة عاكف على لقب أحسن راقصة في العالم من مهرجان الشباب العالمي بموسكو عام 1958 ضمن خمسين دولة شاركت في هذا المهرجان.
سامية جمال قصة حب لم تتأكد مع فريد الأطرش
طوّرت ساميه جمال أسلوباً خاصاً بها، حيث تميز رقصها بالمزج بين الرقص الشرقي والرقص الغربي، كما ركّزت في رقصها على إبهار المتفرج بالملابس والموسيقى والإضاءة والتابلوهات الراقصة التي تشكلها صغار الراقصات في الخلفية، ثم شكّلت سامية جمال في الرقص الشرقي اتجاهاً فنياً مضاداً لاتجاه الراقصة الشهيرة تحية كاريوكا. ففي حين اعتمدت سامية على المزج بين الرقص الشرقي والغربي اتخذت تحية اتجاه الرقصات الشرقية والمصرية القديمة والتنويع على الحركات القديمة وتقديمها بشكل أكثر حداثة.
اسمها الحقيقي زينب خليل إبراهيم محفوظ، حسب موسوعة ويكيبيديا، وهي من مواليد بنى سويف جنوب القاهرة، ظهرت في أواخر الأربعينات من القرن العشرين وعرفت باسم سامية جمال. حيث بدأت حياتها الفنية مع فرقة بديعة مصابني حيث كانت تشارك في التابلوهات الراقصة الجماعية، وفي عام 1943 بدأت بالعمل في مجال السينما حيث شكّلت ثنائياً ناجحاً مع الفنّان فريد الأطرش في عدة أفلام وقدّمت على أغنياته أحلى رقصاتها وأشهرها من خلال سته أفلام شهيرة.
ترددت شائعات كثيرة في الوسط الفني والأوساط القريبة منه عن قصة حب كبيرة جمعت بين فريد الأطرش وسامية جمال في تلك الفترة ولكن إصرار فريد الأطرش على عدم الزواج وضع حداً لهذه الشائعة، وتزوّجت سامية جمال بعدها من النجم رشدي أباظة في أواخر خمسينيات القرن العشرين بينما ظلّ فريد الأطرش بلا زواج حتى وفاته. كما كان هناك لسامية جمال زواج آخر في بداية حياتها الفنية من شاب أمريكي يدعى عبد الله كينج. في أوائل السبعينيات اعتزلت الفنانة سامية جمال المولدة عام 1924 الأضواء والفنّ ثم عادت مرة أخرى للرقص في منتصف الثمانينات ولكنها عاودت الاعتزال مرة أخرى حتى وفاتها في 1 ديسمبر عام 1994.
الرقص الشرقي فنٌ، أم إغراء رخيص؟
ونشأت في أوروبا منذ ثمانينات القرن العشرين مدارس لتعليم الرقص الغربي للغربيات، وكان في ذلك تحدٍ كبير لاختلاف شكل وتركيبة الجسد الغربي المؤنث عنه عند الشرقيات، فيما نجح كثير من الإيرانيين في صناعة مدرسة رقص إيراني ( تنويع على المدرسة المصرية في الرقص) ومن أشهرهم مقدم برامج مسابقات الرقص الإيراني المقيم في تركيا محمد خرداديان.
ولشدة الخلاف حول تعريف وهوية الرقص عموما والرقص الشرقي خصوصا طرحت على صفحة فيسبوك سؤالاً عن هوية هذا النوع حسب رأي القراء فجاءت الإجابات بالشكل التالي:
رقية عبد علي ( ناشطة) : الرقص الشرقي فن وبرأيي انا من أجمل الفنون وأحيانا رقص تعبيري لكن هذا الشي يعتمد على الراقصة نفسها، على تعابير وجهها، على حركات جسمها واكيد على نوع الموسيقى .
زيد رجا (طبيب): الرقص الشرقي حاله كباقي الفنون في المشرق العربي بالتأكيد جاء بعضه لتلبية رغبات الخلفاء والحكام وذوي الشأن سابقاً اما الان فهو جزء مهم من التراث الشرقي ولا اعتقد بكونه اثارة جنسية بحته بل هو فن من الفنون الجميلة...مما يجب ملاحظته هي أن أغلب من يعتبرون الرقص الشرقي إثارة جنسية هم أنفسهم هم من يحرمون الطرب والغناء...!!
إبراهيم سعيد (إعلامي): هو عرض يتضمن إيحاء جنسي بأسلوب فني، أنا لا أعرف ما هو المخيف بربط الأشياء بالجنس، فهو ممارسة طبيعية وجزء من احتياجات البشر فلم كل هذه التعقيدات حوله.
د مؤيد عبد الستار (كاتب): الرقص عموما هو وسيلة مارسته المرأة منذ فجر التاريخ لإغواء الرجل ثم تطور ليصبح فنا بمعزل عن الجنس وزادت الموسيقى من رقيه واكسبته خفة وطربا.
فيما ذهب الصحفي ضياء رسن الى أنه يجمع الاثنين (الفن والإغراء الجنسي).
أما الإعلامية السابقة زينب بيرس فذهبت الى أنّ الرقص الشرقي فن لا يخلو من الاغراء والإيحاءات الجنسية بالإضافة الى أن بدلات الرقص تطورت وأصبحت عبارة عن خيوط مرفق بها قطع قماش شفافة وليست مثل بدلة سامية جمال وسهير زكي كانت مستورة شويه وبكل الأحوال الرقص الشرقي جميل جداً.
وعلق عباس النوري بالقول إنه موضوع هام جداً يغير من مجرى حياة الكثيرين .
أما الباحث هشام العلي فأشار: اعتقد أن الرقص فن ..... لكنه الأقرب الى الاستعراض الجسدي من باقي الفنون ... ويجب ان لا ننسى ان الممثلة والمغنية وحتى مقدمة نشرة الاخبار تحاول استعراض جسدها على اعتبار انه احد اهم مرتكزات استقطاب الراي العام المحلي والدولي
فيما تساءل الكاتب والأكاديمي أحمد خالص الشعلان بصيغة الجواب: أتقصد بحد ذاته فن؟ لا أظن...ولكن قد تستعمل مهارة الراقصة بوصفها فقرة في لوح استعراضي فني قد يكون له دور!
بون - ألمانيا