مأزق الجناح: ومصائر وطنية التشبه بالغرب (2/3)

عبدالامير الركابي
2018 / 2 / 10

مأزق الجناح: ومصائروطنية التشبه بالغرب(2/3)*
عبدالاميرالركابي
ينتمي الحزب الشيوعي العراقي، لما يمكن ان نطلق عليه "وطنية التشبه بالغرب"، والمقصود بها، نوع الأفكار والتنظيمات التي عرفتها المنطقة والعراق والعالم في الفترة مابعد العثمانية، حيث لم تجد النخب الخارجة وقتها منوطأة تلك الحقبة، ماتلائم به وجودها، وتعرف واقعها، سوى التشبة بالغرب تحت داعي وحافز "اللحاق به"، ولم يكن هذا بالطبع التيار الرئيسي الذي حكم وعي المنطقة مابعد العثمانية، فلقد قابله منذ القرن الثامن عشر، ميل "سلفي"، اتخذ من مبدا الغاء التاريخ، وإخراج الإسلام منه كمشروع وتجربة كونية، بقصد استعادته مبرءا من حكم الزمن، خلافا وبالضد من ارادة الخالق، الذي قرر هو، حكم الزمن المقصود، والمزال بإرادة بشرية انحطاطية، بدات بالتبلور في اسلام زمن التردي، الابن تيمي، وهوما يطابق زمن مابعد انهيار بغداد عاصمة الإمبراطورية الكونية، ممثلة نهضة المنطقة، وقمتها الكونية بعد القرن السابع الميلادي، والفتح العربي.
ويجد التيار المذكر وعاءه المجتمعي الكياني، في الجزيرة العربية مكانيا، وفي تناسلية تصل بعد ابن تيمية الشامي، الى محمد بن عبدالوهاب الجزيري، المتلقي علومه في العراق، دعويا، باستلهام مزور للحظة نبوية كونية، تحولت في العقود الحالية، الى حركة محلية مختنقة، لم تفلح في التحول الى "كيان" من دون ازدواجية، الريع النفطي/ الغرب، ماحولّها عمليا وواقعيا، الى قوة مضادة كليا للاصل الذي تدعي استلهامه والحفاظ على نقاوته.
وحيث غدت الجزيرة العربية اليوم سلفية ريعية، فلقد اضطلع مجال مصر وساحل الشام بمهمة التشبه بالغرب، بدءا بالاصلاحية الإسلامية، مع الافغاني ومحمد عبده، وبالقومية العربية، التي تكفل المسيحيون الشوام ببلورة نظرياتها المفبركة، المفتعلة من لاشيء، سوى منظومة التفكير الغربية الحديثة، مقرونة بنموذج ( الدولة / الامة)، مع ان العرب ليس لهم من تاريخ قومي، بل تميز حضورهم بالكونية، وهم لم يبنوا دولة في الجزيرة العربية، ولا كان هذا من محركاتهم ابان ثورتهم الكبرى، وهم بالاصل امة بصفتهم الابراهيمية، لا اللغوية، كما ادعى البعض، فلغتهم كانت موجودة، وسابقة على الإسلام، مع ان الإسلام الابراهيمي، باخر طبعاته الختامية، كرسها على نطاق أوسع من مجال الجزيرة. ولم يسبق اطلاقا للدولة "القومية"، ان عرفت في التاريخ العربي الاسلامي، بل شكل متقدم من اشكال وتكرار نمط الإمبراطورية العراقية، اعلى واكثر تقدما من امبراطوريات اكد وبابل العراقية.

لم يضع مايعرف ب "الفكر العربي في عصر النهضة" كما يطلقون عليه، مع ان الاصح ان ينعت ب "التفكرات العربية في عصر نهضة الغرب" في احتسابه، اية قواعد تطابق بين الذات والأفكار، ولا وردت في أي مكان من جملة مقارباته، المؤسسة على محركات مرضية وانفصام نفسو/ اجتماعي، على استلهام موضوعات الغرب لأغراض تطويع الحياة والواقع العربيان، ولم تكن الحال في العراق، شبيهة بماكاننت عليه الحال الشامية المصرية، ولا مقابلتها الجزيرية خصوصا، ومع ان بقايا السلفية، كانت لها مخلفات محدودة الأثر في الموصل، انتقلت منها الى بغداد، حيث درس "محمد بن عبدالوهاب"، الا ان ان التيار المذكور، لم يجد أي قبول، او انعكاس تمكن ملاحظته هنا، وكذلك الأفكار القومية الشامية، مع ان بعض المهتمين من العراقيين، انشغلوا بالنزعة الإصلاحية المصرية الأولى، وكانوا بالأحرى من الشعراء من أمثال الزهاوي.
فالعراق كان منغمسا ضمن سيرورته الحديثة، السابقة على حضور الغرب والاستعمار، وكانت عملية التشكل الوطني هنا، قد بدات كما هو قانون تشكل العراق تاريخيا، من الجنوب، من ارض "سومر" في القرن السابع عشر، مع ظهور اول الاتحادات القبلية "اتحاد قبائل المنتفك"، وتاريخ التشكل انف الذكر، هو تاريخ الدورة الحضارية العراقية الثالثة، المعاشة والمستمرة الى اليوم، بعد دورتين وانقطاعين حضاريين، الأولى ( السومرية البابلية) والثانية ( العباسية القرمطية)، والثالثة هي التحولية الراهنة، وقد ابتدات مع تراجع مفاعيل الانقطاع، الذي استمر من سقوط بغداد عام 1258 الى القرن السابع عشر، يوم بدات بالتراجع هيمنة مفاعيل الانقطاع، لصالح عودة الديناميات التاريخية الحضارية البنيوية وغلبتها، مسجلة تاريخ حقبتين، شملتا الفترة المذكورة، وصولا لبدايات القرن العشرين، هما: الحقبة القلية الأولى، والحقبة الدينية التجديدية.
وبنزول قوات الاحتلال البريطاني عام 1914 في الفاو، وصعودها شمالا الى بغداد، وانفجار ثورة "مجتمع اللادولة العراقي" بوجهها عام ،1920 دخلت بلاد الرافدين، حقبة تاريخها الحديث الثالثة، حيث هيمن فعل التنازع العنيف على المدى البعيد بين "وطنية التشبه بالغرب"، و "وعي الذات"، وفي حين عجزت القوى المتصدية للمهمة الوطنية في العشرينات، وعلى راسها "الحزب الوطني العراقي" /تاسس عام 1922/ أي تيار جعفر أبو التمن*، وظهر تدني قدراتها، واستحالة ارتقائها لمستوى التحدي التاريخي الكبير، خصوصا وان الوطنية العراقية، أي مقاربة ادراك الذات، هي واحدة من الإشكالات الرافدينية التاريخية يمتد عمرها لسبعة الاف سنة، سمتها الأكبر،التعذر لاسباب استثنائية، بنيوية، لم يكن قد حان أوان حلها كنمط ونموذج مجتمعي تصوري، جوهرها المختلف، من نمط لامجتمعي، ولاثباتي، وتحولي، على خلاف الشائع والمتعارف عليه من أنماط مجتمعية.

من هنا تولدت وانفتحت، إمكانية وفرصة انتعاش نوع اخر من الوطنية الايديلوجية الحزبية، هي بلا شك "وطنية التشبه بالغرب"، ولم تكن الثلاثينات قد انتصفت، الا وكانت الحزبية الايديلوجية، قد تحولت الى قوى محورية في العمل الوطني، ولم يتح زخم الحركة الشعبية من اسفل للقوى الوطنية الأولى، فرصة تزيد على العقد او اقل من الزمن، حين اوجب ضرورة اختفائها من المشهد. دلالة على درجة احتدام الصراع مع الغرب، الحاضر عسكريا واحتلاليا، والذي اضطر مجبرا على اعتماد سياسة "الحكم من وراء ستار"، وهي الصيغة الأولى المبكرة كونيا من صيغ واشكال ماعرف لاحقا في الستينات، باسم "الاستعمار الجديد"، فاقام وقتها عام 1921 ،حكما من "اهل البلاد"، على امل الحفاظ على الممكن من النفوذ، كبديل عن خيار الانسحاب وترك العراق، كما كان الراي الغالب في وزارة المستعمرات البريطانية، ابان ثورة العشرين وتحت وقعها.
ومع ان أحزاب الثلاثينات الايديلوجية قد أقيمت على الجاهز المنقول من الأفكار: الماركسية والقومية، والليبرالية الشعبوية، ومن دون تلاؤم او خضوع للمقتضيات التاريخية الواقعية للعراق والياته التاريخية، ومحركات تاريخه الراهن، ونوع وغايات اصطراعه مع الغرب المستعمر، حضورا ومفهوما، الا ان تلك القوى حظيت خلال الثلاثين سنة الأولى من تاسيسها، ولأسباب خارجة عن ارادتها هي نفسها، على الأقل، وصولا الى ثورة تموز 1958 ،بمكانة، اوحت بالفعالية، واوهمت البعض، لابل التيار العام من النخبة العراقية، بتطابق اجمالي بنية واليات عمل، واستهدافات تلك القوى، مع المجرى الوطني، ومادام تعذر وعي الذات التاريخية قد ظل مستمرا، فان تلك القوى، ماعدا التي ذابت في مجرى الصراع من ذاتها، لحدة درجة انتفاء ضرورتها، مثل التيار الليبرالي، ممثلا ب "الحزب الوطني الديمقراطي"، قد واصلت الحضور، ولو كبديل قائم، عن ضائع منتظر، مايزال العراق على موعد مع انبثاقه.
وحتى حينه، وتشكل الرؤية الوطن كونية العراقية للتاريخ الحديث، تبقى هذه القوى مستمرة على فبركة أنماط من السرديات، عن ذاتها وتاريخها،ودلالات مواقفها اليوم وفي الماضي القريب، وبالأخص منذ 1958 ابان الثورة في حينه، حين بدأالانفصال بين تلك القوى والمقتضيات الوطنية، يصير هو القاعدة المتنامية، وصولا الى التصادم مع وجهة التاريخ، الى ان تحولت حزمة القوى المنوه عنها، الى كابح ومضاد للعملية التاريخية الوطنية العراقية.
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المقصود هو "مأزق الجناع الشيوعي من العملية السياسية الطائفي" كما ورد في الحلقة الأولى وقد ارتاينا عدم تكرار العنوان نفسه.
*في تناقض صارخ يوصف أبو التمن بانه "أبو الوطنية العراقية الحديثة" في حين يتهم كتيار وشخص بالعجز عن بلورة وطنية عراقية مثل تلك التي صاغها الوفديون في مصر او " المؤتمريون " في الهند، والحقيقة انه تجربة عجز وقصور امام مهمة تتعدى في حينه طاقة وادراك من أرادوا التصدي لها.