الفضاء تحت الوصاية الدينية

محمود كرم
2006 / 3 / 6

أفهمُ أن يتم تحويل المساحات الأرضية التي تسيطر عليها مجاميع التخلف الأصولي الديني إلى مناطق خاضعة كلياً للوصاية الدينية مظهراً وتوجهاً وفكراً وممارسة ، ولكن أن يتم التوسع في السيطرة ليشمل الفضاء الحر فهذا أمر في غاية الغرابة ..!!

في الحقيقة كان استغرابي شديداً حينما قرأت عن نية أحد رجال الأعمال السعوديين في رفع دعوى قضائية على موقع ( إيلاف ) الإلكتروني وموقع ( الحوار المتمدن ) على اعتبار أن هذه المواقع تنشر ما يسيء للإسلام على حد قوله ..!!

حقيقةً أعجز عن فهم أن الفضاء الافتراضي والشبكة العنكبوتية يجب أن تلتزم بإسلام أصحاب الفكر الأصولي المتزمت الذين يجدون في هذه المواقع تعدياً على إسلامهم ومن ثمّ يريدون اسكاتها عبر تهديدها بدعوى قضائية ، فالشبكة العنكبوتية ليست مهبطاً للوحي الأصولي الديني وليست مساحة جغرافية دينية أخرى حتى تكون خاضعة للوصاية الدينية المقيتة وخاضعة لأحكامهم وتعليماتهم وأوامرهم ..

ولا أعرف كيف خلصوا إلى حقيقة هم يرونها يقينية لا تقبل التشكيك وهي أن الإسلام يجب أن يبقى ملكاً لهم فقط دون غيرهم وكأن الإسلام شركة تجارية تابعة لمؤسستهم المالية وعليهِ فأنهم أصبحوا يتحدثون بإسم الملايين من المسلمين عن الإسلام الذي يرون أنه قد تعرض للهجوم والإساءة في المواقع الإلكترونية التي يزمعون بكل جهد وحزم وعزم أن يلاحقونها قانونياً .!!

المسألة ليست مجرد دعوى قضائية ولكنها في حقيقة الأمر تضعنا أمام مشهد كارثي يتمثل في الفكر الإقصائي عند جماعات التخلف الديني والذي وصل إلى حد اخضاع الفضاء تحت وصايتهم المستبدة ..

أتساءل أمام هذه العقلية الدينية المسكونة بنزق الوصاية على خلق الله هل بلغ الحد بها إلى درجة أنها تطمح للسيطرة على الفضاء الرحب وتركيع الشبكة العنكبوتية لتوجهاتها وأوامرها وأدبياتها الكهنوتية ولكم أن تتصوروا كيف سيكون حالنا مع الأنترنت إذا تمت السيطرة عليه من قِبل هذه العقلية المتيّمة بتنفيذ أحكام الخلافة الإسلامية ..

ولا أدري لماذا لم تنفجر غيرته وتستثار حميته على الإسلام الذي تم خطفه على أيدي الإرهابيين أمثال بن لادن والظواهري ومن يسير على نهجهم التدميري والتكفيري والظلامي وخاصة أن هؤلاء قد ألحقوا ببلده السعودية التخريب والدمار والتفجير وكان آخرها محاولة تفجير مصافي النفط في منطقة ابقيق ..!!

ولا ندري أين هو وغيره ممن هم على شاكلته الساعين بكل قوة للقضاء على الفكر الحر من عصابات الذبح الدينية التي تجد الإسلام في ممارسة أعمال التفجير والقتل والدمار في العراق وباقي الدول العربية والإسلامية ، فهل هؤلاء لا يسيئون للإسلام في نظره ونظر غيره وقد نجدهم يدافعون عن الإسلام المتمثل في القتل والتفجير والتخريب وترويع خلق الله وذبح الأطفال وتدمير البنى الأقتصادية ودور العبادة ..؟؟

وأتساءل هل مَن يحاول نقد الفكر الديني عبر القلم والفكر يعتبرونه في نظرهم خطراً على الإسلام والمسلمين بينما مَن يقوم بالتفجير والتدمير وقتل الناس هنا وهناك مدافعاً عن الإسلام والمسلمين ..!!

وأتساءل لماذا يلجأ الإسلاميون إلى اسكات غيرهم وقمع أفكارهم والتسلط عليهم وممارسة أبشع أنواع الوصاية الدينية عليهم لمجرد أنهم يختلفون معهم بالرأي والفكر وقد يكون رفع دعوى قضائية على مواقع إلكترونية نوع من الإبداع الديني تفتقت عنه ذهنيتهم الهجومية المتلذذة بقمع الآخرين والنيل منهم فضائياً ..!!

وأتساءل كيف توصلوا إلى أن ما يتم نشره في تلك المواقع يعتبر هجوماً على الإسلام ويجب عليها أن لا تسمح بنشر الكتابات التي يرونها تخالف نظرتهم للدين ولماذا لا يرفعون دعوى قضائية مماثلة على المواقع الدينية التي تنتشر في الفضاء الأنترنتي كالوباء والمرض وتنشر فتاوى القتل والتفجير والإرهاب فهي التي تسيء للدين والإسلام ..

وأتساءل حقيقةً لِمَ لم يتوجه رجل الأعمال المنافح عن الإسلام وغيره من الإسلاميين إلى الحديث عن الاختراقات الإرهابية الفضيعة التي تُرتكب بحق الإنسان هنا وهناك ولم تثر حميتهم الدينية تلك الأعمال المنافية لأبسط حقوق الإنسان وإنما ثاروا وضاقوا ذرعاً برأي كاتب يريد أن يتلمس طريق التنوير والوعي في مجتماعتنا الخاضعة للوصاية الدينية المتزمتة ..

ونتساءل لماذا يتم حشر الإسلام في كل شاردة وواردة ويتم الدفاع عنه بطرق إرهابية قمعية تسلطية استلابية لحق الآخرين الإنساني في نقد ما يرونه مخالفاً لروح التسامح وتشويهاً لقيم الدين الحقيقية ومعادياً للقيم الإنسانية ..

في الحقيقة نحن أمام معضلة شديدة التأزم تتمثل في عدم اتساع صدر الإسلاميين للرأي الآخر والسعي نحو اسكاته بالتهديد تارةً وتارةً أخرى بالتصفية الجسدية وتارةً ثالثة بإسكاته فضائياً ..!!