الطريق إلى براءة او إدانة طارق رمضان

مختار سعد شحاته
2018 / 2 / 8

التاريخ الحي مفتاح براءة طارق رمضان أو إدانته

الذاكرة الرقمية ربما كانت المفتاح:
- "أنا قتلت ما يزيد عن ألف شخص".
ما رأيك عزيزي القاريء في الجملة السابقة؟ وما رأيك لو كتبتها ونشرتها خلال مواقع التواصل الاجتماعي، ثُم تداولها الأشخاص، هل ستصبح دليل إدانة لي؟ لماذا؟
أحاول في بحثي للماجستير تقديم آلية جديدة لسرد التاريخ، أسميها "التاريخ الحيّ"، وهي آلية تعتمد في جانبها على التكنولوجيا والذاكرة الرقمية للعالم المعاصر والتي صار عالم "الإنترنت" واحدة من أهم الذواكر البشرية على الإطلاق، ولكن هل يمكن اعتبار ذلك الذي تحتويه تلك الذاكرة الرقمية هو الحقيقة بعينها؟ هل يمنع ذلك أن نزيف ما حدث إن كُنا لن نستطيع تغيير الذاكرة الرقمية؟ الأمر يحتاج إلى ما أسميه أيضًا الضوابط الرقمية ثم الضوابط العقلية، وهي ما يمكن من خلالها الوصول إلى أقرب ما يكون قد حدث حقيقةً، ففي المثال السابق لو افترضنا أنني نشرت الجملة السابقة، فينبغي مراجعة الذاكرة الرقمية التي تتعلق بما أقول من جرائد وصحف ومواقع إخبارية وتصريحات مسئولين، حتى والبوستات الشخصية للأفراد ذوي العلاقة بالموضوع، ثُم بعد ذلك يمكننا أن نعرض تلك الذواكر الرقمية على المنطق العقلي، إذ تقف حدود الذاكرة الرقمية في كثير من الأحيان عند مجرد تقديم ما حدث، وليس حقيقة ما حدث، فهي تسجل كا ما حدث بغض النظر عن صدقه أو كذبه، وبعدها يأتي دور المنطق العقلي الذي يحكم ويستنتج حقيقة ما حدث.
طارق رمضان بريء حتى تثبت إدانته:
طالعتنا الصحف الفرنسية ووسائل الإعلام الفرنسية باتهام السيد "طارق رمضان" والمنتمي إلى التيار الوسطي الإسلامي في أوربا، والذي يحاول منذ سنوات توضيح حقيقة الإسلام للعالم الأوربي، وحلحلة فوبيا عظيمة تكبر حول الإسلام والمخاوف منه "الإسلام فوبيا"، طالعتنا الصحف باتهام للشخص باغتصاب/ أو محاولة اغتصاب وتحرش بامرأة من أصول مغاربية عربية، وقامت الدُنيا ولم تقعد حول الرجل، وتصيد من تصيد وتاجر من تاجر بالقضية على الجانبين.
أعترف في الحقيقة بأنني بشكل شخصي لستُ نصيرًا للأفكار الإسلامية الراديكالية، ويزداد يقيني كل يوم بأنني في حاجة إلى خطاب أكثر علمانية لتوضيح حقيقة الإسلام، وان الإسلام والعلمانية في جوهرهما ليسا ضدان، على أن يكون خطابًا معتدلاً يدفع الاتهامات والافتراءات بشكل يحترم العقل البشري وإنسانية العالم، وفي قضية طارق رمضان، حتى لو كنتُ أختلف فكريًا مع مدرسته الفكرية، لكن أرى مقالي ذلك انتصارًا لقيم أدعمها ودفاعًا عن حقوق البشر في عدالة المحاكمات وتداول القضايا، بغض النظر عن اختلاف اللون والعقيدة والجنس، ففي أبسط حقوق الرجل وغيره "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، وهنا لن أتغاضى عن ما يحدث للرجل من محاولة تشويه لمجرد أنه يخالفني الأفكار والتوجهات، وكأنني لحظتها أقول أن العنف والعنصرية ما دامت بعيدة عن شخصي وأفكاري فلا بأس بها!!
الإسلام فوبيا وعنصرية أوربية جديدة:
الحقيقة أنني أكتب ذلك احترامًا لحقوق الرجل مهما كان توجهه، وانطلاقًا من رفضي للعنصرية وفوبيا الآخر التي تتصاعد في العالم وتغذيها صيحات متشددة في أوربا ضد كل ما هو غير أوربي أو مخالف في العقيدة، والتي أخذت صورتها في عداوة الجالية الإسلامية هناك، حتى وإن كان لها ما يبررها لكنها تخلط الحابل بالنابل، مستغلة ما يمر به العالم من تطورات وقفزات خاصة في العالم العربي الإسلامي واستغلالها بشكل عنصري مقيت للترويج لهذه الفوبيا وتلك العنصرية، بينما يغضون الطرف عن آلاف الحالات للقتل والاغتصاب والعنصرية ضد المواطنيين في أفريقيا وسوريا واليمن، وكان ذلك كله يكفيه مجرد خبر على شاشة التلفاز وفقط، وهو منطق استعلائي وعنصري بغيض.
التاريخ الحي طريق الحقيقة:
إذن ما الحل؟ هل نكتفي بمجرد الصراخ ومقابلة تلك الهجمة العنصرية نحو الإنسانية بمزيد من الشجب وفقط؟ الحقيقة لا، بل أرى أننا يمكننا أن نستثمر قليلاً ونطبق آلية التاريخ الحي على قضية طارق رمضان، فيمكننا العودة إلى الذاكرة الرقمية لكل أطراف القضية ومراجعة ما تحفظه هذه الذاكرة والتي في أغلب حالاتها لا يمكن التلاعب فيها، حتى وإن تمَّ التلاعب فيها يمكن كشف ذلك من قبل المتخصصين بسهولة، إذن على كل المناصرين للقضية أن يتخلوا عن فكرة مناصرة الشخص لمجرد أنه يمثل أفكارًا آمنوا به أو توجهًا يرتادون طريقه، إنما عليهم أن يتجردوا ليكشفوا الحقيقة حول ما حدث، إذ يمكن الرجوع إلى الذاكرة الرقمية للمتهم والمتهمة وكل الأطراف والأماكن والأزمنة التي تستدعيها تلك القضية، ثم عرضها أمام الناس، ونتركهم يحللون ويستنتجون طبقصا للمنطق العقلي حقيقة ما حدث، وهل "طارق رمضان" مذنب ويستحق العقاب، أم "ضحية" جديدة من آلاف الضحايا للعنصرية والإسلامفوبيا؟! الأمر بسيط، لكنه واجب، إذ أننا ستتكرر معنا في يوم ما، فكثيرون منا يعيشون مغتربين بعيدين عن اوطانهم لأسباب شتى، لكنهم لا محالة متى تخاذلوا عن دعم الوصول إلى الحقيقة في هذه القضية، سيتعرضون لها في المستقبل، ووقتها ستدور عليهم نفس الدائرة البغيضة، دائرة العنصرية والفوبيا البغيضة من الآخر وكراهية كل من يختلف معي.
أيها السادة،
أدعوكم إلى مراجعة الذاكرة الرقمية التي لا تموت، والتي يمكن استدعاؤها في عصرنا المعاصر، وكذلك ادعوكم إلى البحث عن اطراف القضية، وهنا لا أوزع الاتهامات بل أحاول أن أحيد نفسي، وأن انتصر لما أؤمن به، وهو حق الجميع في الدفاع العادل حتى لو اختلفت معه، لكن ذلك لا يمنع أن أكرر مثل غيري وأنبه إلى أن الإسلام فوبيا صارت فاشية جديدة تضم إليها الإعلام الأوربي في كثير من الأحيان، وتستثمره لأجل مصالحها العدائية، وإلا فليقل لي شخص كيف يمكن لبد كانت قبلة الحريات "فرنسا" أن تسمح بالقبض والتشهير بالرجل بلا أي دليل قاطع وحاسم، وتضرب عرض الحائط بالقوانين الدولية والفرنسية ومبدأ براءة المتهم حتى تثبت الإدانة.
أخيرًا،
هذا المقال ليس تضامنًا مع شخص طارق رمضان، قدر ما هو تنبيه إلى الأسوأ القادم الذي يخبرنا بأن العالم الأوربي يتجه ضمنيًا في كثير من شرائحه نحو عنصرية عصرية جديدة، ستستغل كافة الإمكانيات للترويج لعنصريتها التي ستغلفها بكلمات براقة وجذابة وفي حقيقتها لا تنتصر غير لعنصرية وكراهية الآخر، ففي مصر وحين اختلفت مع كتلة الإخوان المسلمين، لم يمنعني ذلك من كراهية ما حدث لهم من قتل وسجن على المشاع، حتى وإن كانت مواقفهم الثورية لم تدعم تيار الثورة المصرية المجيدة في مصر في 25 يناير 2011، لكن ذلك لم يمنع قطاع عريض من الثوار أنتمي له أن يصرخ بأن ما يحدث لهم من قتل وسجن جريمة في حق الإنسان، دون أن أتخلي عن موقفي الرافض للفكر الإخواني والأسلمة المفتعلة لكل شيء في عهد حكمهم عام واحد لمصر بعد الثورة، وهو لا يختلف عن موقفي من دعم طارق رمضان، فهو رغم اختلافي الفكري معه، له الحق في قضاء عادل وله حق الدفاع ضد العنصرية والإسلاموفوبيا، حتى لو كُنت من أشد المختلفين مع فكره وطريقته، ولأن المبدأ لا يمكن أن يتجزأ، فإن دفاعي ذلك هو دفاع عن العدالة، هو حرب ضد العنصرية التي ستاكل إنسانيتنا لو دفنا رأسنا في الرمال بدعوى أنه لا يهمني لأنه مختلف معي.
القاريء العزيز:
انتبه جيدًا؛ فالعنف يدور مع العنصرية دورة بغيضة اليوم يعاني منها غير الأوربين -ومنهم المسلمين- في أوربا، وغدًا سنعاني نحن منها في أماكننا لأنها ستدور حتى تصل إلى حيث نكون، وهي عنصرية شاملة يمكن أن تكون إسلاموفوبيا أو تكون إسلاميين رديكاليين متشددين أو مسيحيين أو يهود أو أي دين سمح لأفراده أن يعلو على العالمين ويدهسوا إنسانيتهم بقلب بارد.
فهل ندرك أنفسنا قبل فوات الأوان؟