تأملات في أشعار جماعة الموجة الثقافية

عبيد لبروزيين
2018 / 2 / 4

تلتئم جماعة من الشعراء المغاربة، في جماعة يمكن أن نطلق عليها، جماعة الموجة الثقافية الجديدة، يتقاسمون رغيف الشّعر، ويلعنون الظلام المستشري في جسد الإنسان، همسا تارة وجهرا تارات أخرى، جماعة تكتب بنفسها آلامها وآمالها، تكتب للحياة، لا تؤمن إلا بالإنسان، شعارهم "عاش الإنسان ولا عاش من خانه"، الإنسان طبعا، بمفهومه الكوني الذي يتعدى الجغرافيا والتاريخ، غير أن هذا الإيمان، اصطدم بواقع ثقافيّ مترهل، حيث هيمن الخطاب السياسيّ، واتسع حجم الدمار، ونشبت الحروب في كل مكان بعد الربيع الديموقراطي لسبب من الأسباب، بيد أن جلها بسبب السلطة والمال، فانتصر القبح على الجمال بشكل مثير للتقزز.
أمر أدى لدى هؤلاء الشعراء إلى مساءلة الذات المتشظية، القلقة والمضطربة، بل وتم حشرها، في ظل هذا الزخم اللامتناهي من أحداث الدم، في ركن مظلم، أمام ما أطلقنا عليه سابقا المثقف السلطة، إنه المثقف الصنم الذي سيطر، بتواطؤ مع السلطة، على مجمل أنشطة الحياة الثقافية، ونصب نفسه ناطقا باسمها، مركزية أحادية أنانية تقتل، وقتلت، كل أمل في التجدد والحياة.
وفي ظل هذه الأوضاع المتردية للإنسان، ظهرت جماعة الموجة الثقافية الجديدة، لتتغنى بقيم الحب والأمل والسلام، والثورة تارة والانكسار أخرى أمام الوحدة والغربة والتمزق السرمدي جراء ما يحصل، إنها أسماء شعرية تناضل ليسمع أنينها الثقافي، وتحارب، بصبر وأناة، لإعلاء قيمة الإنسان. ونذكر من بين هؤلاء الشعراء، محمد مقصدي، وعز الدين بوركة، ومحمد العياشي، وزكية المرموق، ومحمد الشيكي ورشيد فجاج...
محمد مقصدي: التصوف والسخرية
سماء تسقط بلا ملائكة، ديوان شعري صدر عن منشورات مؤسسة الموجة الثقافية 2017، يتوغل الشاعر في أعماق نفسه ليكتشف الكهوف البلورية التي لم يصل إليها غيره، فها هي قصيدته الأولى "مبادئ جوهرية في التحليل النفسي" تكشف عن تصور علماني ساخر لأعداء الإنسان، فيتحول هذا الموقف إلى حلول في الوقت والهواء والرمل، إنه التجلّي المطلق في الأشياء، يقول الشاعر:
ولما التفتّ
خلفي
رأيت عيني تنظر إليّ
ورأيت دم الوقت يسيل
فوق الرمل
وقفت فوق جسدي لأري أبعد..
انزياحات دلالية في منتهى الغرابة، لم يكن جون كوهين مخطئا عندما قال بأن الشعر استعمال خاص للغة، فها هو يسند الدم للوقت ويجرده من معناه المجرد، ويقف فوق جسده لتتضح له الرؤية، إنه تجاوز للجسد الإيروتيكي، وتعال يذكرنا به الشاعر بالإنسان الذي تنشده هذه الجماعة....
محمد العياشي: جدلية الحياة والموت
أزهار نيتشه، ديوان محمد العياشي الأخير، صادر بدوره عن مؤسسة الموجة الثقافية، وكأن حنق الفيلسوف الألماني نيتشه من الحياة نقله لشاعرنا، غير أنه نوع من الاغتراب الوجودي القاتل، سببه موت الإنسان الرمزي، الإنسان الذي تكلست أحاسيسه، وتشيّأ فأصبح فارغا من كل شيء، إنسان القبح، هذا ما جعل شاعرنا يرفض هذا الواقع، رفض أدى به للتقوقع على نفسه، يهيمن عليه اليأس/الموت ويتطلع للأمل/الحياة، جدلية تعكس نفسية قلقة ومضطربة، لا يمكنني أن أقول عن محمد العياشي إلا أنه شاعر أخطأ زمانه، يقول:
كل شيء يدعو إليّ الأسى
شايي المسائيّ صاحبي والجريدة
ويستمر الأسى في ديوان أزهار نيتشه بشكل غريب، إنه الشبع حد التخمة من الحياة، ومن الأيام المستنسخة والكربونية، يقول أيضا:
لم يعد لي شيء يمتّعني
لا المتنبي، ولا حياتي الوحيدة
لا لزومية المعري ولا أزهار بودلير
وهي حولي مديدة
أزهار الشر حول صاحبنا من كل جهة، غير أن هذه الوحدة والغربة القاتلتين، تتحول إلى أمل في الحياة، في قصيدة أضيء الظلام بالقصيدة:
أضيء بالقصيدة جوف الظلام
وسر المرام بغير ارتطام
أضيء عتمات الدجى المكفهر
أضئه عميقا لأجل السلام...
زكية المرموق: حضور الغياب
تحضر ذكرى الغائب في خاطر الشاعرة بشكل ملفت في ديوانها "كل غياب وأنت قريب"، فتتقد نارها، ويزداد لظى الذكرى، ذات مكلومة بالغياب، الغياب الماضي، القابع هناك في جزء من الذاكرة، هكذا تستحضر زكية المرموق تفاصيل المجهول/ الغائب، تستحضر عيناه قائلة في قصيدة بعنوان "رغيف الماء":
عيناك شرفتي
وعرش كل هذا الامتداد
فخذني إليّ
كي لا أعود بثقب في الذاكرة
القطار مآذن المنفى
الغائب/ الإنسان، الإنسان الذي فقدناه جميعا في أتون اليومي، والزحام وأزيز السيارات، هكذا تنشد الشاعرة، بكل حب عودة الغائب، ليكونا معا في جسد واحد "فخذني إليّ"...
عاش الإنسان ولا عاش من خانه..