انهيار -الوحدة- - البلشفية طريق الثورة

آلان وودز
2018 / 2 / 4

البلشفية طريق الثورة

الفصل الثالث: مرحلة الردة الرجعية

انهيار "الوحدة"


آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

بعد اجتماع باريس، كتب لينين إلى أخته آنا إليتشنا قائلا:


«لقد مررنا بأوقات "عاصفة" في الآونة الأخيرة، لكنها انتهت بمحاولة لعقد السلام مع المناشفة. نعم، نعم، هذا غريب كما قد يبدو؛ فقد أغلقنا الصحيفة التكتلية ونحاول جاهدين تعزيز الوحدة. سنرى ما إذا كان يمكن تحقيق ذلك»[1]

تظهر لهجة هذه الرسالة أن لينين كان متشككا منذ البداية في آفاق الوحدة، ومن الواضح من خلال عبارة "الأوقات العاصفة" أنه قد استعملت كلمات قاسية أثناء النقاش بين لينين وبين رفاقه التوفيقيين. لكنه اضطر في النهاية إلى إفساح المجال للمحاولة، على الرغم من تشككه، كما يظهر من قوله: "سنرى ما إذا كان يمكن تحقيق ذلك". فمن أجل إقناع رفاقه كان من الضروري المرور عبر التجربة.






حذر لينين كامينيف قائلا: «أنا لا أرى أي إمكانية للقيام بعمل مثمر مع التصفويين، سواء اليمينين أو اليساريين، وخاصة مع تروتسكي، لكني لا أعترض على ذهابك إلى فيينا لأعطيك فرصة لترى بنفسك بأنني على حق» /صورة ليف كامينيف (1883 - 1936): Wikimedia Commons

كتبت كروبسكايا: «يعتقد إيليتش أنه يجب القيام بأكبر التنازلات في ما يخص القضايا التنظيمية، دون أن يتراجع ولو شبر واحد في ما يخص القضايا المبدئية»[2]

مباشرة بعد انتهاء الجلسة العامة استدعى لينين اجتماعا للفصيل البلشفي. تبين هذه الحقيقة أن الفصيلين استمرا في العمل تماما كما كانا من قبل. وبعبارة أخرى، فإن الجلسة العامة لم تحل أي شيء على الإطلاق. لم يكن يمكن لأي اتفاق مع المناشفة التصفويين إلا أن يكون مؤقتا وينهار حتما. من المستحيل مزج الثوريين مع الإصلاحيين مثلما هو من المستحيل مزج الزيت مع الماء. إن التباعد المتنامي بين البلاشفة والمناشفة جعل من جلسة يناير العامة مجرد هراء، مما ترك تروتسكي في كتلة غير طبيعية مع المناشفة، الذين لم يكن يجمعه معهم من الناحية السياسية أي شيء على الإطلاق. واصلت برافدا مناشداتها من أجل الوحدة، غير أن الواقع أثبت استحالة ذلك. حاول تروتسكي الدعوة إلى كونفرانس للحزب في نوفمبر 1910. وقد وصف لينين موقف تروتسكي بأنه "مغامرة غير مبدئية". لينين الذي مر بتجربة توحيد الحزب منذ عام 1906، صار مقتنعا بالفعل بأن الانشقاق كان، عاجلا أو آجلا، أمر لا مفر منه. كان سلوك المناشفة التصفويين قد صار عقبة في طريق الطبقة العاملة. لم يكن لينين يتردد أبدا من التوصل إلى خلاصات جريئة عندما تتطلب مصالح الحركة ذلك، لكن كان عليه أن يعمل على إقناع رفاقه. وهو الشيء الذي لم يكن سهلا.

أدى نمو الحركة الثورية إلى زيادة حدة التناقضات داخل الحزب. وبينما كانت الجماهير تتحرك نحو اليسار، كان المناشفة التصفويون يتجهون أكثر نحو اليمين. كان من الواضح أن الأوضاع تقود في اتجاه الانشقاق. أظهر ذلك عدم جدوى المحاولات التوفيقية و"جلسة يناير العامة". لقد أكدت الأحداث صحة تقييم لينين للجلسة العامة. فالتصفويون، كما رأينا، خرقوا جميع الاتفاقات. وحافظت الفصائل على مراكزها وأجهزتها التكتلية المنفصلة، بينما استمرت تمدح فضائل الوحدة في العلن. وفي نفس اليوم الذي تلا أداء القسم بالولاء الذي لا يتزعزع للوحدة، بدأ التصفويون بتنظيم تكتل شرعي تحلق حول الصحيفتين الشرعيتين ناشا زاريا وديلو زيزني. كان هؤلاء (بوتريسوف وليفيتسكي، وغيرهما) يمثلون الاتجاه اليميني المتطرف داخل المناشفة. أما الفصيل المنشفي الآخر، المتحلق حول غولوس سوتسيال ديموكراتا بزعامة مارتوف ودان وأكسلرود، فقد كانوا فقط "تصفويين خجولين"، يقفون أقرب إلى التصفويين اليمينيين منهم إلى الجناح الثوري الحقيقي للحزب. أما على "اليسار" فقد واصل الفبريوديون (بوجدانوف ولوناتشارسكي وألكسينسكي) أنشطتهم التكتلية بعد أن انشقوا عمليا عن البلاشفة، وبدأوا في تنظيم "الجامعات" التكتلية الخاصة بهم. ومن المفارقات أن الفبريوديين اليسراويين المتطرفين كثيرا ما وجدوا أنفسهم في تكتل غير مبدئي مع المناشفة ضد البلاشفة.

وخلف الواجهة، لم يستمر الصراع الفصائلي فحسب، بل احتد وتحرك لا محالة في اتجاه الانشقاق. استمرت جريدة المناشفة غولوس تصدر، وتشن الهجمات على مجموعات الحزب السرية وعلى المناشفة الموالين للحزب؛ كما عمل مارتوف ودان وأكسيلرود ومارتينوف على نشر "بيان" يدعو إلى إنشاء "حزب شرعي مفتوح"، وما إلى ذلك. وبعبارة أخرى فإن الاتفاقات التي تم التوصل إليها خلال الجلسة العامة لم تكن تستحق حتى الورق الذي كتبت عليه. بحلول نهاية عام 1910، كان لينين قد بدأ يطالب بالفعل بإعادة الأموال البلشفية، لكن دون جدوى كما كان متوقعا. لم يندهش لينين لهذه النتيجة، فقد توقع ذلك، لكنه مر من تجربة الجلسة العامة، التي اعتبرها شخصيا "غبية" و"مدمرة"[3]، لإقناع رفاقه التوفيقيين باستحالة الاتفاق. وحذر لينين كامينيف قائلا:


«أنا لا أرى أي إمكانية للقيام بعمل مثمر مع التصفويين، سواء اليمينين أو اليساريين، وخاصة مع تروتسكي، لكني لا أعترض على ذهابك إلى فيينا لأعطيك فرصة لترى بنفسك بأنني على حق»[4]

سرعان ما تبين أن لينين كان على حق، فكامينيف، الذي اختلف مع تروتسكي، قدم استقالته من هيئة تحرير برافدا، في 13 غشت 1910.

لكن حتى بعد أن أصبح واضحا أن المناشفة لن يحترموا قرارات الجلسة العامة، فإن التوفيقيين البلاشفة استمروا في محاولاتهم غير المجدية للوصول إلى "الوحدة". أجرى الأعضاء البلاشفة في اللجنة المركزية مفاوضات لا نهاية لها مع التصفويين بهدف تنظيم اللجنة المركزية، لكنهم لم يحصلوا على أي نتيجة. في مذكراته، يصف بياتنيتسكي فرحة التوفيقي نوغين بعد جلسة يناير العامة:


«في حين كان نوغين يخبرني عن قرارات الجلسة العامة كان يكاد يختنق من الفرح بحقيقة أنه صار أخيرا من الممكن توحيد المناشفة والبلاشفة للقيام بمهام عملية في روسيا (كانت الجلسة العامة قد نددت بقوة بالتصفويين والمقاطعين) ومن الآن فصاعدا سيشارك "المواطنون" في العمل. لم يكن هناك سوى شيء واحد يثير قلقه، هو أن الرفيق لينين يعارض بشدة جميع قرارات الجلسة العامة التي تقدم تنازلات للمناشفة والقرارات التي تعرقل عمل البلاشفة بجعلهم يعتمدون على ممثلين عرضيين "للوطنيين"، على الرغم من أنه انضبط لقرار أغلبية أعضاء اللجنة المركزية البلاشفة. قال لي نوغين بمرارة إن لينين لم يفهم الأهمية الحيوية لوحدة الحزب بالنسبة للعمل داخل روسيا»[5]

لم يكن لتلك الأوهام أي أساس من الصحة. سرعان ما بدأت قرارات الجلسة العامة تتهاوى. كان البلاشفة في وضع أضعف من ذي قبل. وصاروا الآن يعتمدون على ممثلي الاشتراكيين الديمقراطيين البولنديين والليتوانيين للدفاع عن قرارات لائقة داخل هيئة تحرير سوتسيال ديموكرات. كان وضعهم المالي أسوأ بكثير، وصاروا يعتمدون على مكتب اللجنة المركزية في الخارج للحصول على المال. كان موقفا لا يطاق. ومما زاد الأمور سوءا هو أن البلاشفة كانوا الوحيدين الذين نفذوا قرارات الجلسة العامة. كانت نتيجة السياسة التوفيقية سلبية تماما. في عام 1911، قال لينين، بحق، إن الجلسة العامة استنزفت قوة الحزب لأكثر من عام. ومع ذلك، فإن انتكاسة البلاشفة كانت ظاهرية أكثر مما كانت حقيقية، فالشيء الحاسم لم يكن هو التوليفات الاصطناعية التي تحدث في القمة، بل ما كان يحدث بين قواعد الحزب في روسيا. بعد فشل مغامرة يناير، استؤنفت عملية التقارب بين البلاشفة والمناشفة الموالين للحزب في جميع أنحاء روسيا: أوكرانيا وساراتوف وأورال ونيجني نوفغورود ولاتفيا وغيرها من المراكز، وكانت القوى الحقيقية للحزب منخرطة في عملية إعادة التجميع. داخل روسيا، دعمت الأغلبية العظمى من العمال المناشفة بليخانوف، وأصبحوا الآن أقرب إلى البلاشفة في العمل المشترك.

كان من الآثار الجانبية الهامة لهذه الأحداث أنها لعبت دورا أيضا في تطوير وعي لينين بالانتهازية كظاهرة أممية بسبب الدور الذي لعبه قادة الأممية في النزاع الداخلي للحزب الروسي. إلى حدود تلك اللحظة كان لينين يعتبر نفسه "كاوتسكيا" أرثوذكسيا، في الفترة التي وقف فيها كارل كاوتسكي - على الأقل ظاهريا- على يسار الأممية الثانية. لكن موقف المماطلة الذي تبناه كاوتسكي في ما يتعلق بالصراع بين الجناحين اليميني واليساري داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي أثار شكوكا جدية في ذهنه. لقد تفاجئ لينين من تصرف قادة الأممية الاشتراكية، وأصيب بصدمة عميقة بسبب السلوك اللامبدئي الذي قام به كاوتسكي والممثلون الآخرون للمنظمة الأممية الذين دعموا في الواقع التوفيقيين، ونشروا مقالاتهم في الصحافة الاشتراكية الديمقراطية الأممية. وقد تأكدت هذه الشكوك بعد غشت 1914، عندما قام كاوتسكي، إلى جانب جميع القادة الآخرين للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، باستثناء مشرف لكارل ليبكنخت، باقتراف خيانة مخزية لقضية الاشتراكية الأممية.

إن لهجة لينين الحادة تفسرها حقيقة أنه كان معزولا تماما، حتى داخل فصيله. كان بإمكانه أن يرى أبعد من الآخرين، لكنه كان عاجزا عن العمل بناء على حدسه. حتى هو نفسه لم يتوصل إلى استنتاج أن الانشقاق أمر لا مفر منه إلا بعد تردد كبير. وربما كان الخط الفاصل بالنسبة للينين هو عام 1910. لكن ومع ذلك فإن الانشقاق الرسمي لم يحدث إلا بعد مرور عامين. لم يكن هذا من قبيل الصدفة، فلينين كان يجد نفسه باستمرار في موقع الأقلية بين قيادة الفصيل البلشفي. لم يكن ذلك مفاجئا، فينبغي ألا ننسى أن فكرة الانشقاق بين الاشتراكيين الديمقراطيين الثوريين وبين الإصلاحيين كانت فكرة جديدة تماما (باستثناء فرنسا التي كانت قد شهدت في وقت سابق الانشقاق بين مؤيدي غيسد ومؤيدي جوريس، وبلغاريا، لكن هذه كانت استثناءات من القاعدة). أما على الصعيد الأممي فإن الانشقاق لم يحدث حتى عام 1914 - 1915. لكن فاجعة غشت 1914 كانت ما تزال حدثا ينتمي للمستقبل.

هوامش:


1: Letter to his sister Anna, February 1, 1910, LCW Vol. 37, 451.

2: Krupskaya, Reminiscences of Lenin, 206

3: LCW, Letter to A. Rykov, February 25, 1911, vol. 34, 443

4: O Vladimire Ilyiche Lenine. Vospminaniya, 1900–1922

5: O. Piatnitsky, Zapiski Bol’shevika, 153