مازق الجناح-الشيوعي- من العملية السياسية الطائفية

عبدالامير الركابي
2018 / 2 / 2


مازق الجناح المسمى الشيوعي، من "العملية السياسية الطائفية" القائمة في العراق منذ 2003 تحت الاحتلال الأمريكي، والحضور الإقليمي غير المسبوق، سائر كما هو متوقع الى التفاقم بعد ان تفجر علنا، على الأقل في الجانب "الطائفي” منه بين العرب السنة "احسان عاكف" والعرب الشيعة وممثلهم " الحلفي"، الملتحق بتيار الصدر علنا..وكانت الهيمنة الكردية أصلا هي محرك هذا التيار، وهي التي أسهمت في ترجيح بعض مواقفه. والمعلوم ان الحزب المذكور كان قد جرت عملية تكريده، منذ عام 1964 مع سطو "عزيز محمد" برعاية دولية، على قيادة الحزب، مستغلا ظروف حملة التصفية التي نفذها البعث في شباط عام 1963 ، وبالأخص جناحة العربي التاسيسي، الى ان تمت التصفية الثانية، في المؤتمر الرابع للحزب، المنعقد في كردستان عام 1985، بالاقدام على طرد كل من ينتمون الى الحزب الشيوعي الجنوبي العربي، لصالح حزب كردي، كان بالاصل كتيار احد ضلعي عملية التحضير والتهيئة الغربية لانقلاب 1968، وريث العملية الأولى الاضطرارية التي لجأ لها الانكليز عام 1921 ،حفاظا على الحد الأدنى من النفوذ، بعد ثورة "مجتمع اللادولة" العراقي غير المتوقعة ولا المحسوبة عام 1920 بوجههم.
والرؤية الايديلوجية تعمد عادة بكل طاقتها، الى الغاء وإزالة أي مظهر من مظاهر الصراع "الطائفي" والمجموعاتي، داخل الحزب الشيوعي، برغم انه، كان قائما باستمرار، وتركز بالدرجة الأولى بعد اعدام "فهد" يوسف سلمان، باحتدام المنافسة العربية الكردية، مع حضور لايمكن تجاهلة لليهود البغادة، مع ضعف دور السنه العرب منذ تراجع مكانة "حسين الرحال"، ولم يحسم الصراع بين التيارين وقتها، الا في منتصف الخمسينات، بعودة القيادة الى الجنوب مع صعود "سلام عادل" لقيادة الحزب، الامر الذي انتهى بعد ثورة تموز 1958وانقلاب 1963 ليضع الاكراد، ومشروع "بعثيي الجبال"، كقوة مساندة الى جانب حزب البعث بعد عام 1968، موضع التنفيذ، في وقت ماعاد فيه الحضور اليهودي قائما، مافتح الباب على مصراعية امام عملية تصفية بقايا الحزب، بما هو كقوة تستمد زخمها من دفع مجتمع اللادولة الجنوبي ( ارض السواد) من الداخل، بالاخص بعد فشل مشروع التحالف مع حزب البعث لاسباب خاصة بالنظام البعثي منذ 1977/ 1978.
وتتداخل مزدحمة، الأسباب المفضية لتحول هذا التيار، الى قوة فارغة من أي معنى، او محتوى تاريخي، وبالاخص وطني، بالذات حين ناخذ بالاعتبارجانب الحيوية الفكرية، ومواكبة المتغيرات الكبرى المجتمعية، وفي كافة المجالات، عدا عن مواجهة التساؤلات الملحة المطروحة على الوطنية العراقية منذ اكثر من نصف قرن، فالجمع الحالي من "قادة" الحزب، هم من انصاف الاميين، لايعون أي شيء عن حقائق العراق التاريخية والوطنية غير الشعارات والعناوين العامة، مازالوا ادنى قدرات حتى من أولئك الكتبة، من محرري (البيانات الحزبية فقط لاغير) في الاربعينات والخمسينات، مايضيف ملمحا مهما الى السمات الكثيرة المزرية، التي تعم وضع العراق الفكري والسياسي اليوم، حيث تتعاظم الهوة بين القدرات المتاحة، والغالبة على المشهد من كافة الأطراف الحاضرة والفاعلة، وبين عمق الازمة، والهوة الفاصلة بين العقل والواقع، مايكاد يحول هذا المازق بالذات، الى عنوان اكبر، يشمل بحضوره الحالة العامة، كما المدى المتصل بالثقافة، وبحركة وحضور قوة الفكر في الحياة.
وتبدو البراغماتية المتهافتة البدائية، مرافقه لمواقف المتعيشين على "التراث الغامض"، غير المقروء، ولا المعاد تقييمه، ممن يحملون اسم "الحزب الشيوعي"، في قبولهم عملية الاحتلال الأجنبي، وقبلها الحصار الاقتصادي ( اتخذوا منها في النهاية موقفا حنقبازيا مزريا ومعيبا يقول بتشديد الحصار على النظام لاعلى الشعب !!!! ونحن نتحدث هنا عن اقسى حصاراقتصادي فرض على دولة في التاريخ الإنساني/ وكرس رفاهية النظام على حساب عشرات الالاف من الأطفال والشيوخ والنساء، القتلى برصاص الأمم المتحدة) والانخراط فيها، وفي تحويل "تراثهم الذي يباهون به"، الى سلعة تفرخ "جمعية محاربين قدماء"، يتقاضون رواتب مجزية عن "تاريخهم" العظيم، مع سعي لاحراز موقع في البناء الطائفي للحكم الراهن، الخاضع والمسير كليا، من قبل ارادات لاتمت باي صلة للعراق، او مصالحه، او شخصيته الحضارية الرفيعة في السجلات التاريخية. وسواء بدفع كردي، او لاسباب ذاتيه، فلقد انخرط هؤلاء كما نعرف، في انتفاضة الشعب الأخيرة ضد نظام المحاصصة والارتهان، والريعية الفاسدة، وسعوا لتكريس وتغليب منطق الإصلاح، من داخل العملية المذكورة، كسبيل، الغرض منه تصفية الانتفاضة، بعد سرقتها بالتحالف مع التيار الصدري، العضو الأصيل في العملية المذكورة، وفي ماكنة الفساد.
ويجري ذلك، مع رفع شعارات من نوع "الدولة المدنية" و "المجتمع المدني"، مكرسين كذبه كبرى، وخديعة لا أساس لها، ومخالفة كليا لواقع العراق السياسية والمجتمعي، منذ عام 2003 يوم اسقطت "الدولة الحديثة العراقية" بعد 82 عاما من التاريخ، وتم سحقها، بغض النظر عن السلطة الدكتاتورية، عمدا، لصالح قوى وجماعات "ماقبل الدولة"، المستهلكة، والتي أمضت القرن الماضي كله، تتاكل بفعل وطاة كيان الدولة المركزية المستحدثة على يد الغرب والانكليز بالذات، قبل القطبية الدولية، التي هيأت عند أواخر الخمسينات والستينات، أسباب حلول الطور الثاني من الدولة الحديثة، المركبة مثل سابقتها، من خارج النصاب الاجتماعي عام 1968/2003.
لم يخطر على بال السادة عباقرة زمانهم، وحملة راية النظرية العظمى، الوقوف ليراجعوا ماحصل، خصوصا وانه يقع في صلب مبررات واشتراطات وجودهم، فالشيوعية وعموم الحركة المعروفة ب "الوطنية" الحزبية، المؤتلفة في "جبهة الاتحاد الوطني" في الخمسينات، هي كظاهرة ثلاثينية، مقترنة واقترنت أصلا بوجود "الدولة الحديثة" الاحتلالية الأولى، وكانت وجهها المضاد، الذي يكتسب تبريره منها، ومن مساراتها، وانهيارها النهائي، بكل مايحمل في طياته من تاريخ مايزيد على ثلاثة ارباع القرن من السيرورة الثرة، الغزيرة، من التجارب، كان المؤمل ان تفضي الى "الدولة المدنية"/ الديمقراطية، وهذا مايمكن تسميته بتاريخ العراق مع الحداثة، ومع العصر وخياراته وافكاره، والمشاريع المترتبة عليه، واولها "الدولة المدنية"، وقد انتهى الى انهيارمريع، والى كارثة حلت على البلاد، بظل حال من انتفاء كلي، لاية عناصر من تلك التي يمكن نسبتها "للمدنية" او الإيحاء بالمستقبل.
وإذ يرفع هؤلاء اليوم مثل هذا الشعار، او المطلب فانهم يلعبون لعبة "الثلاث ورقات"، وفي حين تلح منذ 2003 الى الان، مهمة إعادة قراءة تاريخ هزيمة مشروع التحديث والدولة المدنية، يهرب هؤلاء مولين نحو تحويل هذا، الى مطلب راهن وخديعة، بعد ان كانوا اسهموا كتيار بنصيبهم في هزيمته تاريخيا، وثبتت عدم اهليتهم لتحقيقه، وبما ان ديدن هذه الجماعة الثابت اليوم، وعنوان نضالهم: "الفهلوة" الجاهلة، فعلى المرء اذا كان يلاحظ بالحد الأدنى المسارات الفعلية لواقع العراق، ان يتوقع انسياق هذا الصنف من المعتاشين على الكارثة واكذوبة الماضي، مع الاطار الذي ارتضوا لانفسهم الاندراج ضمنه بالاصل، باعتبارهم احد عناصره، فالشريحة التي يمثلها هؤلاء، بغض النظر عن مدعياتهم النظرية المثيرة للضحك، من الطبيعي ان تنتقل نحو مروحة الفعل التي تحكم اجمالي العملية السياسية، وجوهرها، أي الفئوية والطائفية، بغض النظر عن تداخلات ماتعتبره لعبا على التوازنات، بين الجناح الكردي من "العملية السياسية الطائفية"، وصراعاته مع المركز، او الالتحاق بالحركة الشيعية المعتبرة اكثر شعبية، وتستمر في لعب دور( داخل/ خارج)، منذ قررت الالتحاق ب"العملية السياسية الطائفية الاحتلالية".
ليس في العراق اليوم أي مرتكز مجتمعي او طبقي فعال، قائم على قوة دفع واقع عملي مجتمعي، من شانه تبرير أي موقف، او عمل تيار له جوهر "مدني"، بغض النظر عن التهويمات المرافقه لدعم وتحريك قوى خارجية معروفة. والمنطقي الحاصل، ان تميل القوى التي تصر على مثل هذا الادعاء، لاسباب ومحركات نابعة من شروط الوضع القائم، الى الانقلاب على نفسها، وعلى أصولها التي تدعي انها بنيت عليها تاسيسا، او تنتمي لها، في حين تبقى الشعارات تستعمل لأغراض الخديعة، ولاجل ترسيخ بنية "العملية السياسية الطائفية"، وجوهرها المجتمعي، المتوافق مع شبكة الحضور الأمريكي الإقليمي، المهيمن اليوم على الوطنية العراقية الغائبة، بانتظار انبثاق مسار تاريخي آخر.
ـ يتبع ـ