الناجي الوحيد

رولا حسينات
2018 / 2 / 1

الناجي الوحيد
تذهب الأقدار وتُبقي على رؤوس أشواكها فتضربه ليشيخ كما الحادي وناقته الذلول...يئز على الصمت، وعلى فراش الحياة تتأبده الذكريات، وأطياف الماضي... وتطوحه وجهاً شاحباً منسياً وأطياف الماضي، والرياح تعوي ضاربة نوافذ البيوت المنهزمة التي تسكنها الجان والأشباح... لا يهبط النهار هاهنا فقد تعامد الليل؛ فما بان الخيط المغروز بوشاح هزيل من ضوء القمر الشاحب، وقد أطلقت الجنيات البخور فوق المقابر، وقد لفحتهم رياح الرقيم من مجمرة ضربت أطراف المكان... الزمن الصعب دوماً حليف البائسين...
دوامة الزمن الذي يطلُّ فيه بطلاً وحيداً يقتنصه الموت تارةً... ليبقيه مرهوناً بتلك المساحات من النور التي تشبعها زمرة الأقوياء ليبترها أخرى فلا يستطيع...
أطرق التفكير طويلاً من أين له بكفن يدثر ما كان بينهما من حنين؟؟ كم كان عدد السنين التي طالت بينه وبينها وهي ترثي حالها...؟؟
تطيح به مساحة النور المشبع بأغبرة الدمار، وهالة اليأس تطوي ما حوله إلى حيث عائش في الزاوية البعيدة من أحلامه...عندما كان لا يطال يد الباب بعد ...عندما كان يرتفع على أصابع رقيقة ليمسك المقبض، ولكنه كان موارباً، وكنت تجلسين هناك في الشق الرفيع من النور...
-جالسة على الأرض يا عائش؟؟
دفنت رأسها بين كفيها وأجنحة البرودة ترفرف فوق فراغ الغرفة المظلمة، عندما أبحرت في حزن عينيها كانت مراكب أبي قد أبحرت إلى البعيد، لقد محا أبي اسمه من بين أسماءنا، كان سريره بارداً مهجوراً.
-...تركنا أبوك لقد تخلى عنا، ذهب مع المقاومة...قالتها وهي تقتل الكلمات وكلُّ ما فيها ينزف...
قلت بصوت طفولي حالم..: أبي سيحمل السلاح، وسيلقي بالقنابل وسيطلق الرصاص...!
لم أدر حينها ما تعنيه كلُّ هذه المفردات، لقد كانت ثقيلة ووقعها يثير في نفسي الصغيرة الشعور بالغثيان...
وكبرت، مرت السنوات عجوزاً تسير مستندة إلى باكورها...أدرك أن أبي لن يتوقف حتى توقفه طلقة أو صاروخ أو شظية من مكان مجهول... أيٌّ كان قاتله فسوف يُقتل... أبي قد انتهى لم يعد جهاد سوى ذكرىً مشوهة تأتي وتذهب، تعنُّ على البال باليةً وسرعان ما تمر كمرِّ السحاب. غدت أمي كخيال...مرَّ عامان وأصبحت ابن تسع سنين، لكنها كانت أشبه بسبعين... لرجل قد أنهى كلَّ شيء ولم يبق منه شيء... وهأنا المحزون عليه...
-يعقوب يطرق الباب...
-لا تفتحه...
لكن صوتك الآتي من المطبخ، وأنت تملئين الأوعية الزجاجية بالزيتون والفلفل الأخضر والأحمر والمقدوس وغيرها من أشكال الطعام...جاءني متأخراً من جرف عميق...كان يعقوب مبتسماً، لأول مرة أرى يعقوب مبتسماً، وصفرة أسنانه تضفي على وجهه الأزرق، الشائكة أشجار حاجبيه وقد نبزت أشواكه من غير تهذيب...زرقةَ الوجوه التي لم أعرفها إلا فيه...
دكانه الكبيرة في أول الطريق المؤدي إلى بيتنا تشعرك بالبرودة والخوف رغم ما كان حولها من خضرة وألوان من الأزهار، لم يكن أبي يحبه رغم أنه كان يأتينا من عنده بالكثير من تموين البيت، أمي لا تريدنني أن أذهب إليه لكنه اليوم واقف أمام باب بيتنا.
المسافة بيني وبينه لم تكن كتلك المسافة بيننا في عبوري للطريق، لقد كان يلتهمني بنظرته وكان يبتلع أمي وهي تشدني إليها، وكلانا يلتهمه الزمن...لم أحببه يوماً ولن أفعل، ذلك الإحساس بالقشعريرة يصيبني كلما شممت رائحته النتنة...
يعقوب هذا جاء إلى الحي ولا يعرف عنه أحد ...جاء ومعه مالٌ كثير، وفتح دكاناً كبيراً فيه كل ما طاب للأنفس اشتهاؤه...
عندما سألت أبي عنه...أطرق التفكير طويلاً، وذبلت الإجابة قبل أن تخرج عقيمة...
-لا أدري...لا أحد يعلم والكثير لا يريد أن يعلم...
أزاحني من أمامه وقد ألقمني قطعة الحلوى في فمي، عندما هممت بسؤاله عما يريد... وخطّ خطواته المسرعة متتبعاً صوت أمي الضئيل يأتي من المطبخ، وكأنها غارقةٌ في بئر...رصد مكانها بدقة وأنا أذوّب قطعة الحلوى ...
لا أدري لم لم أطلب منه الانتظار؟؟ وبقيت متردداً في حركاتي وسكوني...لو كنت فعلت لما حدث ما حدث...
هل يصيبه اليأس من معرفته أنه لا يصلح لشيء...أم يهزئ بكل ما يتسابق نحوه من فجائع؟؟
الذي نزل بساحته وهو صغير لا يمكنه نسيانه، لكن عائشة مضت حاسمة في أن ينسى كل شيء...
-لم تراني أمتلك هذا الفزع في قلبي يا عائش...؟!
-لا عليك...عليك أن تبقى يقظاً وأن لا تجزع...وهي تربت على ظهري وتشده إلى جسدها.
صوتها يأتي مخنوقاً وصرخة قطعت ارتوائي بحبة الحلوى، وهي تسيل عذبة في فمي...قادتني قدماي بسرعة إليها...كان ممسكاً بجسدها واضعاً يده على فمها، وهو يمعن نبشاً في جسدها الرقيق...
قالها آمراً...: ابتعد يا ولد...بعينين مخيفتين، كان مكشراً عن أنيابه، والصفرة والزرقة والحمرة تجتمع معاً في وجه يعقوب...
هوى قلبي إلى قدميّ وغضب نفر من مساماتي، لم تكن صورة أمي وأبي لتعيق نظري بمقدار الحب الذي يحيط بهما...
- لكن مال يعقوب بأمي وجسدها وبيتنا...أين أنت يا أبي؟؟...
ركضت إلى حيث تخبأ أمي عدة النكش في الحديقة الصغيرة ...وكان هناك ناصباً نفسه ونصله المعدني يلتمع...انتشلته كما لو كان ريشة رقيقة ...لم أدر بعدها ماذا حدث؟...
-ما الذي حدث يا عائشة ؟؟
لقد سقط يعقوب والدم الأحمر ينزف من جسده، وكمٌ من الزجاج يملأ جسده كسيوف أحكمت قبضتها، وعلى أرضية المطبخ أختلط اللون الأحمر بألوان الأواني بما فيها...داست أمي الزجاج وهي تمسك رداءها الممزق عن صدرها، وأثار الدماء تنزف من رقبتها وصدرها...وهوت إلي تحملني، وقد انغمست بجسدها كقطعة واحدة.
قبلتني وقالت بهمس: لم يحدث شيء، عليك يا صغيري أن تبقى في غرفتك هادئاً حتى أتدبر أمري.
العصافير توقفت عن البكاء، وما عادت الثكالى تدويّ أصواتهن كقفير من النحلات، واللون الرمادي استحال لون السماء، قطعة من نور بقيت مضيئة في العتمة الصاخبة، من هزيع الليل لكنها ما لبثت أن أصابها الركام...
إميل يحتسي فنجان من الهواء المعشق بالسموم وهو يجلس كالقرفصاء وجسده يهتز رواحاً وذهاباً، وقد تلفع وجهه بالأشواك السكنية...همست مريم في أذن عائشة: هو على هذه الحال منذ قدمنا إلى هنا، لم يعد يريد أن يغير من شيء...إنني أفقده، أخشى أن يصيبه الجنون... أومأت عائشة برأسها وهي تنسج خيوطاً رفيعة مع ما تبقى من صورة جهاد...
-أتراك على قيد الحياة؟ وإن كنت... فأين أنت؟؟ لقد كبرنا وكبر الصغير، جميل عقله كبير سيكون له شأن بالمستقبل، أدعو الله ليل نهار بأن يكون من الناجين..لم تكن تسمع مريم التي ذهبت في ذكرى طويلة عن حبلها بريحانة ...وعائش تطرق التفكير فيما حولها ويعقوب ينبش خلوتها فتصيبها رجفة وتسري القشعريرة في جسدها النحيل، وقد تعاركت سنوات من البؤس على جسدها...
ثلاث سنوات على غيابك يا جهاد ولم تسأل ...ولم تبعث أشواقاً...أحزاناً تبثها أيٍّ كانت من صور الإحساس بالآخر...ألهذا الحد كنا غصة في حلقك؟؟
...تريد أن تلفظها كيفما كان...وتبصقها في طريق يعج بالمارة.
ربما تكون قد سألت ربما!... والبيت قد كان في يد البنك بعد أن هربنا منه تحت جنح الظلام.
عائشة شاخت هي الأخرى، لقد شاخت دفعة واحدة لم تعد تضع الكحل، ولم تعد تتزين لأجل جهاد... لقد صرفتها الهموم عنا كما صرفته همومه، لم يعد يلعب الشطرنج، ولم يعد يدير المذياع ليصدح صوت أم كلثوم وعبد الوهاب... لم تعد لسه فاكر تجدي نفعاً بإرسال الابتسامات بينهما. عندما أردت يوماً أن أذيب الجليد بينهما فأدرت المذياع... حتى دارت رحى المعارك في بيتنا وغاب أبي في موجة جنون، لقد قذفه...أسقطه هكذا، ليتبعثر وتتبعثر معه كل الذكريات ولسه فاكر... كل مسنناته كانت تدور بعيداً في زوايا الحجرة الكبيرة، لتغني لوحدها لنفسها.
أيّاً من حكايا الشوق ستحرق أيها البأس؟!
وأيٌّ منها ستقض مضجعك؟!
وعن أيٍّ ستبحث لتسمعها طقطقة الحطب؟
لقد كان اللون الأحمر يا أبي هو ما بحثت عنه، عندما جثوت تعصر الهشيم بين يديك غير آبه للدم النازف من بين يديك...
عندما نجرح أنفسنا تكون لذة الوجع مرغوبة، فيها تعبير مختلف... قد نبكي، قد نبكي، قد نصرخ، قد تصيبنا القشعريرة، لكنها ستكون طوعا منا، ولكن عندما نصطدم بهذه النهاية المفزعة ملعونين مغرقين فلن تكون هناك لذة، ولن يكون هناك غيره اللون الأحمر، والكثير من الفزع والجنون... عندما سحبت أمي أبي من فوق الركام، وأزالت عنه عنوة تلك التي غرز بها يديه... كانت تجهش بالبكاء، لقد حضنته بقوة، وهو يبكي، وهي تبكي، وطائر السنونو يا أبويّ يبكي، والأطفال الرضع يبكون... وكل البيوت المسكونة تبكي أصحابها... إلا السماء لم تبك إلا قنابلَ ورصاص والكثير من العذاب...
لقد أراد أبي أن يهرب، أراد أن يضع مبررات لكلِّ شيء... كان يشكو لأمي وهي تلف له جرحه، يشكو لها الهزيمة... يريد أن يكون مع الجيش الحر... يريد أن ينتقم لكلِّ ما حدث لنا، يريد أن يبقينا وحدنا ويمضي لأجل أن ينتقم...
ثم ماذا؟؟ ستنتقم وتنتقم ولن ينتهي الانتقام... إنه وحش يا أبي ألا تدرك ذلك؟؟
لقد حطم جهاد حياتنا ببساطة أو ربما هي ستتحطم على كلِّ الأحوال، لن أثقل كاهليه في غيابه الذي لا أعرف إلى أين؟؟
أكلُّ من عجز عن شيء انضم إلى قافلة المنتقمين؟؟!!