المحامي الأستاذ صباح عريس.. الأنسان والوطن والقضية

عامر هشام الصفّار
2018 / 1 / 28

توفي قبل ما يقرب من عام في مقاطعة ويلز في بريطانيا الراحل الأستاذ المحامي العراقي صباح عريس. وبهذه المناسبة فقد عقدت الجمعية العربية للثقافة في ويلز أمسية خاصة أستذكرت فيها الرجل وهو الذي كان له باعه الطويل في خدمة الجالية العراقية في بريطانيا اضافة الى خدماته الجليلة في القانون والحقوق في بغداد ولفترة تقرب من 50 عاما. وكان الفقيد قد أصدر قبل ثلاثة اعوام كتابه المهم وباللغة الأنكليزية والذي جاء بعنوان " محامي بغداد" ليسرد فيه وعبر 25 فصلا مسيرته مع القضاء العراقي وطبيعة خدمته القانونية في بغداد وهو الذي كان له مكتب محاماة معروف.
عرف العراق المحامي والمحاماة في بدايات القرن العشرين فصارت فيه نقابة للمحامين وذلك عام 1918 بعد الأحتلال البريطاني، وفي هذا أصدر ناظر العدلية – البريطاني الجنسية – اعلانا بتاريخ 16/10/1918 جاء فيه :" ليكن معلوما عند جميع – الافوكاتية – ( اي المحامين ) أن من يرغب في الممارسة لدى محكمتي البداءة والاستئناف، عليه أن يستخرج لنفسه رخصة بها من نظارة العدلية، وعليه أن يقدم عريضة ( استدعاء ) الى الدائرة المذكورة ، تتضمن البراهين الكافية التي تدل على كفائته، والقيام بوظيفة المحاماة ، ولقاء مضمون هذه البراهين مما يتبين منها ان صاحب العريضة حائز على شهادة في مكتب الحقوق، أو رخصة من ناظر العدل التركية . ويجب ان تلحق الشهادة بالعريضة وتضم اليها وبعد ايام ينتمي الى قانون المحامين الذي سنه ناظر العدلية.".
لقد أدرك الراحل صباح عريس عظم المسؤولية الملقاة على عاتق المحامين، فما كان منه الاّ أن درس المحاماة عبر دراسات عليا، فتخصّص عبر رسالته في دكتوراه القانون في موضوعة "الظروف المشددة في العقوبة" حيث كتب في مقدمة أطروحته " يعتقد البعض وعلى رأسهم الفيلسوف اليوناني سقراط أن الفضيلة تقرن بالمعرفة، واننا حين نتوصل الى أيضاح وتجسيد الفيصل القائم بين الخطأ والصواب بشكل تدرك كنهه العقول البشرية، نكون قد أقمنا دعائم أخلاقية شاملة تسود مجتمعاتنا الأنسانية. ولكن هذا الرأي على ما فيه من وجاهة منطقية ظاهرة تعتمد على اسناد أفعال الأنسان الى أرادة واعية، يفتقر الى دعائمه في الواقع، لأنه قد أغفل الجانب اللاعاقل في طبائع البشر وتوهم أن أفعال الأنسان جميعها تجري وفاقا للعقل وحده، فمتى توافرت معرفة العقل تحققت خيرية الأفعال، مع أن أكثر الأفعال يقوم بها الناس وهم مسوقين بالأهواء والأنفعالات وهي الجانب اللاناطق واللاعاقل ، فالتجربة أثبتت أن الناس يدركون الخير ومع ذلك يجنفون عنه، وينصرفون عن أتباعه، ويعرفون الشر ولا تحول معرفتهم له دون الأقبال عليه والأرتماء في حبائله، لذا فيجب علينا أن نعي وبشكل دقيق الظروف التي تحرك هذه التيارات بشكل يدفع الأنسان صعودا الى قمم الفضيلة أو هبوطا الى درك الجريمة".
ومن هنا يمكن للباحث في حياة الراحل المحامي صباح عريس أن يستدل على ثلاثة جوانب في حياته العملية تلخص فلسفته القانونية:
1: أن ممارسة المحاماة وتطبيق القانون لا يمكن عزله عن الجهد العلمي المتواصل والبحث المضني الذي لابد من أن يوصل صاحبه الى الحقيقة التي يسعى أليها وجدانه وضميره. لقد تركت تجربته العلمية في دراسة القانون عبر الحصول على الدكتوراة من جامعة بيروت أثرا مهما في حياته العملية توضح عبر منهجه العملي في التعامل مع الحالات الصعبة التي عرضت عليه خلال الخمسين عاما والتي قضاها في ممارسة مهنة المحاماة في العراق.
2: أن للمحامي حدسه وحاسته السادسة في القضايا التي تطرح عليه، ولكنه لا يجب أن يتخلى عن الجهد الجهيد الذي يجب عليه بذله في سبيل الحصول على الدليل الجرمي الخاص بقضية معينة.
3: أن المحامي يتوجب أن يكون شجاعا غير هيّاب، ونزيها لا تأخذه في الحق لومة لائم.
يقول الراحل صباح عريس " أن علماء الأجتماع وفلاسفة الأخلاق، قد حاولوا منذ العهود القديمة دراسة تصرفات الأنسان ووضع المعايير والمؤشرات التي تهدي الباحث الى مواطن الضعف والقوة فيها، توصلا الى مجتمع تسوده الفضيلة وتختفي منه نوازع الشر والأجرام، ولكن هذه المساعي، رغم سعة شمولها وأنتشارها، لم تستطع الى يومنا هذا وضع صيغة معينة للتصرفات البشرية وأيجاد معادلة تؤدي عند أعمالها الى أيجاد مجتمع بلا جريمة، لأن الجريمة هي نتيجة تفاعلات أجتماعية وأخلاقية وبشرية من الصعب جدا السيطرة عليها أو كبح جماحها، وأن على هذه المجتمعات أن تعد العدة للتعايش مع الجريمة باعتبارها جزءا من حياة المجتمع الذي لا يمكن تصور وجوده بدونها".
لقد جاء كتاب "محامي بغداد" للأستاذ الفقيد صباح عريس ليوثق الخبرة القانونية في مرافعات القضايا الكبرى في بغداد وقضايا جرائم القتل العمد الجنائية أضافة الى قضايا الأغتصاب المرتبطة بالقتل والقتل غسلا للعار كما أصطلح عليه. وفي كل ذلك كان ديدنه البحث عن الحقيقة حتى أذا وجد المتهم مظلوما تصدى للقضية ودافع عنه لأحقاق الحق بعيدا عن أي تمييز بين الناس على أسس الدين أو العنصر.. بل أن الراحل عريس كان قد عمل على قضايا صعبة مهمة مجانا أحيانا ودون أتعاب. ولعل عناوين بعض فصول الكتاب تعطي الأنطباع عن المادة المكتوبة وعن طبيعة مسيرة العمل: " الثورة والسيكائر، التحذير، الأعتراف، رجل القفص، ابنة القاضي، الرشوة، العودة الى بغداد، قضية شرف، شبح 9/11، الحرب العراقية الأيرانية.. وغير ذلك.
الراحل صباح عريس .. شاعرا
لعل طبيعة عمل المحامي قد جعلته قريبا من روائع الأدب والأدباء.. فهذه أحدى أهم الجامعات في بريطانيا مثلا ( اكسفورد) تنشر بحثا عن أستشهادات المحامين في مرافعاتهم المكتوبة أو الشفهية أمام القضاة بالشاعر وليم شكسبير وبالكتّاب جورج أورويل وتشارلز ديكنز مثلا.. وما كان الرجل المحامي العراقي صباح عريس بعيدا عن ذلك فسلّح نفسه بثقافة عربية جيدة وبلغة متقنة مكنته -وهو في مراحل حياته كان قريبا من الشعر والشعراء- من أن يكتب في الشعر ويؤلف القصائد التي نالت أستحسان قرائه.. ويروي أنه كان يوما في لقاء مع الشاعر المعروف نزار قباني حيث ألتقاه في لبنان على دعوة عشاء، وأثناء ذلك ألّح قباني على عريس أن يلقي بعضا من شعره فقال له عريس : ان حضر الماء بطل التيمم ولكن نزارا أصّر فقال له عريس: أنني تجرأت يوما ونظمت أبياتا على نفس وزن أبيات لك قلت فيها:
لا تطلبي مني حساب حياتي.. أن الحديث يطول يا مولاتي، فقد اتبعت أنا ذلك فقلت : والعمر قبس من ضياء شارد.. قد ضاع بين غياهب السنوات. فنهض نزار قباني هنا وعانقني ثم قال الحمد لله أنك منصرف للمحاماة..!..
ومن قصائد الراحل صباح عريس المهمة والتي نشرتها له جريدة الوطن الكويتية عام 1987 حيث كان حاضرا المؤتمر السادس عشر لأتحاد المحامين العرب، قصيدة يا عرب والتي جاء فيها:
زمزم برعدك وأسطع ايها الغضب.... فدون وهجك لن تسترجع الترب
يا ايها القوم مدوا للوئام يدا.... وأستلهموا مجد أمس زانه العجب
لا تبعدوا بعضكم عن بعضكم ودعوا.... صرح الأخوة نصب العين ينتصب
أن التفرق قد أغرى بنا نفرا.... لشرعة الحقد في أعراقهم نسب
يا أيها القوم كفوا عن مكابرة.... فنحن ان جّد جد كلنا عرب
وجرحنا جرحكم، لا فرق بين دم.... في الشرق يسفح أو في الغرب ينسكب
ما أحرى بوزارة الثقافة العراقية مثلا أو المراكز الجامعية العراقية أو العربية المختصة من أن تقوم بطبع المجموعة الشعرية للراحل المحامي الدكتور صباح عريس فتغني المكتبة العربية بأبداع رجل أبى الاّ أن يشارك شعبه وأمته في أفراحها وأحزانها عبر ما كتب وأبدع من قصيد.. كما أنه من الواجب القيام بترجمة كتاب المرحوم عريس " محامي بغداد" والمنشور عن دار نشر أميركية باللغة الأنكليزية الى اللغة العربية فهو الكتاب الذي تبقى مكتبتنا العربية القانونية بحاجة أليه ماسة... والله من وراء القصد...