قراءة في بناء ومعوقات رأس المال الاجتماعي عبر المجتمع الافتراضي للدكتور وليد رشاد

السيد إبراهيم أحمد
2018 / 1 / 23

صدر كتاب رأس المال الاجتماعي عبر المجتمع الافتراضي عوامل البناء ومعوقات الإهدار عن رسالة أعدها الدكتور وليد رشاد زكي لنيل درجة الدكتوراه، ولقد كان من دوافعه في تناول هذا الموضوع تحديدا هو ندرة الأبحاث الرصينة على مستوى المجتمع الافتراضي على ساحة علم الاجتماع العربي مقارنة بالحالة الغربية التي قطعت شوطًا ليس بالقليل عند مقارنتها بالمكتبة العربية، وهو الأمر الذي ألقى عبئًا ثقيلًا عليه في مسيرة البحث.

يركز الكاتب على دراسة ثلاثة من المتغيرات الفاعلة في تشكل رأس المال الاجتماعي الافتراضي، وهي: دراسة الثقة داخل المجتمع الافتراضي، والتشبيك الاجتماعي على مستوى الأفراد والجماعات وكذلك المجتمع محليًا وعالميًا، ثم عوائد رأس المال الاجتماعي الافتراضي، وذلك من خلال إطار نظري ينقسم في تناوله بين المجتمع الافتراضي ورأس المال الاجتماعي من خلال اعتماده على أفكار المجال العام الافتراضي، وكذلك استناده على بعض الأفكار المرتبطة برأس المال الاجتماعي لدى بعض المنظرين، وهم: برديو وكولمان وبوتنام وتان لين مع محاولة من الكاتب لسحب أفكارهم من السياق الواقعي إلى السياق الافتراضي، والعبور بما تقدم من الجزء التنظيري إلى الجزء الميداني.

استخدم الكاتب منهج البحث الاجتماعي الذي يعتمد على الاستعانة باستمارة الاستبيان التي طبقت على عينة عشوائية تمثل ثلاثمائة مفردة من أولئك الذين يستخدمون مواقع الشبكات الاجتماعية وخصوصا الفيس بوك سواء من الذكور أو الإناث، حيث ينتمي الكتاب إلى قائمة البحوث الاستكشافية أو الاستطلاعية وذلك في محاولة اكتشاف أفكار جديدة واستبصارات متباينة تفيد في فهم المشكلة المدروسة.

مفهومي المجتمع الافتراضي ورأس المال الاجتماعي:

استعرض الكاتب مفهومي المجتمع الافتراضي ورأس المال الاجتماعي، أما المفهوم الأول فيستقر على تعريفه بأنه: “تجمعات اجتماعية لا مكانية تحدث بواسطة الإنترنت عبر الفضاء المعلوماتي، تضم أفرادًا من هويات مختلفة تجمعهم اهتمامات مشتركة يتواصلون بطريقة متباينة، تتحدد مكانة المتفاعل فيه بمدى قدرته على استخدام المعارف والمعلومات في التواصل وليس عن طريق تعاملات الوجه بالوجه”، أما من حيث رأس المال الاجتماعي ونشأته في الفكر الماركسي وما تولد عنه من فروع متعددة منها رأس المال البشري والثقافي والديني والرمزي والاجتماعي، فقد استقر الكاتب في تعريفه على أنه: “شبكة من العلاقات الاجتماعية الافتراضية والمتشكلة عبر الفضاء المعلوماتي تسهم في تقديم منافع ومردودات شخصية وجماعية واجتماعية على المستويين الواقعي والافتراضي”.

يرى الدكتور وليد رشاد أن الأسباب الأساسية التي تدفع الأفراد نحو الدخول في تفاعلات الشبكات الاجتماعية عبر الإنترنت أربعة، وهي: التواصل مع الأصدقاء، والتسلية والترفيه، وتكوين صداقات جديدة، والاشتراك في مجموعات تتناسب مع الاهتمامات. ولا يجد ما يقرب من نصف العينة اختلافًا في انضمامهم إلى الجماعة الافتراضية عن جماعتهم الواقعية تماما، وهو ما ينعكس بالتالي على متغير “الثقة” في تفاعلات الإنترنت باعتبار “الثقة” من المتغيرات الأساسية لتشكُل رأس المال الاجتماعي، وأن نصف العينة ومعظمهم من الذكور يثقون في علاقات الإنترنت، وذلك نظرًا لأن الخط الفاصل بين التفاعلات الافتراضية والواقعية صار ضعيفًا، كما أن أصدقاء الواقع هم أنفسهم أصدقاء الشبكة، ولذا فقد احتلت الثقة في العلاقات الفردية المرتبة الأولى في مستويات الثقة، تليها العلاقات الفردية والجماعية ثم التفاعلات الجماعية وحدها. خاصة وأن التفاعلات الشبكية من خلال تقديم المساعدة للآخرين بالشكل المعنوي في زيادة وذلك من خلال طلب الدعم والمشورة أكثر من الشكل المادي والمتمثل في الإقراض.

مردود علاقات رأس المال الاجتماعي في السياق الافتراضي على المجتمع:

يرى الكاتب أن هناك قيمًا يمكن أن تتحرك من الشبكات الاجتماعية المتشكلة على الصعيد الافتراضي إلى الواقع بل وتسهم في نشرها كذلك وهي التي يمكن تحليلها في ضوء علاقتها بمتغير التعليم، ومنها:
ـ قيمة الحوار: وهي التي تحتل المرتبة الأولى بين القيم التي تعود على المجتمع الواقعي من التفاعلات الشبكية.
ـ قيمة المشاركة: وتحقق هذه القيمة المرتبة الثانية بين القيم الإيجابية التي تعود من الشبكات الاجتماعية.
ـ قيمة التعاون: وتشكل المرتبة الثالثة من مراتب المردود القيمي الإيجابي على المجتمع.
ـ قيمة التسامح: وقد حققت هذه القيمة المرتبة الرابعة، وهي قيمة ترتبط بقيمة الحوار.

معوقات العلاقات الشبكية في السياق الافتراضي:

ينبه الكاتب إلى أن المجتمع الافتراضي ليس كله خيرًا؛ إذ أن هناك مشكلات تتمخض عن العلاقات الشبكية وتؤثر بالسلب على تشكل رأس المال الاجتماعي في سياقاته الافتراضية، ومن أبرز تلك المعوقات:
1ـ أزمة الثقة: وهي أزمة تتخلل العلاقات الشبكية وتزيد في الإناث عنها في الذكور.
2ـ أزمة غياب الهوية: وهذه الأزمة تتجلى في علاقتها مع أزمة الهوية، لأن الأفراد لا يثقون إلا في الذين لديهم ارتباطات ثقة معهم وتجارب ومعلومات أو مع الأفراد الذين يتمتعون بسمعة طيبة. ومن هنا يمثل غياب الهوية إشكالية خاصة في التفاعلات التي تتم على المستوى الفردي؛ إذ إن تفاعل المجموعات تجاوز إلى حد كبير، في معظمه، الحديث عن الهويات أو الأيديولوجيات الجامدة.
3ـ أزمة الديمومة والاستمرار: وهذه الأزمة تحتل المرتبة الرابعة، وترتبط بأزمة الهوية ويشكل الجهل بالهوية عائقًا دون استمرار العلاقات بشكل فعال وغالبا ما تنحصر في العلاقات الفردية دون الجماعية بوجه عام.
4ـ أزمة المعايير: وهذه الأزمة التي تحتل المرتبة الرابعة وترتبط بفكرة الحرية، غير أن الإنترنت نجح في تطوير آليات للضبط ضمن سياقاته المختلفة أمام الأفراد الذين يتفاعلون بحرية خارج المجتمع التقليدي.

يرى الدكتور وليد رشاد أن من أبرز سلبيات التفاعلات الشبكية التي وقف عليها من خلال الدلائل الميدانية يمكن ترتيبها على النحو التالي:

ـ استهلاك الوقت: يستهلك وقتًا كبيرًا فيما لا طائل من ورائه إلا إذا استخدمه الفرد استخدامًا أمثل لحقق منافع جمة.
ـ البعد عن الواقع: وهو انفصال الفرد عن واقعه حين ينخرط في عالمه الافتراضي، وهي مسئوليته وحده في اختياره.
ـ التقليل من مساحة التفاعل الأسري: وذلك بتقليل مساحة الحوار بين أفراد الأسرة من أولئك الذين ينخرطون في تفاعلات المجتمع الافتراضي مما يدعم فكرة الفردية.
ـ التقليل من مساحة التفاعل الواقعي مع الأصدقاء: وتبدو حين يقتصر الفرد في لقائه بأصدقائه افتراضيا دون الواقع.
ـ التقليل من مساحة التفاعل الواقعي مع مجموعات الواقع: وذلك حين تؤسس مجموعات الواقع صفحات لها عبر الشبكة الاجتماعية، تجعلهم يقتصرون في تفاعلهم من خلالها فقط دون اللقاء في الواقع.

ليس من السهل الإلمام بتفاصيل كثيرة عاد إليها الكاتب في موضوعات امتدت لتكون تمهيدًا وثمانية فصول غير الخاتمة التي تناول من خلالها الدكتور وليد مفاهيم على أفق البحث كنت أتمنى لو أوردها في أول الكتاب لأهميتها للقارئ على الرغم من تبريره في تأخيرها، كما ينبغي لي أن أتوجه له بالشكر العميق على هذا الكتاب الذي أرى أهميته في أنه يفتح باكورة رافد جديد من روافد علم الاجتماع في التعامل مع المجتمع الافتراضي، كما أنه أثرى المكتبة العربية التي تعاني ندرة في الدراسات المرتبطة بهذا الموضوع القيم وهو رأس المال الاجتماعي في المجتمع الافتراضي الموازي للعالم الواقعي وهو المجتمع الذي يشكل انطلاقة منهجية في الدراسات الاجتماعية بما يحركه من تفاعلات معه تترك صداها في واقعنا العربي والعالمي على السواء، وهو ما يستلزم من الباحثين العرب مواكبته على كافة الأصعدة النظرية والمنهجية.