قراءة في تطورات الموقف الاوروبي بعد قرارات الرئيس ترامب

محسن ابو رمضان
2018 / 1 / 18

قراءة في تطورات الموقف الاوروبي بعد
قرارات الرئيس ترامب

بقلم / محسن ابو رمضان

بعد وصول الرئيس الامريكي ترامب للبيت الابيض ، بدا يوجه خطاباً استفزازياً لعديد من شعوب وبلدان العالم ، آخرها وبنزعة استعلائية عنصرية وصف شعوب افريقيا بالحثالة في محاولة لاستثمار التفوق الامريكي عسكرياً واقتصادياً لتحقيق الابتزاز السياسي بحق الآخرين، في جهد يعمل على اعادة صياغة المنظومة الدولية من طابعها القانوني والانساني إلى طابعها المالي والاقتصادي الفج دون اكتراث لما دشنته البشرية بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس هيئة الامم المتحدة بالاستناد إلى منظومة من القوانين والتشريعات والوثائق التي تهدف لخلق الامن والسلم الدوليين ولتحقيق التعاون بين شعوب تلك البلدان في مواجهة الكوارث العديدة التي تتعرض لها البشرية .
يعكس الرئيس ترامب الوجه الصلف للرأسمالية العالمية بطابعها الشرس التي تتعامل بلغة القوة والاقتصاد والمال وذلك في تجاوز للإدارات الامريكية السابقة التي كانت تستثمر هذه المنظومة الدولية وقيم الديمقراطية وحقوق الانسان لتمرير مصالحها عبر بوابة الامم المتحدة وآليات التعاون والتحالف مع بعض بلدان العالم التي ترتبط بمصالح استراتيجية معها مثل بلدان الاتحاد الاوروبي .
ترتبط بلدان اوروبا مع الولايات المتحدة بعلاقات تاريخية وتمأسس ذلك عبر اطر محددة ابرزها حلف الناتو الذي تشكل في مواجهة الاتحاد السوفيتي وبعض بلدان اوروبا الحليفة معه ، كما توجد علاقات اقتصادية وتبادل تجاري وتعاون كبير بينهما تم تعزيزه من خلال مجموعة الدول الصناعية السبعة التي تضم كل من الولايات المتحدة وبعض بلدان اوروبا إلى جانب اليابان ،علماً بأن بلدان اوروبا حاولت تقليص درجة التفاعل مع الابعاد السياسية المباشرة وخاصة في منطقة الشرق الاوسط وتحديداً بخصوص القضية الفلسطينية ، والتي سلمت ملف احتكارها إلى الولايات المتحدة .
نظرت الولايات المتحدة بقلق لتشكيل الاتحاد الاوروبي ولكنها استمرت بالتعاون معه ، خاصة إذا ادركنا النتائج الكبيرة التي تم تحقيقها اقتصادياً من وراء تشكيل هذا الاتحاد والذي اصبح كتلة اقتصادية ضخمة يبلغ الناتج القومي الاجمالي بها نسبة تقترب من نسبة الولايات المتحدة أي حوالي 18 ترليون دولار سنوياً .
إن السياسة الفجة المتبعة من قبل الرئيس ترامب مست العلاقات مع بلدان الاتحاد الاوروبي ، حيث وصف الاخيرة بأنها قارة عجوز وبأنهم يجب ان يدفعوا مقابل حمايتهم عبر حلف الناتو الذي تتكفل به الخزينة الامريكية بصورة كبيرة .
يدرك الاوروبيين خصوصية منطقة الشرق الاوسط التي تتميز بروابط جغرافية وتاريخية معها وبأهمية الاستقرار بها ، حيث انها كانت من اشد المتضررين من نتائج الاضطرابات الاخيرة التي شهدتها بعض البلدان العربية وخاصة في قضيتي الهجرة والأمن ، الأمر الذي يدفعها باستمرار لاتخاذ سياسات أكثر توازناً من الادارة الامريكية المنحازة والشريكة بالكامل لدولة الاحتلال .
واضح ان هناك قلق و تذمر من سياسات الرئيس ترامب من قبل بلدان اوروبا وبرز ذلك بصورة واضحة في تصويت معظم هذه البلدان وخاصة المؤثرة منها ضد قرار ترامب بالجمعية العامة للأمم المتحدة والتي حصلت به فلسطين على 129 صوت وظهر من خلاله مدى انعزال الإدارة الامريكية واسرائيل عن المجتمع و الارادة الدولتين .
لقد اكد رؤساء وممثلي بعض البلدان الاوربية المؤثرة " فرنسا ، المانيا، بريطانيا، ايطاليا، اسبانيا.. إلخ " رفضهم لقرار ترامب القاضي بنقل السفارة الامريكية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لدولة الاحتلال ، مؤكدين على انها عاصمة للدولتين على ان يجرى حلها في اطار المفاوضات بوصفها واحدة من قضايا الحل النهائي الاكثر تعقيداً ، علماً بأنهم طالبوا الرئيس عباس ايضاً باستمرارية التمسك باتفاق اوسلو رداً على خطابه باجتماع المجلس المركزي الاخير وبأنهم مستعدين للاعتراف بدولة فلسطين وذلك خوفاً منهم من تدهور الاوضاع علماً بأن استمرار الرهان على اوسلو هو مضيعة للوقت وضار بقضية شعبنا كما اثبتت التجربة .
إذا كان موقف الأوروبيين متميز ومختلف عن موقف الإدارة المريكية ، إلا انه لم يرتق إلى مرحلة أكثر جدية مثل الاعتراف القانوني بدولة فلسطين إلى جانب عدم القيام بمبادرة سياسية تساهم في كسر الاحتكار الامريكي للعملية السياسية وخاصة بعد ان اتضح انها شريكة مع الاحتلال وليست وسيطاً نزيهاً ، حيث تحاول الآن استهداف قضية اللاجئين عبر تقليص المساعدات المالية إلى الاونروا ، علماً بأن حكومة اليمين المتطرف في اسرائيل برئاسة نتينياهو قد زاد سعارها وعدوانها بعد قرارات ترامب وذلك عبر مصادرة آلاف الدونمات والاعلان عن بناء آلاف الوحدات السكنية ، إلى جانب اصدار العديد من القوانين ابرزها قانون ضم القدس.
واحدة من المؤشرات التي تعكس قلق بلدان اوروبا من سياسة ترامب بحق القضية الفلسطينية ، قرار الحكومة البلجيكية بتزويد الاونروا بملغ 23 مليون -$- رداً على تقليص الإدارة الامريكية لمساعدتها للاونروا إلى حوالي النصف أي بمبلغ 60 مليون -$- بدلاً من 125 مليون-$- .
حيث من المتوقع ان يلحقها بعض بلدان اوروبا الاخرى ، لإدراكها مدى خطورة هذا القرار وانعكاساته السلبية على الامن والاستقرار بالمنطقة ، إلى جانب مخاطرة وتداعياته القانونية والسياسية والانسانية .
إن دعوة كل من دولة النرويج والاتحاد الاوروبي لعقد اجتماع يوم 31/1 في بروكسل بخصوص القضية الفلسطينية يعكس مؤشراً آخراً يهدف من خلاله إلى عدم السماح بتدهور الاوضاع ، والعمل باتجاه الابقاء على مناخات معينة قد تعيد الأمور إلى مسار المفاوضات التي تعتبرها هذه البلدان بأنها افضل من القطيعة ومن التصعيد المباشر علماً بأن اسرائيل استغلت اكثر من 24 عاماً من المفاوضات كغطاء لفرض الوقائع الاستيطانية على الارض .
تكمن عدم الرغبة الاوروبية بالتدخل المباشر سياسياً تجاه الصراع العربي الاسرائيلي بعقدة الهولوكوست التي تلاحقها لذلك فهي تتجنب ان تبرز أي شكل من أشكال الضغوطات على دولة الاحتلال لأنها ستتهم فوراً باللاسامية ، كما أن ذلك دفع بعض بلدان اوروبا ومنظماتها التمويلية للتردد في دعم حملة المقاطعة BDS مع انها وسيلة قانونية وحقوقية وسلمية ، بل يصل الأمر إلى اكثر من ذلك عندما يتم وقف التمويل عن منظمات متهمة بتأييد هذه الحملة أو تلعب دوراً حقوقياً في مجال تقديم بعض ملفات الانتهاكات لمحكمة الجنايات الدولية وتحت مبرر أن هذا عملاً سياسياً وليس حقوقياً .
وعليه فكيف يمكن استثمار التمايز والاختلاف بين السياسات الاوربية والامريكية تجاه القضية الفلسطينية وما هي الوسائل التي يجب استخدامها باتجاه الدفع لتطوير مواقف اوروبا بالاستناد إلى قيم الديمقراطية وحقوق الانسان وحق الشعوب في تقرير المصير والتي لعبت اوروبا تاريخياً دوراً بارزاً في انتاجها وفي تعزيزها في اطار المنظومة الانسانية .
ولعل الانتصار لقضية فلسطين ومواجهة سياسة التميز العنصري الاحتلالية يساهم في تعويض اوروبا ولو جزئياً عن سنوات من الاستعمار انت بها شعوب العالم تحت وطأتها ويساهم في نفس الوقت في تدشين مسار جيد لأوروبا مبنى على احترام القانون الدولي ومبادئ حقوق الانسان .

انتهى