بنية العراق وتهافت المنظور الغربي (3)

عبدالامير الركابي
2018 / 1 / 16

بنية العراق وتهافت المنظور الغربي (3)
عبدالامير الركابي

لم يطرح من قبل تساؤل من نوع اذا ماكانت المجتمعية محتمه كقانون تاريخي مجتمعي مطلق، او كحالة مؤقته قابلة للتغير مستقبليا، تستوجب التساول وتركيز العقل على منطوياتها وممكنات سيرورتها "التاريخية"، وهذا الاشكال كان من اكبرماقد ميز "الفكر العربي"/ عبارة الفكر العربي، حيث ترد هنا، تكون دالة على الاعتباط المستعمل لتوصيف حالة لم توجد بعد/ باعتباره " خارجا"، وفعلا منقولا على مستويين، المستوى الكولونيالي الاكراهي الغربي، وعلى الصعيد الاخر المضاد المعرف ب"التحرري"، فالعالم العربي الخارج من العثمانية، دخل عمليا زمنا مغلقا، واقعه المعاش، وطموحه، غربي نقلي، وخاضع للممكنات الغربية النموذجية والمفهومية، يصدق عليه ويتطابق مع سماته نعت من نوع "التفكرات العربية في زمن نهضة الغرب" خلافا للتسمية المضللة التي تقول ب "الفكر العربي في عصر النهضة" ناسبة النهضة للعرب، لاللغرب تحديدا.
وقد يرى البعض، او يعتقد، بان خانات الايديلوجيا الحزبية، الماركسية، او القومية، او الليبرالية، منطوية على احتمالات او ممكنات "وطنية"، او "ذاتية"، او يظن هؤلاء ان مايعتقدونه، هو بداهة نموذجية ومعرفية "عصرية"، فلايكونون وقتها ابعد بكثيرعن حالة مخادعة لذات يعجزون عن قراءتها، او فهم لغتها، وايقاع تحققها، والاسئلة التي ترد في مثل هذه الحالة، تتراوح حول : " وماذا نفعل؟ هل نستسلم، ام نستنكف ونترك للغرب ان يحقق اغراضه بلا اعتراض؟" هذا اذا اعتبرنا ان هؤلاء يقرون كونهم يستعملون ادوات الغرب ضد الغرب ووجهه الكولونيالي الاستعماري، من دون ان يداخلهم مايعد من قبيل القناعة، لدرجة التضحية بالنفس احيانا، تحت اوهام مضادة بالاصل للكينونة والبنية التاريخية "الوطنية" ومدمرة لها.
وليس ثمة من شك بان ماننوه به، هو من نوع الخيارات الكبرى، ومن نمط الثورات الانقلابية المعرفية، المتعدية، والمتجاوزة لطاقات العقل الانساني، كما هي ممكنة خلال الاطوار والدورات التاريخية الكبرى، ويجب لمن يتجرأ ويقرر التعرض لموضوع من هذا القبيل، او الحجم، ان يكون اولا متيقنا من انه بصدد الكشف عن انقلاب مفاهيمي، وواقعي من نوع الانتقالات وتعاقبات الاطوار التاريخية الاستثنائية الكبرى، ووقتها سيلح موضوع تلك الاطوار وتوزيعها، اهي طبقية، ام من اي صنف وتسمية؟.
واذا استقر الراي بهذا الخصوص، فالارجح ان الاشكال النظري لن يحل وقتها، اذ سيكون الافتقار الى المهماز، او القاعدة الكيانية النوعية، المتلائمة مع الاطوارية التاريخية المقترحة، لازما لزوما لامفر منه، فهل الازدواجية المجتمعية، والاطوار الثلاثة، كافية ياترى لتزكية فرضية من نوع تلك التي نريد عرضها كوصفة لحركة التاريخ؟ ان العراق بلد الدولتين، دولة " اللادولة" ودولة " الدولة" التمايزية القاهرة في كيان واحد موحد، وهذان المجالان التاريخيان التاسيسيان، لهما مواضع يختصان بها، من حيث المساحة والشروط الطبيعية والبيئية، تطابق توزيع الجغرافيين للعراق الى "عراق السواد"، الذي هو مجال دولة اللادولة و "عراق الجزيرة الاعلى"، وهو مجال تبلور وتشكل وتجدد الاطار الاعلى للدولة التمايزية القاهرة، ويشمل هذا التوزيع، السكان في المكانين، واشكال تجلي الفعالية الحياتية والحضارية، على مر الدورات التاريخية الثلاث التي مرت على العراق.
واما الدورات المذكورة، والمنوه بها الى اليوم ، فهي اثنتان، الاولى / السومرية البابلية/ والثانية / العباسية القرمطية/ بينما الثالثة ماتزال جارية لم تبلغ بغيتها وهدفها، وهي مستمرة منذ القرن السابع عشر، بعد تراجع مفاعيل حقبة الانقطاع الحضاري الثانية، التي ظلت متواصلة من 1258/ حتى ابنثاق اول "اتحاد قبائلي" في ارض سومر التاريخية، باسم "اتحاد قبائل المنتفك"، تعبيرا عن عودة التشكل الكياني المجتمعي المتواصل الى الان، والسائر نحو الطور الثالث الحضاري عالميا.
ومع تعاقب مراحل عملية التشكل المذكور، واضطرارها للتفاعل مع متبقيات الدورة الثانية: القبلية اولا، والدينية التجديدية ثانيا، والايديلوجية الحزبية، بالاضافة الى الدولة المركبة من خارج النصاب الاجتماعي، بماهي حصيلة اضطرار، وحاجة ملحة لضمان شكل من الهيمنة الاستعمارية والضبط، الا ان مسارات اللامجتمعية، واللاثبات، واللااستقرار المجتمعي، ظلت عمليا هي السمات الفاعلة المتحكمة باتجاهات تلك المسيرة، المتولدة عن اليات الصراعية المرافقة، والمتولدة عن الازدواج المجتمعي، الى حين اضطرار الغرب نفسه، لالغاء وسحق "الدولة الحديثة" التي اقامها بيديه، بعد 82 عاما من انشائها، 1921/2003، لاسباب تتعلق بقناعته بعدم جدواها كوسيلة ضبط، لعملية اجتماعية، متفوقة على الطاقة والممكنات المتاحة، والمتوفرة بيد الغرب وبنيته، غير الكلية القدرة كما يمكن ان يتوهم البعض، ومتعدية لخطط احتواء وادراج العراق تحت سقف الهيمنة الدولية الغربية، مع مايمكن ان يضمرة احتمال كهذا من تداعيات موحية، لاتخلوا من خطورة غير محسوبة، في مكان حساس، يقع على الاقل، على حافة صندوق النفط العالمي.
والحديث يجري هنا، عن مستوى معين متاخر من قدرات التحليل والتشخيص المتاحة، ضمن الدورة التي نتحدث عنها، وموضوعاتها المتلائمة معها كلحظة دنيا، مع اشكال قياسها العقلي، ومستوى الاستيعاب المتاح ضمنها للظواهر المجتمعية، و في المقدمة من ذلك، مستوى رؤى الغرب ومنهجياته، ومنظومته الادراكية العقلية، منذ تبلور العقلانية الحديثة في القرن الثامن عشر، فالغرب بالاحرى، هو النموذج الاعقد والارقى، والاكثر دينامية، ضمن نوعه من المجتمعات الاحادية المغلقة الادنى تركيبا من مجتمع الازدواج الؤافديني، لايرقى برغم خصوصيته وتركيبه، لمستوى الوعي المتوقع، اذا تعلق الامر بانماط مجتمعية ارقى، واعقد تركيبا، مثل مجتمع الازدواج العراقي، الامر الذي يوجد خلال الفترة الانتقالية الحرجة، بين الاطوار الحضارية، حالة تازم تقارب المازق على مستوى التقييم، وامكانية قراءة الظواهركما هي من دون اسقاط من خارجها، فالموضوعات والمصطلح، والمنهجيات المترسخة من الطور الثاني، بما في ذلك اعلى اشكالها، تحول وقتها دون التعرف على المستجد، وتمنع تعريفه بما يلائم كينونته، ومن ثم مكانه، وكيفيات وحدود فعله.
وينطبق ذلك تحديدا اليوم على انتقالية العراق الموشكة، الى الطور الثالث، انني شخصيا اقابل اناس من المطلعين، وومن يطلعون على وجهة نظري بخصوص الوعروض هنا، يتساءلون: ترى كيف يمكن للعراق ان يكون منطةيا على ممكنات "مابعد غرب"، وهم عادة يتحدثون بلغة ومصطلحات " الغرب"، اي انهم ينطلقون من فرضية نفي الاحتمال الاخر، ناهيك عن قبول سيرورات من نوع الانتقال نحولحظة "الفناء المجتمعي"، على اعتبارها نتيجة مجتمعية متطابقة مع ضرورات الانتقال الى مابعد مجتمعية، وهي اللحظة المقررة براينا للمجتمعية على مستوى المعمورة، وعلى صعيد الحضارة والتاريخ، وهو مايمر به العراق منذ قرابة نصف قرن، متقدما نحو المزيد من الايغال في الانغلاق، ومن المشارفة على الانغلاق الكلي، قبل ان يصير الانفصال التام عن الطور الثاني، حقيقة لها معطياتها المختلفة، القابلة لان يتم التاسيس عليها، قبل الوثوب الى المستقبل، بطرق بابة نظريا ومصطلحيا، واعادة تاسيس الرؤية الشاملة لتاريخ سبعة الاف عام، ظل متعذرا التعرف عليه وادراكة، او اكتناه المضمر الكامن المودع في العملية المجتمعية التاريخية للانسان، وفي حقبة وجوده المؤقت على كوكب الارض.
ـ يتبع ـ