هو الذي عاش وشاف (عزيز علي رائد المنولوج العراقي)

محمد لفته محل
2018 / 1 / 14

1_ظاهرة عزيز علي
عند كل يوم الأربعاء الساعة الثامنة والنصف مساءً يتجمع الرجال والأطفال في المقاهي وتتقرب بعض النساء من المقاهي، وتقل حركة الناس في الشارع استعدادا لسماع منولوج (عزيز علي) من الراديوا الذي يسارع المستمعون إلى حفظ كلامه وترديده فيما بينهم. وفي حالة عدم إذاعة المنولوج في اليوم الموعود يشاع بين الناس أن (عزيز) مسجون أو ممنوع من البث،(1) ذلك أن الناس تعتقد أن (عزيز) في كل مرة يذهب للإذاعة ومعه (يطقه/يطغه) فراشه استعدادا للسجن بسبب المنولوج الذي يفضح به الحكومة بعدما يخدع مدير الإذاعة بكلمات غير سياسية ثم يبدلها ساعة البث المباشر (لأن التسجيل لم متوفر بالإذاعة) بكلمات سياسية جارحة للحكومة. أما شباب اليوم (في القرن الواحد والعشرين) فمنهم من يعرف بعض منولوجاته المشهورة مثل (دكتور، عشنا وشفنا) دون معرفة اسمه وعهد منولوجاته لان كثير منها ينطبق على وضعنا الحاضر.
هذه صورة (عزيز) بالمتخيل الاجتماعي العراقي التي لم يحضى بها مطرب آخر وهي ظاهرة اجتماعية تستوقف النظر، لان (عزيز) لم يكن يخدع الإذاعة بكلماته، ولم يسجن إلا مرتين طوال عهد النظام الملكي، ودراسة هذه الإشاعات موضوع خصب اجتماعيا. فالسؤال كيف استطاع (عزيز) أن يجتذب هذا الجمهور الذي دينه يحرّم الغناء وصورة المغني اجتماعياً تقترن بالخمار والكاولي (الغجري) والمستخنث؟ ولماذا لم يحقق باقي القوالين مثل (علي الدبو) (فاضل رشيد) (حسين علي) مثلما حققه (عزيز) من اهتمام الجمهور الذي يشيع حوله الإشاعات؟.
كل مستمع لمنولوجات (عزيز) يتفاجأ بقرب لغتها من العامية والحياة اليومية، ففيها الشتم والسخرية والضحك والتلميح، ف(عزيز) أسس منولوجاته على انتقاءه كلمات الناس العامية وأمثالهم وتلميحاتهم وسخرياتهم الشعبية وتوليفها في شعر ملحون قريب لكلام الناس وبثها على الإذاعة، وبذلك شعر الناس بوصول صوتهم للسلطة عبر إذاعتها، فكانت تلح عليه أن (إِﺤﭽﻲ)(2) ووثق هذا الطلب بمنولوج مشهور بذات الكلمة. فصار (عزيز) بطل قال الحق في وجه السلطة، ولأنه لم يتأوه وينشغل بالغزل ولم يتكسب بمنولوجاته في الملاهي، فلم ينظر الناس إليه كمغني (صاحب الصورة السلبية اجتماعيا) فخصه بلقب (منولوجست) و(فنان الشعب) التي لم يحزها غيره. وبذلك استطاع أن ينفذ إلى القلوب. يقول (عزيز علي) أن الغناء ليس مجرد ميوعة ورخاوة عابثة، ينساب بشكل آهات والتواءات صوتية. فالغناء مرآة تعكس صور الحياة العامة في بلد المغنّي، تتجلّى فيها أماني شعب ذلك البلد. وآراؤه وميوله وأهدافه. ويقتضي الواجب علينا أيضاً أن ندعو إلى غناء يصوّر لنا وللنشء الجديد من أبنائنا حياتنا العامّة، بمشاكلها ومتطلّباتها، ويعبّر عن آمالنا وأمانينا في الحياة، غير الحب والغرام، وغير التأسي والتظلّم لهجر الحبيب.(3) وهذا ما دعى نظام (قاسم) في أول يوم له بالحكم (انقلاب 1958) باستدعاء (عزيز) إلى الإذاعة لإلقاء منولوج (نوNo) يعلن قيام عهد جديد وتخويله بالعمل بالإذاعة بعدها بسبب شعبيته الكبيرة لدى الناس، واعتبار منولوجاته من لوازم الثورة، وهذه حالة ملفتة لاتتكرر بسهولة لدى اي دولة عربية.
فصورة (عزيز) في المتخيل الاجتماعي تتسق كالتالي: انه رجل شجاع لأنه ينتقد الحكومة وهو في إذاعتها ويُسجن ويُمنع لكنه لا يخاف منها، ويعاود نقدها بصراحة بلغة الناس اليومية، وهذا الموقف له بعد ديني (قول كلمة حق بوجه سلطان جائر) وله بعد شعبي (مايخاف من أحد) هذه البساطة والبسالة في القول، والعمق في المعنى، جعل شعبية (عزيز) تمتد حتى إلى المثقفين، وهو سبب استمرارية شعبيته إلى الآن. وحدثني بعض المسنين الذي كانوا صغارا في عهد منولوجات (عزيز) ان بعض الناس كانت تقول عنه انه (جاسوس) يخدع النظام الملكي به الناس، وبعض المسنين نعته (خل يولي هالماسوني) وهذا الجدل يصاحب كل شخصية مشهورة تقريبا.
في العهد الصدامي كان هناك اعتقاد لدى الناس أن منولوجات (عزيز) ممنوعة بسبب الخوف من النظام الذي ينطبق عليه نقد (عزيز) ولان بعض المعارضة في الخارج كانت تبث منولوجاته من إذاعاتها، ولان النظام اعتقله بتهمة الماسونية، وهذا ما حجم شعبيته وقتيا. في الحقيقة لم يكن ممنوع بالتسجيلات لكنه ممنوع من البث في القناة الرسمية للحكومة. لكنه عاد بقوة مع دخول الانترنيت عبر محرك (يوتيوب) بمنولوجاته المتوفرة وبذلك أصبح متاحا للجميع بعدما كان محصورا في التسجيلات الصوتية العريقة فقط. وفتحت صفحة له على (فيس بوك) (المنولوجست عزيز علي) وكتبت عنه عشرات المقالات، واحتفلت مواقع الكترونية بمئوية ميلاده. واذاعت القنوات الفضائية منولوجاته مجددا نتيجة تشابه اوضاع اليوم بالأمس فكان (عزيز) للشباب كأنه معاصر لهم، وكل الغناء الساخر الحديث لم يرتقي الى موهبته، والى الآن لم يظهر منولوجست بموهبة (عزيز) يسد الفراغ الذي تركه، وبقي المنولوج الذي يسمى شعبيا (ﮔوله=قول) للتهريج والتطبيل والسخرية دون الارتقاء به لأي مضمون اجتماعي او سياسي او تربوي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1_حسن العلوي، عزيز علي اللحن الساخر، مطبعة العاني، بغداد، 1967، (طبعة مستنسخة)، ص4،5.
2_عزيز علي، تراث وتاريخ، مطبعة مصدق الجنابي، السنك،1991، الطبعة الثانية، ص92.
3_نفس المصدر، ص5.




2_فلسفة الفن عند عزيز علي*
لم يكن المونولوجست (عزيز علي) مجرد منشد أو مطرب يؤدي الألحان التي ينظمها ويغنيها ويلحنها بنفسه، فإضافة لهذه المواهب الثلاثة، كان (عزيز علي) بمثابة عالم اجتماع ينقد المجتمع والسياسة والغناء برؤية اجتماعية تاريخية ربما تأثرا بالمادية التاريخية رغم انه كان مستقلا عن الفكر الماركسي وناقدا للشيوعية، فلم ينظر (عزيز علي) إلى الغناء بوصفه (أسلوبا رقيقا من أساليب تعبير الإنسان، عن مشاعره وأحاسيسه)(1) مارسه الإنسان منذ أقدم العصور فقط، بل (مرآة تعكس صور حياة الأمم والشعوب، في ضوء النظم الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تعيش في ظلها، وتعكس آمالها وأمانيها وما تصبو إليه في الحياة) و(وسيلة جبارة من وسائل تغليب الآراء والأفكار المرغوب بها، من جهة، وسلاح ماض من أسلحة تقويض الأفكار والآراء غير المرغوب بها من جهة أخرى) لهذا تأسف على مدى تخلف الغناء العربي عن طموحات العرب (فليس لنا نحن العرب إلا أن نعلن آسفين إن أغانينا أكثرها لا يعبر عن مشاعرنا وأحاسيسنا في هذه المرحلة الحاسمة من مراحل تطورنا وانطلاقنا نحو بناء مستقبل أفضل، ولا يعكس ميولنا وأهدافنا وما نصبو إليه في الحياة)(2) فهو يدخل ضمن وسائل التغيير الاجتماعي وتنوير أفكار الناس، وتسليط الضوء على المشاكل الاجتماعية، لأن الفن يجب أن يواكب التطور الاجتماعي والتاريخي ولا يبقى متخلفا عنه، ثم يحدد أسباب جمود الأغنية العربية والعراقية عن مواكبة التغيرات الاجتماعية والسياسية.
1_ أن مؤلفي كلمات الأغاني اغلبهم أشباه أميين أو أميين بسبب التقاليد التي تحتقر الفن والفنانين ما عزل النخبة عن الارتقاء بهذا الفن.(3)
2_ تحريم الاختلاط بين الجنسين الذي أشاع التحلل والشذوذ، والتأسي والتظلم والبكاء والهجر وصد الحبيب وبعده، أو التغني بالمثلية الجنسية تعويضا عن غياب المرأة.(4)
3_ محاولات الاستعمار في سبيل إذلال نفوسنا وتحطيم معنوياتنا وإشاعة روح التخاذل بمجتمعنا، انعكست نتائجها أنغام أغانينا المثقلة بالبكاء والنواح.(5).
فدعا (عزيز علي) الشعراء والأدباء إلى المساهمة بتطوير غنائنا ومحاربة الغناء المبتذل بعدم إذاعتها وعدم نشرها بالصحف والمجلات ووسائل الإعلام الأخرى، لأنها أصبحت موجودة في كل بيت بعد دخول الراديو والتلفزيون؟ وهذا ما انعكس سلبا على أخلاق الشباب، وهذه هي خطورة الغناء المبتذل، لهذا يجب أن يكون الغناء العراقي معبرا عن واقعنا ومشاعرنا وأحاسيسنا وآمالنا في الحياة. وعدم ترفع النخبة على الفنون بحكم التقاليد القديمة التي جعلت الفن سبّة لأن الأوساط الفنية تعج بعناصر مزيفة طارئة، لكن الغناء أصبح الآن وسيلة وسلاح لإشاعة أو تقويض الآراء والأفكار، وأصبح يعكس حياة الأمم ورمز تطورها وحضارتها؟، والواجب يقتضي أن ندعو إلى غناء يعبر لنا عن واقعنا وينقل لأبنائنا وللعالم كله مشاعرنا وأحاسيسنا وآمالنا وأمانينا في الحياة،(6) ثم يستنتج إن أغانينا تنغم ولا تلحن لان التنغيم هو مد الكلمات وترديدها بالتواءات صوتية، قد ترتفع وتنخفض، وقد تقوى وقد ترتخي بدون مراعاة لمعاني الكلمات والنطق الصحيح في بعض الأحيان، بينما التلحين هو ترنيم الكلام وترتيله بتوافق وانسجام يعبر عن معاني الكلمات بالنسبة لموضعها، مع مراعاة التطريب(7) ثم ينتقل للظروف الاجتماعية التي أنتجت غناء (الابوذية) حيث أن طبيعة الأرض والمناخ والحالة الاقتصادية والاجتماعية وطبيعة العمل الذي يزاوله اغلب سكان هذه المناطق، وبسبب ما كان يعانيه الفرد هناك من شعور بالحاجة والحرمان، فهذه مناطق زراعية خاضعة للإقطاع وكان الفلاح ملزم بالعمل بالاهوار طول النهار، فكان حينما يعود من عمله يلتقي بأصدقائه للسمر والتشاكي، ثم ينفرد احدهم يغني بتظلم ونواح وحسرة تعبيرا عن واقعه وبؤسه، ولأن المكان هو أرض خلاء ليس فيها صدى ولا توجد موسيقى لهذا يقوم أصدقائه بترديد الأنين بعد كل مقطع يغنيه، وهذا سبب ظهور (الابوذية) في أدنى المنطقة الوسطى من العراق، يغلفه الحزن والآهات والحسرات واليأس والشكوى، لكن (عزيز علي) يتساءل لماذا لا تزول هذه الآهات والنواح والحزن من (الابوذية) بعد تغير الأوضاع الاقتصادية وفي المدن بالمناسبات العامة كالأفراح والأعياد؟(8) ثم ينتقل لتاريخ المقام إذ يستنتج إن المقام بصورته الحالية ليس منحدرا من المقام العباسي، إذ أن هذا المقام ظهر قبل 160عام على يد (ملا ولي) التركماني من كفري (1225 ـ 1246) هجرية إلى بغداد، و (إبراهيم بيك) التركي، لهذا فهذا المقام منحدر من أصل تركي وأعجمي، وأسماء المقامات دليل واضح على ذلك، ونظرا إلى أن ذوي المكانة من الناس كانوا يستنكفون عن امتهان الغناء ما وفر فرصة للبسطاء من الأميين والعاطلين لامتهان المقام للعيش والارتزاق، لذلك ما كانوا يهتمون ولا يفهمون أصول اللغة العربية ولا أوزان وبحور الشعر ومعانيه، وإنما جل اهتمامهم ترديد الأنغام، ولأنهم يجهلون العزف على الآلات الموسيقية وبعض المقامات تبدأ بمقدمة موسيقية، فكان القارئ منهم عند عدم وجود آلة موسيقية توافقه بالغناء، يضطر أن يردد بصوته همهمات ودمدمات يحاكي بها أنغام المقدمة الموسيقية وصوت الآلات الموسيقية، ثم صارت على مر السنين هذه الهمهمات والدمدمات جزء لا يتجزأ من المقام، وأطلقوا عليها اسم التحرير، كل هذه الأشياء جعلت المقام قليل الشعبية عند النساء والشباب لأنه لا يعكس واقعهم وتطورهم وانطلاقهم، لهذا ينبغي تطوير المقام وتطهيره من الفاضة الأعجمية ومن الدمدمات والهمهمات كما طوره (محمد القبانجي)(9).
وهذه كانت دعوته في البرنامج التلفزيوني (في رحاب الفن) الذي قدمه عام 1966، أن يماشي الغناء العراقي التغيير الاجتماعي، لكن البرنامج للأسف أوقف عن البث بعد الحلقة الرابعة بسبب الضجة التي أثارها، حيث خرجت مظاهرات من قراء المقام ومعجبيه من المقاهي تندد بالبرنامج؟(10) وثارت نقاشات نخبوية بين جلال الحنفي، محمد القبانجي، علي الوردي، خالص عزمي، جعفر الخليلي، هاشم رجب، عبد الوهاب بلال، فيصل حسون، حسن العلوي، بين مؤيد ورافض لطروحاته؟ وهنا تبرز براعة (عزيز علي) الاجتماعية التاريخية، وُيخيل لي لو أن (عزيز علي) كتب في مواضيع اجتماعية أخرى لكان بمنزلة (علي الوردي) في علم الاجتماع، لأنه كان قارئا نهما بسبب امتلاكه خمسة لغات، ولأنه كان لا يتزاور مكرسا نفسه لعائلته وفنه ولا يدخل المقاهي مطلقا، ما وفر له وقت ثمين للقراءة، ولأنه كان كثير السفر اطلع على ثقافات كثيرة حتى أصبح دائرة معارف صغيرة، وحتى حين قدم برنامجه (في رحاب الفن) رغم ما يطرح من قضايا فنية اجتماعية وتاريخية كتاريخ نشوء (المقام) و (الأبوذية) و (البسته) و (المنولوج) لم يكن موجها للنخبة فقط وإنما للعامة التي يعتبرها صانعة التاريخ، لذلك كان يتكلم باللغة الثالثة أي بين العامية والفصحى لإيصال الفكرة لأكبر قدر من الناس وهذا سر نجاح البرنامج على مستوى النخبة والعامة الذي أثار نقاشات ظلت متواصلة لأشهر؟ بل هذا هو سر نجاح (عزيز علي) بالمنولوج على مدى عقود بين النخبة والعامة، لأن فلسفة الفن عنده هي الفن الملتزم بقضايا الناس وهمومهم، ولو كان على حساب التجديد الفني، فلقد طرح أسلوبا لحنيا وشعريا جديدا في منولوج (بغداد) (كتبت بالشعر الحر قبل ظهوره بعقد من الزمن 1938) و (السفينة) لكن عدم تقبل الجمهور لهذا النمط الجديد المتعدد الأنغام كما يقول، هو الذي جعله يتخلى عن التعقيد في التلحين لأجل تقبّل الناس للإلحان السهلة الحفظ والترديد،(11) وهذا تضحية من (عزيز علي) بموهبته لأجل تنوير الناس بالإلحان السهلة الهادفة التي يحبوها ويتفاعلوا معها. ولقد استخدم أسلوب في النقد الاجتماعي والسياسي الساخر كما يسميه (حسن العلوي) الناقد المنقود، أي بدل أن ينتقد الآخرين ينتقد نفسه، وبدل أن ينتقد النساء الجاهلات ينتقد زوجته الوهمية (أم جواد) قبل أن يتزوج، وبدل أن ينتقد بعض الشباب الطائش ينتقد ابنه الوهمي (جواد) وهذا ما جعله شعبيا رغم انه ينتقد تصرفاتهم بدون أن يصطدم بهم كما حدث مع الشاعر (الزهاوي) حين هاجم مجهولون بيته لكونه دعا إلى السفور؟، وهو استطاع توظيف الضحكة والهمهمة في منولوجاته وتقليد زغاريد وكلام النساء والبائعين والموظفين ساعة غضبهم بحيث أعطى للمونولوج تأثيرا درامي، وإعطاء الجوقة دور حيوي حواري وليس ترديد فقط، وحتى كتابه الأخير (عزيز علي، تاريخ وتراث) كتب بيد الخطاط (يحيى سلوم العباسي)، ليكون قريبا من القارئ، وقدم لكل منولوج بقصة مشوقة تسهل فهم المونولوج والتفاعل معه لجميع الناس، وحين دخل التلفزيون للعراق أدرك (عزيز علي) أهمية الصورة في التأثير بالناس أكثر من الراديو، فقام بتصوير منولوجاته السياسية والاجتماعية مع تغيير في التوزيع وتعديل بسيط بالإلحان والأداء.
لقد أرخ عزيز علي بمنولوجاته الاجتماعية والسياسية تاريخ العراق الحديث، من منولوج (عال العال) (القبول) (شعار الراس) (الكسلة) (أمان أمان) (البياعين) (صل عالنبي) (يا حسن).
لقد جسد منولوج (كل حال يزول) فلسفة (عزيز علي) الاجتماعية والتاريخية وفق مبدأ الحتمية، فالتغيير قانون الحياة رغم إرادة البشر والاختلاف بين البشر أمر طبيعي بحكم اختلاف الثقافات.
كل حال أيــــــــــــــزول ما تظل الدنيا بفد حال
تتحول من حال لحـــــال هذا دوام الحال محال
وعلى هالمنوال تمر الأجيال
ويجب على الإنسان أن يتعامل بالسببية العلمية ويترك السببية الأسطورية والخرافات، ولا يبرر أخطائه بالشيطان، وهذا ما جسده منولوج (الشيطان) و (عال عال) الذي انتقد طقوس الخسوف الشعبية.
كان عزيز علي ينظر للإنسان كقيمة بذاته بعيدا عن انتماءاته لذلك نجده في سيرته الذاتية (هذا أنا) لم يشير إلى لقبه العشائري، واختار أسماء بناته أسماء عالمية (مي، أيفون، سوزان) لأنه يعتقد إن العالم سيصبح قرية صغيرة، لهذا جاء منولوج (مسعود) 1939، يعالج التمييز العنصري قبل أن توجد منظمة عالمية تكافح التمييز العنصري.(12)
لك أحنا بقرن العشرين اسود وابيض متساويـــن
ميفرقنه لون وديـــــــن احنه وهمه عراقييـــــــن
أحنا سود وهمه بيـض كلنا أحرار وما حنا عبيد
لا يغرونك هل بيضان بيهم يتلونون ألــــــــــوان
ويا السود هم سودان و ويا البيض هم بيضان
(كتبت باللغة السودانية بالأصل، وحولتها بالعراقي لتسهيل فهمها)
(أن لكل إنسان في هذه الحياة سبيلا يقوده إليه معدنه، وتربيته، وثقافته، ووسطه وبيئته، إلى جانب عوامل ومؤثرات أخرى خارجية كثيرة)(13) هذه هي رؤية (عزيز علي) للإنسان إنه حصيلة ظروفه الاجتماعية والنفسية، وكان يعتقد إن الشكل والهيئة هي باسبورت الإنسان لقلوب للآخرين لهذا كان أنيقا في هندامه وملبسه دائما.(14)*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*جميع المقالات التالية نشرت نشرت متفرقة على الحوار المتمدن والان اعيد نشرها مجتمعة مع مقدمة جديدة فقط (ظاهرة عزيز علي).
1_حسن العلوي، عزيز علي اللحن الساخر، مطبعة العاني، بغداد، 1967، (طبعة مستنسخة) ص 161.
2_نفس المصدر ص161.
3_نفس المصدر ص162.
4_نفس المصدر ص162.
5_نفس المصدر ص162.
6_نفس المصدر ص163، 164.
7_نفس المصدر ص165، 166.
8_نفس المصدر ص168، 169.
9_نفس الصدر ص171، 172، 173، 174.
10_نفس المصدر ص182.
11_عزيز علي تراث وتاريخ، مطبعة مصدق الجنابي، السنك،1991، الطبعة الثانية، ص 39.
12_نفس المصدر ص75.
13_نفس المصدر ص15.
14_مي عزيز علي، منتدى سماعي للطرب العربي الأصيل، الاحتفالية الكبرى لمئوية ميلاد الفنان عزيز علي، ص20. (موقع على الانترنيت)
* كلما ذهبت لشارع المتنبي أرى كتابا اصفر على غلافه صورة شخص مبتسم كنت اسخر منه قائلا: هذا الشخص لم يصدق أن صورته ستنشر على كتاب، ثم بعد فترة تكلم احد أصدقائي عن أغنية (أنعل أبو الفن) و (برنادوت وداعة الله) فتعجبت بكلماتها الساخرة العامية، وحين سألت صاحبي عن صاحب هذه الأغنية، أخبرني أنه (عزيز علي) الذي كان يغير الكلمات بعد أن يخدع الإذاعة بكلمات وهمية، وانه كان يحضر (يطقه) معه استعدادا للسجن بعد إذاعة كل منولوج، عندها رحت ابحث عنه في التسجيلات فلا أجده بل لا يعرفه عامل التسجيلات، حتى أحضره لي صاحب المعمل الذي كنت اعمل فيه، وكان شريطا قديما فيه منولوجين هما (الفن) و (بستان) وهما أول منولوجين سمعتهما، ثم دلني على التسجيلات التي لديها أغانيه أمام تمثال الرصافي، وقد حصلت عليها تباعا، ثم أخبروني بوجود كتاب يضم منولوجاته، فرحت أبحث عنه، فإذا بي أجد الكتاب الذي كنت ابحث عنه بسهولة، إنه الكتاب ذو الغلاف الأصفر المطبوع عليه صورة الشخص المبتسم، إنه (عزيز علي) هذا العملاق الاجتماعي الساخر، عندها اكتشفت سذاجتي بحكمي على صاحب الصورة.

3_المنولوجات المفقودة والنادرة الغير المدونة لعزيز علي
هذه المنولوجات النادرة والمفقودة التي لم تدون في أي من المجاميع التي أصدرها (عزيز علي) في حياته وهي (مونولوجات عزيز علي) في ثلاث مجموعات صدرت المجموعة الأولى منها في مطبعة البرهان بغداد 1958(1)، و (عزيز علي أقواله ـ سيرته ـ فنه) مكتبة النهضة بغداد 1990، و (عزيز علي تاريخ وتراث) الطبعة الثانية، مُزيّدة ومنقحة، مكتبة مصدق الجنابي 1991. وسأكتبها حسب التسلسل الزمني.
نشيد (الملائكة لا يسجنون) ألقاه في إذاعة بغداد التجريبية نهاية عام 1936، ليس من نظمه ولا من ألحانه، حين كان في بداياته منشدا، ولا اعرف مؤلف القصيدة وملحنها، وكان قبلها ألقى نشيد (بلادي بلادي) ثم ألقى (يا من يحن إليه فؤادي) بعد هذا النشيد (الملائكة لا يسجنون) وهو غير مسجل، وغير مدون في مجموعاته، وقد انشد (عزيز علي) جزء منه في مقابلة مع (ماجد السامرائي) بعد أن ألقاه شعرا.
شاهدت أجنادا تسوق جماعة نحو السجون
فسألتهم ماذا جنوا؟ قالوا لصوص يسرقون
سرقوا دراهم غادة حسناء ساحرة العيون
فسألت ما بال اللصوص لأجال مال يسجنون؟
هل يسجنوا هذه الفتاة المليحة القد المصون
سرقت نهاي ومهجتي حتى الرقاد من العيون
ألصوص مال تمسكون وللصروح تتركون
فتحيروا وتشاور سرا وهم يتهامسون
وإذا زعيمهم يصيح بهم، كفى أأنتم في جنون
من ذا الذي جهلا يرى أن الملائكة يسجنون.(2)
منولوج ربما اسمه (المدمن) لم يذكر في كل من المجموعات وعثرت عليه في كتاب (حسن العلوي) (عزيز علي اللحن الساخر) بدون أن يذكر اسمه وربما نقله (حسن العلوي) من المجموعة الأولى (منولوجات عزيز علي) التي صدرت 1958 ولا توجد منها أي نسخة الآن في السوق حتى مستنسخة، ولا توجد سوى المجموعة الثالثة، وبما أن هذا المنولوج يعتبر من المرحلة الاجتماعية التي انتهت مع بداية الحرب العالمية الثانية فهو أما سنة 1937 أو 1938، وهو غير مُسجّل.
البيه بــــــيه أحچي العلية واللي إليــه
ثاري الزمان مـاله أمـــان ويّايه چــان
دهن ودبــس ماچنت احس طبعه شكس
دار الفـــــــلك كلّي ولـــــــــك آني إلـــــــك
أصبر عليه
چنت آني مثري وأحوال
وزماني ممشيّلي الحال
اتعلّمت المشروب
وتدامنت ماعاد اتوب
وتورطت بدروب دروب
أوتيلات مايخانات آرتستات
ومن افلست وتبهذلت
صدقاني صدّوا عني واخواني تبرّوا منـي
بس هالصدقـــــــــان چانوا صدقان فلوسي
بس هالأخــــــــــوان چانوا إخوان فلوسـي
آني وهمــــــــــــــان من عاديت آني فلوسي
شوفوا عاد شصار بحالي ضيّعت صحتي وكل مالي
وهجولت أهلي وعيــالي
عفيه الدهر كلك عبر جبت القهر كله عليه (3).
منولوج (ياعمامي ياخوالي صارت الدنيا تحلالي) (4) الذي انشده في فيلمه الوحيد (ابن الشرق) الذي عرض 20/11/1946، خلال أيام عيد الأضحى في سينما الملك غازي، إنتاج (شركة أفلام الرشيد العراقية ـ المصرية) مثل فيه (بشارة واكيم) و (مديحة يسري) إخراج (إبراهيم حلمي)،(5) وظهر فيه (عزيز علي) بادوار ثانوية مع المطرب (حضيري أبو عزيز) وآخرون، ولا يوجد أي تسجيل له، وغير مدون في جميع المجموعات التي ضمت منولوجاته، لأن الفلم بتصوري مفقود.
نشيد (نـداء شهـيد) ألقاه الفنان (عزيز علي) في عام 1948، وقت الاحتلال الفرنسي للجزائر، ولا يوجد أي تسجيل له، وغير مدون في جميع المجموعات التي ضمت منولوجاته.

أبي الحنون

أبي الحنون ...

تعال ودع حطامي

فلن يطول مقامي ..

غدا ألاقي حمامي ..

غدا سأنجو من العذاب ...

أبي الحنون

غدا سيقتلونني ...

غدا سيشنقونني ...

غدا سأنجو من نيوب الذئاب

أبي الحنون

أبي ...

أبي السياط والجروح والضنى

أبي الشباب والطموح والمنى

ستنتهي جميعها أبي هنا

غداً إلى تراب

أمي ..... أمي الحنون

غداً إذا آتاك شلوي الضعيف

وشمت فيه وحشة المنون

فلا تقبلي أو تقلبي .... مواضع الحراق

أخي الحبيب .. أخي الحبيب

يا رفقة الشباب

أشكو إليك ما لقيت من عذاب

من اضطهاد زمرة الكلاب

ليل نهار يا أخي

بلا حساب

أبي و أمي ... إخوتي

وجارنا العتيق...

و فرقتي... و قائدي المحارب العنيد

ألا الهبو شعلتنا هناك

هناك فوق تلكم الهضاب

ثم اذكرونا ... فاذكرونا

أننا متنا شباب. (6)

منولوج (حيوا السلام) ألقاه (عزيز علي) بعد انقلاب تموز 1958، تأييدا له، وهو ُمسجّل، لكنه غير مدون في كل المجاميع التي ضمت منولوجاته.
حيّوا حيّوا السلام
حيّوا حيّوا النظام
حيوا المحبة والوئام
حيّوا الغطارفة العظام
حيّوا الصناديد الكرام
حيّوا الغلاة كسحوا الظلام
(الكورس)
(يحيى السلام، يحيى النظام
يحيى كريم يحيى سلام)
حيّوا حيّوا الجنود
حيّوا حيّوا الحديد
حيّوا المدافع والبنود
حيّوا الحناجرة الرعود
حيّوا السواعد والزنود
حيّوا الغلاة صنعوا الخلود
(يحيى السلام، يحيى النظام
يحيى كريم يحيى سلام)
حيّوا حيّوا النضال
حيّوا حيّوا القتال
حيّوا الحقيقة والمثال
حيّوا العمالقة الطوال
أبناء تموز الرجال
حيّوا الغلاة صنعوا الكمال
(يحيى السلام، يحيى النظام
يحيى كريم يحيى سلام)
حيّوا حيّوا الأباة
حيّوا حيّوا الحماة
حيّوا الفوارس والمشاة
حيّوا الحماة، حيوا الحماة
في جيش دجلة والفرات
حيّوا الغلاة صرعوا الطغاة
(يحيى السلام، يحيى النظام
يحيى كريم يحيى سلام)
حيّوا حيّوا العراق
حيّوا حيّوا الوفاق
حيّوا ارتكاز الانطلاق
حيّوا ابتداء الإنعتاق
حيّوا الفتوة والرفاق
حيّوا الغلاة قتلوا النفاق
(يحيى السلام، يحيى النظام
يحيى كريم يحيى سلام)
منولوج (نشيد الثورة) ألقاه بعد الوحدة العربية بين مصر وسوريا عام 1958، وهو مُسجّل لكنه لم يدّون في كل مجموعاته التي ضمت منولوجاته.
(الكورس)
(بالوحدة العربية حققنا الأمنية
صرنه كلنه قضية
ضد الصهيونية وضد الاستعمار)
حمدا يا إلهي، يا رب العباد
قدرتك الهي حررنا البلاد
من الطاغي ومن الباغي ومن كل الأشرار
وصافحنه يد عبد الناصر ابن الوطن البار
(بالوحدة العربية حققنا الأمنية
صرنه كلنه قضية
ضد الصهيونية وضد الاستعمار)
ها ليوم أتحررنه من الاستعباد
ما ظل حكم يضرنه ولا ظل استبداد
ولا ظل نوري ولا ظل بوري ولا ظل ذاك العار
أحنا بظل الجمهورية اليوم اغسلنا العار
(بالوحدة العربية حققنا الأمنية
صرنه كلنه قضية
ضد الصهيونية وضد الاستعمار)
أنت وعبد الناصر يا عبد الكريم
أيقظتو المشاعر والله العظيم
فرجتو الغمة عن هالأمة وشجعت الأحرار
وكللت الأمة العربية بأكاليل الغار
(بالوحدة العربية حققنا الأمنية
صرنه كلنه قضية
ضد الصهيونية وضد الاستعمار)
أسمع المنادي يردد الصياح
حي الله بلادي، وحي عالفلاح
أما الخاين أما الفاين ذاك ألنه ويا ثار
ما يسلم من غضب الشعب ومن غضب الجبار.(7)
نشيد (حما الجمهورية) لأميرة نور الدين(8) وقد لحنه (عزيز علي) 1963، وربما كان آخر منولوج له، ولا يوجد سوى مقطع واحد من التسجيل على الانترنيت، وغير مدون في كل المجاميع التي ضمت منولوجاته، لقد كان (عزيز علي) يؤرخ بداية منولوجاته من (عال عال) سنة 1936 وانتهاء بمونولج (نو) سنة 1958 دائما، إلا أن متابعة أعماله تبين أن مزاولته للمنولوج انتهت سنة 1963 بهذا المنولوج الذي سبقه منولوج (يحيى السلام) و (نشيد الثورة) ولأنها كانت صراحة تدعم انقلاب تموز، وذكر فيها اسم قادته (عبد الكريم، وعبد السلام) فقد بات إنشادها أو تدوينها أو الحديث عنها محضورا في الأنظمة اللاحقة، لهذا لم تذكر في أي من المجموعات التي ضمت منولوجاته.
(الكورس)
(بالروح سنحمي الحريـــــة ونقيم عماد القوميــــــــــة
سنجود بما ملكت يدنـــــــا ونصون حمى الجمهورية)

سنضيف لنصرتنا نصـــرا فجزائرنا أمست حره
وسنشعل في القدس الثورة لتكون لمـعتبر عبـره
وندك حما الصهيونيـــــــة وتعود ربانا عربيــــة
نشيد مدرسة الموسيقى تأليف و الحان عزيز علي و إنشاد أطفال
المدرسة .. كان ذلك في عام 1968 حين انفتح الصف الأول لهذه المدرسة بجهود هذا الإنسان الرائع [عزيز علي ] و إيعاز منه إلى وزير الثقافة آنذاك السيد [عبد الله سلوم ] و قام عزيز علي بإنشاء المدرسة من ألفها إلى يائها تحت مقدرات مالية نسبية من وزارة الثقافة
الطلاب الأوائل الذين دخلوا المدرسة من مجموع أطفال مدارس بغداد قاطبة كان العدد لا يتجاوز ال 29 طالب و طالبة بعد اجتياز الاختبار الأولي (9)
كلمات النشيد
مدرسة الموسيقى ... لتعليم الأطفال
أصبحت حقيقة ... بهمة الرجال
مدرسة الموسيقى ... لتعليم الأطفال
هي أحسن وثيقة ... لأجل الأجيال
يالله يا أطفال ... نسجل بالأجلال
هذا العمل الرائع ... تحقق في شوال
في كانون الأول ... بثمانية و ستين
أنفتح الصف الأول ... إلنا المبتدئين
و أحنا بعد سنين ... نصبح فنانين
و نصير الطليعة ... للموسيقيين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1_حسن العلوي، عزيز علي اللحن الساخر، مطبعة العاني بغداد،1967، ص77.
2_(رحلة عمر) مقابلة ماجد السامرائي مع عزيز علي، منتدى سماعي للطرب الأصيل، الاحتفالية الكبرى لمئوية ميلاد الفنان عزيز علي، رفعها (وسام الشالجي) ص10، على الرابطان:http://www.sama3y.net/forum/attachment.php?attachmentid=251245&d=1301066787
http://www.sama3y.net/forum/attachment.php?attachmentid=251246&d=1301066787
3_حسن العلوي، عزيز علي اللحن الساخر، ص65.
4_صادق الصائغ، خالي عزيز علي، مجلة الثقافة الجديدة ، العدد 266 ، عام 1996، نقلا عن منتدى سماعي للطرب الأصيل.
5_منتدى سماعي للطرب الأصيل، الاحتفالية الكبرى لمئوية ميلاد الفنان عزيز علي، ص11.
6_مي عزيز علي، منتدى سماعي للطرب الأصيل، الاحتفالية الكبرى لمئوية ميلاد الفنان عزيز علي، ص20. هناك كلمة غير مفهومة (شلوي) ربما هي خطأ في الكتابة أثناء التنضيد (غداً إذا آتاك شلوي الضعيف).
7_قمت بتدوين هذين المنولوجين (حيوا السلام) و (نشيد الثورة) اعتمادا على سماعي للمنولوجات بصورة مباشرة، ولأنها تسجيلات قديمة وغير واضحة، ربما أخطأت في بعض العبارات، مثل كلمة (الغلاة) (الغطارفة) في منولوج (حيو السلام) وكلمة (صرنه) في الكورس ربما هي (كلنه)؟ وكلمة (فرجتو) في منولوج (نشيد الثورة) وسأكون شاكرا لكل من يسهم في تصحيحها.
8_مي عزيز علي، نفس المصدر، ص20.
9_المنولوجست عزيز علي، صفحة فيس بوك خاصة به على الانترنيت.

4_الكلمات والجُمل التي استبدلت بهمهمات في منولوجات عزيز علي
كانت التورية والتلميح هي احد الطرق التي يستعملها (عزيز علي) للإفلات من الرقابة في العهد الملكي لإلقاء منولوجاته السياسية من الإذاعة، وقد كانت الهمهمات احد الأساليب التي استخدمها للتحايل على الرقابة وتجنبا للاعتقال، لكنها كانت تأتي في سياقات لغوية متداولة تصبح فيها شبه معروفة للمجتمع العراقي لأنها من صميم لغته العامية في قالب شعري ولحني يضفي عليها جمالية وعمق وتوظيف اكبر من دلالتها العامية، لكن هذه الكلمات والجمل ظلت همهمات حتى زوال العهد الملكي حيث قام بكتابة بعض كلمات وجمل هذه الهمهمات في مجموعاته ولقاءاته فيما بعد، فيما ترك بعضها بدون كتابة أو نصف مكتوبة، ما جعلني استنبط الكلمات التي لم يكتبها من وزن البحر والقافية وسياق الكلام العامي العراقي، وهو لم يكتبها بمجموعاته الشعرية أما لاعتبارات أدبية أو تركها لفطنة القارئ لتكون أكثر تشويقا وتأثيرا، وهذا ما سوف أتناوله في هذه المقالة وسأكتب الكلمات التي أبدلها بهمهمات محصوره بين قوسين.
منولوج (إحچي).
مِنِ البَاب لِلمِحرَاب متلاَزمة بدُون حسَاب
واليحچي ياكُل (لجرَاب)
لم يكتب من الكلمة شيء في مجموعة (منولوجات عزيز علي)(1) وتركت بدلها نقاط أي فراغ، أما في مجموعة (عزيز علي أقواله ـ سيرته ـ وفنه) (2) و (عزيز علي، تراث وتاريخ) (3) فكتبت الكلمة كاملة، علما إن هذا المقطع حُذف من التسجيلات اللاحقة للمنولوج ولا يوجد أي تسجيل له.

لِعندَه أرَاضِي الِعندَه قصُور ُشغلَه عَدِل مَا ِبيه قصُور
القانُون عِندَه سَنطـُــــــــور ويكدَر ِيلعَب (بالدّستور)
لم يكتب من الكلمة شيء في مجموعة (منولوجات عزيز علي) وتركت بدلها نقاط أي فراغ، أما في مجموعة (عزيز علي أقواله ـ سيرته ـ وفنه) و (عزيز علي، تراث وتاريخ) لم يكتب منها إلا ستة حروف بهذه الصيغة (بالد....ور) ولقد استنبطت الباقي من سياق الجملة ووزن البحر.

منولوج (عيش وشوف).
لابد نِتنفّع َفد يــــــــــوم بفد شَروه ونِربَح بالكـَــوم
ماتظل هيجي دوم بدوم (لـــكِــن الحَظّ شُو َمشؤُومُ)
(لكن َخل نِصحَة من النوم)
لم يكتب من الجملة شيء في مجموعة (منولوجات عزيز علي) وتركت مكان الجملة نقاط، أما في مجموعة (عزيز علي أقواله ـ سيرته ـ وفنه) فكتبت (لكن الحظ شو مشؤوم) واستُبدلت في مجموعة (عزيز علي، تراث وتاريخ) بجملة (لكن خل نصحة من النوم).

منولوج (منه منه).
يَاعَرَب مَاهي غَلطتنــــا ِچنا مَاشين بنِيّتنـَـــــا
لكن (انكلتـــــره) خانَتنا ِهيّه َشلّت ُكل حَرَكتنا
لم يكتب من الكلمة شيء في مجموعة (منولوجات عزيز علي) ومجموعة (عزيز علي أقواله ـ سيرته ـ وفنه) وتركت بدل الكلمة نقاط فقط، ولم تكتب كاملة إلا في مجموعة (عزيز علي، تراث وتاريخ) وبحروف منقطة.

منولوج (برنادوت حيا).
ُسكتُو َمتخلّوهَا سَنطَه َحظنا جابِلنيا لُكطَـــــــه
َهلهِلُولَه (لأبو ظرطه)(4) جَانَه ِينشِلنا منِ الِورطَه
في مجموعة (منولوجات عزيز علي) كتبت (لأبو ....) فقط، أما في مجموعة (عزيز علي، تراث وتاريخ) فكتبت (ل..........) فقط، في حين ُرفع المنولوج من مجموعة (عزيز علي أقواله ـ سيرته ـ وفنه) وقد استنبطت الباقي من سياق الجملة، ومن مقابلة (احمد السبتي) مع (عزيز علي).

منولوج (الفن) استخدم فيه الهمهمة أربعة مرات.
هذا الدُنبَكچي زعَـــــل لازم أرَضيــــه
وذاك القانُونچي (نغل) َهم كُون أجَاريه
لا بَارَكَ الله بهَا لعَمَل مَا اريد أظل ِبيه
في مجموعة (منولوجات عزيز علي) تركت الكلمة نقاط، أما في مجموعة (عزيز علي أقواله ـ سيرته ـ وفنه) و (عزيز علي، تراث وتاريخ) كتبت بهذه الصيغة (ن...ل) واستنبطت الباقي وزن البحر.

وآنَه عَــلَيـــمَـــــــــــن أنحَب وَون َون
ِلفنُون صارَت َمسخَرَه وأكلان (ِتمَـّـن)
وآنَه شلي بهَا لعَنقـَـــرَه وإلمَن .. لِلفن؟
في مجموعة (منولوجات عزيز علي) ومجموعة (عزيز علي أقواله ـ سيرته ـ وفنه) تركت نقاط بدل الكلمة، أما في مجموعة (عزيز علي، تراث وتاريخ) كتبت كاملة. والكلمة ذاتها تورية لجملة (اكلان خره).

وذاك الكمنجَاتـي َتـــــــرَه َمايدُگ عَالأوُصول
وهذا بُو الدّف ابن (الخره) دَا يصُول ويجُول
يَانَاس يعنِي طــرطـــــره والسَالفه تطـُــــول
في مجموعة (منولوجات عزيز علي) ومجموعة (عزيز علي أقواله ـ سيرته ـ وفنه) تركت نقاط بدل الكلمة، أما في مجموعة (عزيز علي، تراث وتاريخ) حذفت كلمة (ابن) أيضا وتركت مكانها نقاط، لكني استنبطتها من القافية (تره) و (طرطره) (استبدلت هذه الكلمة في طبعة (عزيز علي تراث وتاريخ) بكلمة مسخره) ومن سياق الجملة بالعامية العراقية، وتماشيا مع وزن البحر، وقد تكون (ابن القندره) لكنها لا تتوافق مع وزن البحر.

َضاعَت َمقاييس الدّهَر َواوزَان هَالنَاس
الكَرعَه شُو وأمّ الشَعَر َصارَن َفد قيَاس
والعَاِلم وذاك (البَعَــر) ِلبسو َفد لبَــاس
في مجموعة (منولوجات عزيز علي) تركت بدل الكلمة نقاط، أما في مجموعة (عزيز علي أقواله ـ سيرته ـ وفنه) كتب منها أول ثلاث حروف بهذه الصيغة (الب....)، أما في مجموعة (عزيز علي، تراث وتاريخ) فكتبت كاملة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1_عزيز علي، تراث وتاريخ، مطبعة مصدق الجنابي، الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة،1991.
2_عزيز علي أقواله ـ سيرته ـ فنه، مكتبة النهضةـ بغداد، الطبعة الأولى 1990.
3_(منولوجات عزيز علي) المجموعة الثالثة، مطبعة البرهان، بغداد، منشورات بهاء الحيدري.
4_منتدى سماعي للطرب العربي الأصيل، الاحتفالية الكبرى لمئوية ميلاد الفنان عزيز علي، مقابلة احمد السبتي مع عزيز علي، ص 14. http://www.sama3y.net/forum/member.php?u=5530 (موقع على الانترنيت).

5_محاكمة عزيز علي بالماسونية*
تعرض المنولوجست (عزيز علي) لأكثر من مرة للاعتقال وللمحاكمة بسبب منولوجاته ومواقفه السياسية التي طالما تعارضت مع السلطة ليس لأجل المناصب وإنما دفاعا عن الفقراء والمظلومين وبدوافع الوطنية الخالصة رغم انه لم يكن سياسيا ولم ينتم إلى أي حزب غير الانتماء إلى الشعب والوطن وإنما كفنان ومثقف يساهم في تنوير الناس بالحقائق وكشف وفضح الفساد والخطأ عبر الفن. وقد سجل (عزيز علي) محاكمته الأولى التي اتهم بها بالنازية، والثانية التي اتهم بحيازة مروحية من أموال اليهود المنهوبة، في مجموعة منولوجاته (عزيز علي تراث وتاريخ) بالتفصيل، في حين إن المحاكمة التي اتهم بها بالماسونية لم تدون لأنها تمت في زمن البعث، وهو قد توفي عام 25/10/1995 أكتوبر.
القضية بدأت في صيف عام 1972 (1) حين تم فتح احد الصناديق الخاصة بمصرف الرافدين التي مر عليها 30 أو 25 عاما دون فتح، فوجد فيها أوراق تحتوي على أسماء المحافل الماسونية من ضمنها (عزيز علي) (فاضل الجمالي) (توفيق السويدي) وأسماء شخصيات أخرى، وهناك رواية أخرى انه تم العثور على أوراق المحفل في موقع صناديق البريد بالبصرة حين جرفته جرافة وتناثرت الأوراق، وقد سلمت الوثائق إلى مديرية الأمن العامة، صدر على إثرها قرار باعتقال (عزيز علي) وأكثر من 150(2) شخصا آخرين، استنادا إلى قرار لمجلس قيادة الثورة الذي كان قد صدر في بداية العام، اعتبر الماسونية حركة محظورة معادية ومؤيدة للصهيونية بالرغم من إن تاريخ الوثائق يعود لعقد الأربعينات؟(3) وقد تم اعتقاله من قبل الأمن في داره الواقعة في بغداد منطقة المنصور الداوودي حين كان مع عائلته على الغداء ظهرا، بعد أن تسللوا للدار خلسة من الكراج مرورا بالمطبخ المطل على الشارع العام واعتقلوه، ووضعوه في زنزانة حتى صباح اليوم التالي، ووجهت له تهمة الماسونية، فضحك (عزيز علي) منهم وقال لهم (مره شيوعي ومرة نازي وهسه ماسوني؟ كنت أظن في زمن هذه الثورة، أتكرم على ما قدمته لأكثر من ربع قرن في إعلاء صوت الحق على الباطل، وتحملت ما أتحمله من ضيم السجون) وفي العام 1973 حكم عليه مع تسعة أشخاص معروفين بالأخص من مدينة بغداد، كما تذكر أبنته (مي عزيز علي)(4) ووجهت التهمة له وفق المادة (201) من قانون العقوبات، ولم يدلي (عزيز علي) إلا بأقوال بسيطة مثل الاسم، العمر، العنوان، للرد على المحكمة، وكان الشاهد ضده امرأة أفادت انه ظهرت عليه بوادر الثراء في ملبسه منذ منتصف الستينيات؟ لكن هيئة المحكمة ارتأت تخفيف الحكم من الإعدام إلى السجن، بسبب شعوره القومي العربي استنادا إلى الحكم الصادر بحقه عام 1941 أثناء دعمه لحركة العقداء الأربعة وحبه ل(رشيد عالي الكيلاني)، وانه غنى للعرب (من أقاصي حضر موت لا قاصي المغرب) وكان اشد الناقدين والمحرضين ضد النظام الملكي، وانه تم توقيفه أثناء حرب السويس عام 1956، لاحتجاجه على العدوان الثلاثي على مصر، وكان له موقف من (عبد الكريم قاسم) ولم يشارك في مدحه كما فعل الباقي، إذ كان شبه منقطعا عن الإنشاد ولم يعد للساحة إلا عام 1966، في برنامج تلفزيوني ينتقد المقام العراقي لكونه من أصول أعجمية بدافع من عربيته، إلا أن المحكمة رأت إن ولادة (عزيز علي) في محلة (شيخ بشار) وهي المكان الذي كان فيه بيت مؤسس البهائية يزيد من شكوك انتمائه للماسونية! لأن المحكمة لم تكن تعرف الفرق بين البهائية والماسونية كما يقول المحامي (طارق حرب) الذي اطلع على أوراق الدعوة التي حكم بها (عزيز علي) عام 1989، وعلى ضوء هذه القرائن تم تخفيف الحكم للمؤبد (5).
وتقول ابنته مي (عندما التقينا والدي في سجن أبي غريب بعد أن تم حكمه وكان ذلك في عيد الفطر أو الأضحى لم اعد اذكر ولكن كان عيدا وأي عيد ... و حينها سألناه ... قال (بابا ...
هؤلاء جدد على الحكم والماسونية اسم غير معرف لدى العراقيين بل مبهم،
وهم أرادوا أن يقولوا إننا ضد الماسونية وهو للإعلام الخارجي ولا يوجد أفضل
من هذه الأسماء المشهورة في الوسط العراقي ليتم تشهير ما يريدون
وكذلك تقزيم هذه الشخصيات الكبيرة وأحدها (عزيز علي)
وقال أيضا (كان كل شيء مدون والقاضي يقرأ والمحامون الذين وكلتهم المحكمة أيضا ساكتون وتم الحكم) وكانوا تسعة، ولم يسمح كالعادة لأحد حضور جلسة المحكمة ولا تعلم أسرته متى انعقدت أصلا، إلا بعد أن بلغوهم أهالي بقية المعتقلين، وبقي (عزيز علي) سبعة سنوات توفيت خلالها زوجته 1978، ولم يفرج عنه إلا بعفو عام من الرئيس (صدام حسين) 1979 كمكرمة منه بعد توليه السلطة (6).
بعد ثلاث سنين تعرض مرة أخرى للاعتقال هو وأسرته هذه المرة عام 1/4/1982، بذريعة إن أغاني (عزيز علي) تذاع من إيران وهو من يمولهم بها، وكانت بناته وابنه عمر (الذي جاء في إجازة لأنه جندي احتياط في حرب إيران) يرتجفون خوفا وكان (عزيز علي) يواسيهم بضحكاته لرفع معنوياتهم ما داموا أبرياء، وقد عرضوا عليه التجسس في إيران مع أسرته أو الزواج من بناته؟ وكان هذا صدمة ل(عزيز علي) كما تقول (مي عزيز علي) فرد عليهم:(ابني لا تساوموني على شرفي، عيب وبعدين مو (عزيز علي) يصير جاسوس، آني أديت بما يكفي لهذا الوطن، الدور لكم هسه، آني ما انتميت لأي حزب بحياتي، ناديت لحرية بلادي ووطني، انوّب هسه بعد هذا العمر جاي اتگلي صير جاسوس؟ لا أذبح واحد من ولدي على أن أقوم بمثل هذا العمل) فسكت الموظف وأولاده خائفين من أن يقود هذا الكلام لإعدامهم، بعدها بأيام أفرج عنهم مع أوراقهم التي صادروها من المنزل، وكانوا فرحين جدا مع أقاربهم، لكن (عزيز علي) انهار شهرين وما أن بدأ يتعافى حتى توفي أبنه (عمر) بسيارة خاصة وهو قادم من الجبهة في إجازة؟ وكان قبلها اتصل بالتلفون من مقر وحدته في مندلي وقال (باﭼر إجازتي وراح انزل بالسيارة العسكرية اللي تنقلنا للمدينة) ثم جاء خبر وفاته بحادث سيارة خاصة وهو كان فيها؟! عام 23/12/1982 عن عمر 31 سنة (7).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*_تعرضت هذه المقالة للسرقة مرتين الاولى في جريدة الزمان العدد4832، الموافق 2014/6/12 الخميس، في صفحة ألف باء، نشرها المدعو (فائز جواد) مقالة باسمه عنوانها (منولوجات عزيز علي تتجدد رغم مضي نصف قرن) ثم سرقها شخص آخر اسمه (زكي محمد جواد) نشرها في كتابه (عزيز علي المنولوجست الساخر).
1_مي عزيز علي، منتدى سماعي للطرب العربي الأصيل، الاحتفالية الكبرى لمئوية ميلاد الفنان عزيز علي.
2_المصدر السابق.
3_وسام الشالجي، منتدى سماعي للطرب العربي الأصيل، الاحتفالية الكبرى لمئوية ميلاد الفنان عزيز علي.
4_مي عزيز علي، مصدر سابق.
5_طارق حرب، ويجب التنويه أن عزيز علي مدح (عبد الكريم قاسم) في ثلاث منولوجات هي (نو، حيو السلام، نشيد الثورة) عكس ما ورد في أوراق الدعوى التي حُكم بها عزيز علي، وإن عزيز علي لم يشير في مذكراته إلى اعتقاله أثناء حرب السويس تضامنا مع مصر؟ فإما إن المحكمة قد أخطأت بالمعلومات أو أن المحامي طارق حرب قد أخطأ بسبب قدم الحادثة كما قالها هو.
6_مي عزيز علي، مصدر سابق.
7_مي عزيز علي، مصدر سابق.