مئوية الدكتور حاتم الكعبي

محمد لفته محل
2018 / 1 / 10

الدكتور حاتم الكعبي من رواد علم الاجتماع العراقي المهملين من الجانب الشخصي والمعرفي، اذ لا يتوفر في محرك البحث جوجل والكتب المطبوعة الا عدة مقالات قليلة، وفيها اخطاء(1) ولم استطيع معرفة حياته الا من خلال رسالة الماجستير التي كتبت عنه (منهجية البحث عند الدكتور حاتم الكعبي) للباحث (انس ناجي) وعليه سأستفيض في حياته عرفانا لهذا العملاق الذي لم يحظى بالتقدير المطلوب الذي يليق به.
وقبل ايام مرت الذكرى المئوية لولادة حاتم الكعبي (2017) دون أي التفات من المؤسسات الثقافية والاكاديمية الرسمية والمستقلة لو بالإشارة كأن شيئا لم يكن! والتقصير تتحمله عائلته بتركها مخطوطاته مهملة بلا نشر؛ والمؤسسات الثقافية والاكاديمية التي لم تبادر لطبع مخطوطاته واعادة طبع كتبه. وهذا المقال هو محاولة متواضعة للاحتفاء بولادة قامة علمية اثرت الاكاديمية العراقية بالمعرفة.
(ولد الأستاذ حاتم عبد الصاحب عبد علي الكعبي عام 1917 وسط مدينة بابل الثقافة والتاريخ في حي الأكراد، والدكتور حاتم هو الابن الأكبر للحاج عبد الصاحب الكعبي وأمه العلوية لطيفة السيد سعيد السيد شبر وبيت آل شبر طالما ذاع صيتهم بالعلم وعرفوا بالاجتهاد والتَفَكّر. أنَّ التحصيل الدراسي لوالده لم يتجاوز معرفته بالقراء والكتابة إلا إنه كان على درجة عالية من الوعي والبصيرة ومدركا ما يحيط به من ظروف سياسية واجتماعية ولاسيما هو أحد ثوار الثورة الكبرى ضد الاستعمار الانكليزي في النجف الاشرف عام 1918 وثورة العشرين في الفرات الأوسط وكان مشخصا في مواقفه الوطنية ضد الاستعمار الانكليزي. الأمر الذي اضطره للانتقال إلى مدينة العمارة وهي مسقط رأسه وتواجد عشيرته، فقد كان يتطلع لحياة أفضل لما تحوطه عنايته لأهل بيته من حياة آمنة ولقمة عيش هنيئة، ولاسيما كانت قد أصبحت ظروف مدينة الحلة والفرات الأوسط آنذاك قاسية (في العقد الثاني من القرن العشرين)على الثائرين من سطوة السلطة الحكومية، فضلاً عن اشتعال الفتنة بين عشائر الفرات وكثرة القلاقل)(دخل الدكتور حاتم الكعبي مدارسها الابتدائية. وبعد أن أكمل دراسته الابتدائية عام 1931 قرر والده العودة مع العائلة إلى مدينة الحلة لقربها من مدينة بغداد، لأنه كان حريصا ومصراً على أن يتابع أولاده تعليمهم حتى مرحلة الجامعية، لإدراكه أن عملية التغيير والنهوض بالأمة العراقية والعربية لا يتم إلا من خلال دحر الأمية والقضاء على الجهل ومواكبة العلم في أعلى مراحله، وبرهان ذلك أن أولاده الستة قد حصلوا جميعهم على شهادات جامعية ولبعضهم مواقف سياسية ووطنية.) فتحصيل اولاده كان كالتالي (الأستاذ ناجي مدرس الفيزياء و(الملك فيصل الثاني) احد تلامذته، وظافر خريج مساحة وعمل في السياسة وشارك في حرب فلسطين، ورحيم خريج هندسة مدنية، ورحمة دكتورة في الصيدلة، وأخيرا المهندسة الزراعية سميرة الكعبي)
(جاء الدكتور إلى بغداد من اجل مواصلة التعليم وإكمال الدراسة الثانوية، فدخل الثانوية المركزية الكائنة في باب المعظم عام 1932، (الإعدادية المركزية حاليا) وهي مرحلة جديدة في حياته وتجربة تضاف إلى تجاربه وخبراته السابقة التي اكتسبها وعرفها عن الجنوب والوسط). لاختلاف حياة الجنوب المحافظة عن حياة العاصمة التي تتسم بالانفتاح والمرونة. (فهي متميزة بخصائصها المدنية، تزاحم السكان، وكثرة الأسواق التجارية.. وكثرة الزائرين من داخل البلاد وخارجها لحضور مراكزها العلمية والثقافية والسياحية مما يعرض سكانها إلى احتكاكٍ حضاري واجتماعي وخلق حالة من تزاحم الأفكار والاتجاهات. ومن هنا شهد تاريخ العاصمة بغداد العديد من الحركات الاجتماعية والثورية الوطنية وأيدلوجيات مختلفة جميعها تنادي وتدعي لنفسها برامج الإصلاح والحداثة وترك القديم غير النافع والمفيد.) تفاعل الكعبي مع كل هذه الاحداث باتجاه الاصلاح الاجتماعي بطريقة ثورية، مع ذلك ظل متفوقا في دروسه.( وفي عام 1937 حصل على شهادة الثانوية بتفوق، وكان متميزا بمادة الرياضيات إذ بلغت %98 وعليه تم قبوله في دار المعلمين العالي قسم الرياضيات. غير أن حبه الشديد للرياضة وقدرته على ممارسة بعض الألعاب الرياضية كالملاكمة والطائرة وكرة القدم (يجيد الدفاع) عوامل أدت إلى قبوله دعوة عميد الكلية آنذاك لأن يلتحق بفريق الكلية للمشاركة خارج البلاد وكان ذلك في (اسكتلنده) عام 1973 وسببا لانتقاله إلى قسم التربية البدنية (التربية الرياضية) حاليا)
(أنهى الدكتور دراسته الجامعية بتفوق عال عام 1940. ولكونه من المتميزين، تم تعينيه في دار المعلمين داخل العاصمة بغداد وفي منطقة الأعظمية تحديدا وكان ذلك عام 1941.) تزوج من (الأستاذة زهرة باقر ألجلبي، أستاذة علم النبات في كلية العلوم/جامعة بغداد وكان ذلك عام 1941، وسكنوا في منطقة الاعظمية .)
(ظل الدكتور يمارس عمله في دار المعلمين حتى سنة 1949 ليلتحق بعدها بالبعثة العلمية العراقية المتوجهة إلى الولايات المتحدة ويدخل جامعاتها ويكون طالبا في جامعة شيكاغو)
(وبعد أن أكمل الدكتور دراسته العليا للماجستير والدكتوراه عام 1954 وكان عنوان أطروحته (التحليل الاجتماعي النفسي للحركات الوطنية العربية في العراق) ونال الدكتوراه Ph .D وعاد إلى وطنه العراق في نفس العام ليكون مدرساً في كلية (الملكة عاليه) كلية التربية للبنات حالياً وبدأ بتدريس فقرات ومواد علم الاجتماع، والتحق بقسم الاجتماع العراقي عام 1956 ليكون أحد الرواد الثلاث الأوائل بعد الدكتور الوردي والدكتور عبد الجليل الطاهر)
(بدأ الدكتور يمارس دوره الأكاديمي والبحثي منذ ذلك الحين، وتمثل الأول بتدريس مواد علم الاجتماع في كلية الآداب وأقسام أخرى كقسم علم النفس وكلية القانون والفقه وكتاباته المتعددة في مجالات علم الاجتماع وأجرائه لبعض البحوث الميدانية، فضلاً عن اهتماماته الأخرى الشعرية منها واهتمامه بزراعة حديقة المنزل ومطالعاته لمصادر اللغة العربية كالنحو والأدب العربي)
وقد تمثل النشاط العلمي للدكتور الكعبي بما يلي:
(1_في مطلع السنة الدراسية للعلم 1959 اوفدت جامعة بغداد الدكتور الكعبي إلى الاتحاد السوفيتي يوم ذاك لإلقاء محاضرات في (معهد الإلحاد) في جامعة موسكو على أن تتناول تلك المحاضرات أبرز الحركات الفكرية في الإسلام وإسهامات الفلاسفة العرب منهم والمسلمين في حركة النهضة الفكرية، وفي تيارات الفكر الإنساني، وفي تكوين الفكر العلمي الأوربي. وتحدث الدكتور الكعبي أيضا عقب عودته عن اهتمام الروس بالحركة الفكرية الإسلامية وتيارات مذاهبها) (وبعد قيام ثورة 14 تموز من عام 1958 وما صاحبها من حراك سياسي وفكري قدم بحثه الموسوم (في علم اجتماع الثورة)
2- أجرى الدكتور الكعبي بعض البحوث الاجتماعية في منطقة الحاج عمران وذلك في عام 1960 والذي استحق عليها الترقية إلى مرتبة أستاذ مساعد، وكانت بحوزته عشرات المؤلفات والبحوث، كان على وشك طبعها وتوزيعها على الطلبة والمهتمين لولا القدر الذي عاجله بالأجل).
(3-كان مساهما نشطا حيث قام بإلقاء المحاضرات في أربعة كليات بلا أجر ومنها كلية الفقه الكائنة في النجف الاشرف، كان يذهب إلى النجف كل يوم أربعاء ويعود يوم الجمعة ومن طلابه المعروفين محمد باقر الصدر والدكتور الشيخ احمد الوائلي.)(2) والدكتور علاء الدين البياتي، الدكتورة ناهده عبد الكريم حافظ ، الدكتور صبيح عبد المنعم، الدكتور كامل المرياتي، الدكتور أحمد الحديثي، الدكتور عبد اللطيف عبد الحميد العاني، الدكتور عدنان ياسين، الدكتور هادي صالح، الخ.(3)
(4-كان الدكتور الكعبي يحاضر في مواد عديدة كعلم الإجرام والمشكلات الاجتماعية وعلم النفس وعلم النفس الاجتماعي والمدخل إلى علم الاجتماع ومادة التبدل الاجتماعي (التغير الاجتماعي) ومادة السلوك الجمعي. وقدم له كتاب شكر وتقدير لجهوده المتميزة ولتأدية واجباته تأدية حسنة وكان ذلك عام 1960)
(لقد كان الدكتور الكعبي كثير الأسفار. فلم يترك عطلة صيفية دون أن يسافر فيها إلى خارج الوطن) (إلا انه لم يترك سفراته هذه دون اللقاء بعلماء الاجتماع والمهتمين بشؤون المجتمع في شرق الأرض وغربها وحضور الندوات والمؤتمرات التي كانت تقام في المحافل الدولية)
(5-شارك في المؤتمر العالمي لعلم اجتماع الإجرام الذي عقد في لاهاي في الخامس من أيلول عام 1960 والذي استمر سبعة أيام).
(6-شارك في دورة الفصل الجامعي للعلماء الأجانب الذين لهم اطلاع على المشاكل الأساسية في حقل العلم الاجتماعي والذي أقامه المركز الجامعي الدولي للعلوم الاجتماعية في الجمهورية الاتحادية الشعبية اليوغسلافية)
(7-شارك في مؤتمر الفنون الشعبية العربية الذي أقيم في مدينة القاهرة في شهر كانون الأول من عام 1961 والذي استمر سبعة أيام.)
(8- تم ترشيحه لزيارة بعض جامعات الاتحاد السوفيتي، وبقي هناك ثلاثة أشهر يلقي محاضرات لطلبة قسم الاجتماع في جامعة باكو.)
(9-قام بتأليف كتاب التربية البدنية لطلبة الصف الثاني متوسط في عام 1962 بالاشتراك مع الدكتور نوري الحافظ أستاذ مساعد في كلية التربية آنذاك.)
(10-قام بتأليف كتاب مبادئ علم الاجتماع لطلبة الصف الخامس الثانوي وبالاشتراك مع الدكتور محمد المشاط وذلك في عام 1963 والذي تم اعتماده لهذه المرحلة عام 1967 وكان الغرض من هذا الكتاب نشر التوعية الاجتماعية والتعرف بالمفاهيم الاجتماعية من قبل الطلبة الشباب، فهو يرى أن الثقافة الاجتماعية في البلاد النامية أحوج من العلوم الطبيعية.)
(11-في عام 1964 تم نقله إلى كلية التربية أستاذاً مساعدا في قسم الخدمة الاجتماعية لمادة علم النفس الاجتماعي. وفي هذا العام قدم الدكتور بحثه الموسوم (نمو الفكر الاجتماعي) الذي طبع على شكل كتاب ثم ألحقه ببحثه الموسوم (الطبقية الاجتماعية وكارل ماركس) والذي نشر في مجلة الأستاذ آنذاك، وقد مثلت بحوثه هذه نشاطا علميا متميزا في ذلك الوقت)
(12-قدم بحثه الموسوم (دراسة حال زعامة عام 1965) وهي دراسة أجراها في أمريكا.)
(13-أما نشاطه العلمي المميز في عام 1966 فتمثل ببحثه الموسوم (الحركات الاجتماعية التي تدور حول منقذ منتظر).
(14-عاد الدكتور إلى كلية الآداب في عام 1970 وفي هذا العام كان محاضراً في كلية القانون والسياسة.)
(15-أما نشاطه العلمي لعام 1971 فكان إصداره لكتاب حركات المودة وهو كتاب ذو قيمة علمية عالية؛ وقد شهد بذلك أستاذه (بلومر) في مقدمته لمؤلفات الدكتور الكعبي في حقل (السلوك الجمعي)، كما شارك الدكتور في هذا العام في مؤتمر (بيروت) للعلوم الاجتماعية .)
(16-سافر الدكتور إلى القاهرة في مايس 1972 مرشحاً للمشاركة في عقد مؤتمر عالمي حول دراسة الإنسان وقد دعت لهذا المؤتمر مؤسسة (سمت ونين) وهي أشهر مؤسسة في العلوم الاجتماعية كما شارك في مؤتمر العلوم الاجتماعية في الشرق الأوسط المنعقد آنذاك في الكويت.)
(17-ذهب الدكتور إلى شيكاغو في أيلول 1973 للمشاركة في المؤتمر العالمي التاسع (للانثروبولوجيا و والاثنولوجيا) لمناقشة بحث الأستاذ (موريس فريد مان أستاذ الانثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة أكسفورد، وقد وجهت دعوة للدكتور الكعبي من رئيس المؤتمر لمناقشة الأستاذ موريس في بحثه الموسوم (علم الانثروبولوجيا اليوم وغداً) وقد انتخب الكعبي نائبا لرئيس المؤتمر، وهو مؤتمر عالمي ضخم حيث اثأر الدكتور إعجاب وتقدير الحاضرين لما قدمه الدكتور فيه من مناقشة علمية ومنتجة، وفي تشرين الأول مثل العراق في مركز البحوث الاجتماعية في الجامعة الأمريكية في القاهرة كما تم طبع كتابه (السلوك الجمعي) الجزء الأول وهو كتاب يعد الأول من نوعه على صعيد الوطن العربي في العلوم الاجتماعية. وفي الحقبة المتبقية أي ما بين 1973 حتى أحيل على التقاعد 1978 لم نجد شيئا يذكر سوى إحالته على التقاعد عام 1978 دون علة مرضية تذكر. وفي عام 1979 توفي الدكتور حسرة وألما بعد أن ابعد مرغما.)(4)(اخته قالت: تم فصله من الكلية لأسباب سياسية كيدية وبعدها مات مهضوما)(5)، يقول ابن اخيه قاسم (تعرض لمضايقات من قبل القومجية والبعثيين و خصوصا في السبعينيات لأنه كان قاسمي التوجه، و في سنة 78 كان هناك اساتذة (على رأسهم فوزية العطية*) وطلاب (وحتى بعض الاقرباء) بعثيين ينافقون عليه، وقاموا بتهديده بترك القسم و قدموا تقرير لقيادة قطر العراق لحزب البعث و على اثرها تم طرده من الوظيفة، ورموا كرسيه من سطح القسم، ومنعوه من السفر ووضعوه تحت الاقامة الجبرية في البيت فقط، ومنع من الخروج من البيت، واصيب بثلاثة امراض سكر و ضغط و قلب بسبب القهر و توفي بجلطة في سنة 79 بسبب ذلك)(6). والملاحظ انها سنة وصول (صدام حسين) للسلطة (الرئاسة) الذي اجتث فيها الاحزاب الاخرى وصفى حتى البعثية المنافسين له، فكيف بالكعبي صاحب الميول الثورية ان يعيش مع هذا النظام المصاب بفوبيا الثورة المضادة؟. وكان من الممكن اثناء تقاعده ان تكون فرصة له لإنجاز بقية مؤلفاته الكثيرة التي وعد بها والتي شغله التعليم عن اتمامها، مثلما فعل (الوردي) حين قدم استقالته وتفرغ لإكمال سلسلة (لمحات اجتماعية...) وحين فعل (عبد الوهاب المسيري) حين ترك الجامعة للتفرغ للجهد البحثي. وبقيت مسودات الدكتور بعد وفاته في مكتبته وانتقلت مع عائلته التي سافرت خارج العراق واخذت معها هذه الاوراق وبقيت بحوزة ابنته (سوسن الكعبي) التي تقطن الاردن حاليا دون ان ترى النور.(7) واهملت ايضا لأسباب منها ان اولاده كان توجههم بالطب فزوجته كانت تدريسية في علم النبات، وبنته طبيبة صيدلانية، وابنه عدي مهندس، وهاجرت العائلة. الزوجة وبنته نسرين الى امريكا وتوفيت عام 2011 في امريكا، واخرى في الاردن مع عمتها وعدي في الامارات.(8)
هناك نشاط للكعبي في السنين الأخيرة غفل عنه الباحث (انس ناجي) هو بحث باللغة الانكليزية غير منشور عن (ابو طبر) باللغة الانكليزية (دراسة حالة رعب جمعي= Dr. Al-kabi: "A Case study of panic"" دراسة قدمت الى مؤتمر لعلم الاجتماع 1974، عقد في كندا "مونترياﻝ". (9) والذي طور فيما بعد برسالة ماجستير اشرف عليها الكعبي بذات العنوان للطالبة (ناهدة عبد الكريم). والباحث للأسف لم يقرأ رسالة الكعبي سواء الماجستير او الدكتوراه اذ لم يلخصها ضمن مؤلفاته وتجاهلها واكتفى بذكر عنوان اطروحة الدكتوراه! عام 2015 بيعت مكتبة الكعبي في شارع المتنبي وحصلت على نسختين من كتابيه (حركات المودة) و(السلوك الجمعي) وكانت غير مستعملة، واخبرني صاحب احدى المكتبات انها كانت غنية بالمصادر الانكليزية القيمة.
ترجم كتب عديدة (المدرسة الاقتصادية في علم الاجتماع) و(المدرسة الميكانيكية في علم الاجتماع) للعلامة سوركن 1948، و(علم الاجتماع) تعريب عن (هيوز) 1961 و(الطفلة التي لاتنمو) تعريب عن (بيرل بك) 1960.
الكعبي في عيون تلامذته الذين اصبحوا اساتذة
أن معظم الذين درسوا على يد الدكتور الكعبي واصلوا نشاطهم وحضورهم العلميين حتى ترقى بعضهم إلى مرتبة أستاذ وآخرون إلى أستاذ مساعد.(10) وكان رأي الأساتذة الذين كانوا طلابه في الأداء التدريسي للدكتور الكعبي ممتاز جدا. ويتفق معظم طلابه/الاساتذة حاليا انه كان متمكنا من نقل المادة إلى الطالب، وكان محيطا بمصادر الدرس، وتميز المادة بتسلسل منطقي وانتظام، وطريقة إلقائه ممزوجة بالشعر الشعبي. وميزة الاداء التدريسي كانت بالإحاطة النظرية اولا، بالتسلسل والوضوح في عرض المادة العلمية ثانيا، والمنهجية الدقيقة ثالثا. ويتفق معظم طلابه على ان التفاعلية الرمزية كانت واضحة في تدريسه. لكنه لم يكن متحيزا لنظرية بعينها كما يقول طلبته. لأنه لم يكن يعتمد على مصدر معين في تدريسه. ومن خصائص منهجية الكعبي هي تركيزه على الناهج النظرية والتحليلية. لكنهم يختلفون في تميزه المنهجي.(11) لكن كتاباته شكلت اضافة لحقل لعلم الاجتماع بنظرهم.(12) ورأى الأساتذة المبحوثين في الأسلوب المتبع من قبل الدكتور ألكعبي في تفسيره لظواهر الاجتماعية أن الدكتور الكعبي كان يجمع بين أكثر من نظرية في تفسير بعض الظواهر الاجتماعية،1_نظرية (اكبرن) في تطور المدينة. 2-نظرية (برجس) في الحضري. 3-يشيد بنظرية (سملزر) و(بلومر) وكثير ما يشيد بمدرسة شيكاغو في تفسيرها لتطور المدينة. 4-نظرية (فونشتاين) الاقتصادية. 5-يناقش ويفسر بعض الأحداث وفق المنظور الدوركايمي. 6-كان يشير إلى الواقع العراقي في أكثر من منظور إلا أنَّه كان دائما يميل إلى التفاعل الرمزي.(13) وقد تميز بمهجية اجتماعية تختلف عن اقرانه كما يقول طلبته كالوردي والطاهر.(14) وعلاقته كانت جيدة مع الطلبة والاساتذة.(15) ويتفقون أن طريقة كلامه وصوته الجهوري كانت سمة مميزة لشخصية الدكتور الكعبي.(16) وقد تأثر معظم طلابه بتدريسه اولا وكتاباته ثانيا.(17) ويضيف طلبته ملاحظات عن الدكتور بالتدريس:1-كان محترما وشجاعا في إبداء الرأي. 2- عندما يتحدث للآخرين كان مقنعا لكثرة المبررات التي يعطيها والحجج التي يسوقها عندما يريد أن يؤكد أو يفند رأيا آخر. 3- أن أهم ما في الدكتور الكعبي قوة شخصيته وسيطرته بشكل كبير ودقيق على الطلبة داخل الشعبة، وانه كان حريصا على توصيل المادة العلمية إلى الطلبة. 4- من أكثر الأساتذة دقة واحتراما لوقت الدرس، فقد كان دقيقا في دخوله في الوقت المحدد إلى القاعة ولا يقبل لأي طالب أن يتأخر بعده. 5- الدكتور الكعبي علم من أعلام المعرفة الأجلاء، قلما يجود الزمان بمثله وانه ذا شخصية فريدة يجمع بين العلم والمعرفة والرجولة، بين الصرامة والود وبين الجد والمرح أحيانا. 6- لاقى بعض الصعوبات (المشاكل) من بعض الأساتذة داخل القسم لصراحته ولحدته وتعصبه لرأيه. 7- كان لا يكتب على السبورة إلا باللغة الانكليزية. 8- كان يكلف الطلبة بكتابة البحوث وباللغة الانكليزية. 9-قدراته العالية وإحاطته بنظريات علم الاجتماع ومفكريها وكذلك بنظريات علم النفس وعلم النفس الاجتماعي والمنظرين لهذين العلمين. 10- كان يستشهد ويوظف ملكته الشعرية في بعض الوقائع والظواهر الاجتماعية الحاصلة وسط المجتمع العراقي وفق منظور التفاعل الرمزي. 11-كان يعزز المحاضرة بكل ما هو مفيد وممتع. 12- في بعض الأحيان كنا إذا خرجنا من محاضرة الدكتور الكعبي وجدنا طلاب الدراسات العليا ينتظروننا، كي يأخذوا دفاترنا للاستفادة منها من خلال نقل المحاضرة وما قيل فيها.(18)
يقول الدكتور (خليل ابراهيم) وهو احد الذين درسوا على يد الكعبي، ان الكعبي طلب منه في احد المحاضرات ان يبتعد بمقعده عنه لأنه اثناء القاء المحاضرة ينفث رذاذ من فمه ("اتفّل" بحسب تعبير الكعبي) ورد عليه الدكتور ابراهيم (دكتور تفالك مي ورد) واضاف الكعبي (طلاب راح انطيكم محاضرة عن فرويد وراح افشّر بالشرح، فالبنات اذا يريدن يطلعن خل يتفضلن وما سجلهن غياب) فلم تخرج ولا طالبة من المحاضرة. ولتوضيح رمزية فرويد الجنسية ضرب لنا شعرا عاميا (ليفوني ويه جواد لف الجكاره، بس على راس جواد تحلى السداره) وقال (اعطانا الدكتور الكعبي ورقتان (ملزمة) عن اللاشعور كتبهما الدكتور الكعبي، واوصانا ان لا نعطيها للدراسات العليا، لانهم سيسرقونها وينشروها بحثا باسمهم، ولا ازال احتفظ بهذه الورقة ولا اعطيها لاحد.) وحين طلبت الورقة منه رفض الدكتور (ابراهيم) اعطائها وفاءا للكعبي. وحين سالته عن صحة الكعبي قال كان قويا والذي سبب وفاته هو زميلته (فوزية العطية) التي شكا منها بالمحاضرة قائلا (راح تموتني)، واعتبر الدكتور ان الكعبي اكثر علمية من الوردي (الكعبي يخلي علي الوردي بجيبه الوره).(19)
يقول الدكتور (معن خليل عمر) عن الكعبي، لا يقدم هذا الرائد الاجتماعي على التأليف أو الترجمة اعتباطاً أو بدون هدف علمي، أو من أجل إثارة الجمهور العراقي بطرح موضوع مولع به، أو يجاري ظاهرة اجتماعية مؤقتة سادت المجتمع العراقي، بل تحفزه مثيرات اجتماعية أو فكرية تمثل الزلل أو النقص أو الصراع أو التعصب الذي يسود بعض شرائح المجتمع العراقي وبخاصة شريحة المتعلمين والمثقفين، فيندفع إلى وصف ذلك من خلال انتقاء آراء وتقييمات وتوضيحات لأبرز الباحثين الغربيين المختصين في علم الاجتماع وبالذات أنصار المدرسة التفاعلية الرمزية لأنه أحد أبنائها من أجل معالجة ذلك الزلل أو النقص أو الصراع الاجتماعي. أقول إن الدكتور الكعبي كان يخاطب ويحاور القارئ العام مثل ما يخاطب المختص والمهتم بالقضايا والمعالجات السوسيولوجية الأكاديمية الرفيعة الملتزمة بأسلوب البحث العلمي الرصين ، لذلك لم ينشر كتاباته وأعماله العلمية في الصحف اليومية أو المجلات الأسبوعية، بل الدوريات الجامعية أو في كتب متخصصة، مستخدماً المصطلحات العلمية ذات المعاني الواضحة المعتمدة على مفردات لغوية رفيعة المستوى ودقيقة المعنى، بعيدة كل البعد عن الإسفاف والتدليس في الأفكار أو ألآراء الفجة أو الغامضة أو الرخيصة أو النقد الجارح أو التقريض المؤلم . فضلاً عن كونه باحثاً علمياً لم يتوخ الربح المالي من وراء كتاباته ، فقد عاش وكافح من أجل علم الاجتماع في العراق فقدم للعراقيين عطاء فكرياً وعلمياً خالصاً ، فلم يعش من علم الاجتماع .(20) ولم ينظر الى الحركات الثورية نظرة سلبية انما اعتبرها حركات ايجابية تغير المجتمع، وبذلك انسلخ عن الطابع المحافظ للتفاعلية الرمزية.(21) إن بواعث الدكتور وانشغاله الكبير بظاهرة الثورة لم يكن وليد اللحظة التي انبعثت فيها، بل منذ كان شابا ينظر بترقب وملاحظة لكيفية التغيير الاجتماعي لأنه كان يؤمن إن التغيير لا يتم إلا عن طريق الثورة وبواسطة السلوك الجمعي أي عندما تنتظم ردود أفعال الأفراد أو الجماهير في عمليات السلوك الجمعي لأنها تعبر عن إرادة شعبية لغالبية أفراد وفئات المجتمع.(22) وراى ان التفاعل الاجتماعي قد يكون تنازعي ايجابي ليس دائما تفاعل سلمي وبذلك كانت اضافته للتفاعلية الرمزية التي كان من تلامذة اساتذتها مثل (بلومر) و(ميد) (شيلز).(23) والمطلع على نظريات التفاعل الرمزي يجد أن معظمها أغفلت أو أهملت ظاهرة التفاعل الصراعي الاجتماعي، بل درست أشكال التفاعل الاجتماعي ومنه الرمزي إذ اظهر الدكتور الكعبي القلق وعدم الاستقرار بين الناس المضطهدين الباحثين عن متنفس يحقق آمالهم ويشبع رغباتهم، فهو تفاعل مشاعر مهتاجة تظهر على سلوك جمعي.(24)
يقول الاستاذ سعد الدين خضر عن الكعبي انه كان (خير مرشد ومعين، لمسنا خلال ذلك من موضوعيته وعلميته وحياده، لقد تحلى الكعبي بأخلاق العلماء فلم ينحرف ولم يتعصب وبقي محافظا على مبدئيته العلمية وموضوعيته واستقلاليته الامر الذي اثار اعجابنا وتقديرنا وشدنا إليه اكثر فأكثر)(25)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1_من الاخطاء الشائعة ان الكعبي توفي عام 1973، وان له بحث عن (نظام الطوائف الاجتماعي) وهو بحث وعد بنشره ولم يرى النور كباقي كتبه التي وعد بها، ومن الاخطاء انه اهتم بالكلمات العامية الغريبة والزهو في حين كانت هذه الاهتمامات على هامش كتبه.
2_انس ناجي حسن البلداوي، منهجية البحث عند الدكتور حاتم الكعبي، دراسة اجتماعية تحليلية،2011، جامعة بغداد، كلية الاداب، قسم علم اجتماع، (رسالة ماجستير غير منشورة)، ص68_73.
3_نفس المصدر، ص164.
4_نفس المصدر، ص73-76.
5_حوار خاص على الفيس بوك، مع الاستاذ Anas Naji (انس ناجي) الذي نال شهادة الماجستير عن دراسته (منهجية البحث عند الدكتور حاتم الكعبي). 16/08/2017 12:50 ص.
*_ قامت الدكتوره فوزية العطية بسرقة جزء كبير من مقدمة كتاب (في علم اجتماع الثورة) ونشرته شبه نصا في مجلة كلية الآداب. راجع: فوزية العطية، علم اجتماع الثورة، كلية الآداب العدد24، بغداد، 1979.
6_محادثة على الخاص فيس بوك مع (قاسم رحيم الكعبي) ابن اخ الدكتور حاتم الكعبي. 1/1/2018، الرابعة مساءا. ومن خلال هذه المحادثة يبدوا ان عائلة الكعبي لها دور في اهدار تراث الكعبي المعرفي بإهمالها مخطوطاته.
7_انس ناجي، منهجية البحث، ص9. هي دعوة لكل دور نشر حكومية او اهلية ان تساهم في الوصول لأوراق الكعبي وطبعها. وهي دعوة لابنته ان تحاول او تتعاون مع محبي الكعبي والمهتمين بتراثه المعرفي والعلمي لنشره.
8_حوار خاص على الفيس بوك، مع الاستاذ (انس ناجي).
9_د. ناهدة عبد الكريم حافظ، الدكتور الكعبي بين رؤية الشاعر ومنهجية البحث، دراسات اجتماعية، مجلة فصلية محكمة تصدر عن قسم الدراسات الاجتماعية في بيت الحكمة، العدد15، السنة الرابعة، ايلول 2002، ص85.
10_انس ناجي، منهجية البحث عند الدكتور الكعبي، مصدر سابق، ص117.
11_نفس المصدر، ص120-128.
12_نفس المصدر، ص132.
13_نفس المصدر، ص133.
14_نفس المصدر، ص136.
15_نفس المصدر، ص137.
16_نفس المصدر، ص131.
17_نفس المصدر، ص135.
18_نفس المصدر، ص139.
19_حوار مع الدكتور خليل ابراهيم، في مؤسسة بيت الحكمة، قاعة دراسات اجتماعية، في الساعة 10 صباحا، 2017/7.
20_د. معن خليل عمر، رواد علم الاجتماع في العراق، دار الشؤون الثقافية العامة، الطبعة الاولى1990، العراق_بغداد، ص115،116.
21_د. ناهدة عبد الكريم، مصدر سابق، ص84.
22_انس ناجي، منهجية البحث عند الدكتور الكعبي، مصدر سابق، ص85.
23_د. معن خليل عمر، مصدر سابق، ص133،138.
24_انس ناجي، منهجية البحث عند الدكتور حاتم الكعبي، ص87.
25_حازم خليل، قراءة في الشخصية العراقية 2-2، 07-06-2012،