التأثير والتأثر في فكر ادورد سعيد

عبدالله احمد التميمي
2018 / 1 / 10

التأثر والتاثير وألادب المقارن في فكر
ادوارد سعيــــــــــــــد
مقدمة :

قد يكون التقدُّمُ جسرَ الرجوع
الى البربرية.

لا الشرقُ شرقٌ تماماً
ولا الغربُ غربٌ تماماً,
فإن الهوية مفتوحَةٌ للتعدّدِ

يحبَّ بلاداً ويرحل عنها:
أنا ما أكونُ وما سأكونُ
سأضع نفسي بنفسي
وأختارٌ منفايَ. منفايَ خلفيَّةُ
المشهد الملحمي
وأدافع عن بلد خَطَفتْهُ الأساطيرُ

نَسْرٌ يودِّعُ قمَّتَهُ عالياً
عالياً,

بهذا المشهد الشعري من قصيدة طباق للشاعر محمود درويش يمكن لنا ان نستقرأ مشكلة البحث والتي تتمحور في قضية التاثر والتاثير ، والادب المقارن في فكر ادوارد سعيد إما دراسة بحثية وإما مقارنة بين ثقافة الغرب نفسها وثقافة الغرب والشرق .
حيث كان لهذا الفكر آثاراً واضحة على جملة من القضايا المعرفية والاستشراق ، فقد قام ادوارد بتأليف اكثر من ثلاثين كتابا في مواضيع متعددة في الدراسات الأنثروبولوجية، وتاريخ الفن ، ودراسات ما بعد الاستعمار (الكولونيالية).
وكان لكتاباته التنويري ومواقفه الموضوعية تأثيراً كبيراًعلى نطاق السياسة العالمية اتجاه الشرق والذي صورها بالمرأه التي يتكالب عليها العالم لاغتصابها فمن خلال اقامته الطويلة في الولايات المتحدة الامريكية قام بفضح المؤسسة الغربية الاستشراقية ، وكشف أقنعة هذه الثقافة الامبريالية المغتصبة للعالم ، فلم يساوم ولم يجامل أحد في كتاباته، وكان نقده بناءاً ومعارضا لكل أشكال الاستبداد والهيمنة وفي نفس الوقت عدم الإساءة لأي منتج فكري ، وركز اهتمامه ايضا في البحث في قضايا الغرب من منظور الهوية والمنفى والسلطة والحرية بأسلوب نقدي تحليلي مقارن هذا السبب الذي صنع منه شخصية عالمية تترجم كتبة الى عدة لغات وتدرس في كثير من الجامعات لتحمل بين ثنايها ضمير القرن العشرين، حيث قال عنه كوفي عنان عند تأبينه: ‘إن أمريكا والشرق الأوسط سيصبحان أكثر فقراً بفقدان صوت إدوارد سعيد"
وتنبع أهمية البحث من كونه يتطرق بالعرض والتحليل للمحطات الهامة من حياة المفكر إدوارد سعيد وقراءة بحثية في اشهر ما كتب في مجال الاستشراق ومحور استنساخ فكرة الاستشراق في الإعلام الغربي من خلال عملية تصنيع الصورة وكيفية ترويجها للجمهور ودورالمثقف الحقيقي في المجتمع يالاضافة الى اهم الانتقادات المنهجية لفكر ادورد سعيد
اما سبب اختياري لهذا البحث في البداية كان ترشيح الدكتور موفق السقار لهذه الشخصية المعاصرة والمثيرة للجدل في الفكر المقارن حيث يمكن اعتبار ادورد سعيد من المحدثين الذين عبرو القارات بفكرهم ، ومن الذين كان لهم بصمة واضحة في القرن العشرين .
وبعد الاطلاع والقراءة زاد اعجابي بهذا الناقد والمفكر والفنان ادورد سعيد ولقد واجهة صعوبة في عملية البحث والتلخيص والتحليل خصوصا في ما يتعلق بطفولة ادورد سعيد التي كانت السبب الرئيسي وراء ظهور هذة الشخصية والتي كانت ايضاً بالنسبة لي محورأ مهماً ، بالاضافة الى قلة الدراسات البحثية النفسية لطفولتة مما دفعني للغوص في هذا البحر من الفلسفة والفكر المقارن ، لعلي اجد اطراف ربط بين طفولته ومسألة التهجير القسري والطوعي في بعض الاحيان وحالتة الميسورة والموروث الديني لدية وبذلك فقد سعيت جاهداً في البحث والاستقصاء لجملة من الفرضيات تتمحور في الاسئلة التالية
1- ما هي اسباب تطور وشهرة هذة الشخصية ؟
2- وما أثر اسهاماته في هذا الفكرعلى العالم العربي وعلى القضية الفلسطينة بشكل خاص ؟
3- وهل المعرفة العلمية والتكنولوجبة مرتبطة بالقوة والهيمنة والاستبداد ؟
4- وما اثر تصنيع الصورة وترويجها للجمهور عبر وسائط الاعلام المتعددة
وللاجابة عن هذة التساؤلات ارتأيت ان ابدأ بكتاب "خارج المكان" (مذكرات)، ترجمة: فواز طرابلسي، دار الآداب، بيروت، لبنان، ط1 ،2000 ، ص 22،ص 19) والذي قد يفسر لنا جانبا من طفولة ادورد سعيد والتي كانت لها كل الاثر لاحقاً في صقل شخصيته بروح وطنية ورؤية استشراقية ناقدة متمردة
( out of ) كتاب خارج المكان
هوعبارة عن سيرة ذاتية ومجموعة مذكرات حيث يقول : في مقدمة كتابه ،"هذا الكتاب هو سجل لعالم مفقود أو منسي منذ عدة سنوات" ( ص19)، وقد كتب فيه عن دعم عائلته مريم ووديع ونجلا وعن تحملهم الألم والمعاناة معه اثناء المرض خلال السنوات الخمس التي استغرقها في تأليف هذه المذكرات
والفصل الخامس من مذكراته "خارج المكان" عبارة عن سرد احداث مرحلة انتقاله الى القاهرة ودخوله الى المدرسة الأمريكية الداخلية وعلاقته مع زملائه ومعلمته والتي كان يشوبها نوع من الشعور بالتميز والأختلاف والاستفزاز في كثير من الاحيان على اساس انه أبن رجل أعمال ويحمل الجنسية الامريكية ولاجئ بهوية فلسطيني مهجر يحمل روح الحنين للوطن ومن اسرة مسيحية في مجتمع مسلم محافظ ، " (إدوارد سعيد: خارج المكان، ص22) ويتحدث ايضا عن رحيل العائلة من القاهرة إلى القدس عند نشوب معركة "العلمين" طلبا للأمن ، ثم بعد ذلك السفر إلى قرية (ظهور الشوير) في لبنان. هذه الاسباب بعتقادي دفعته الى الانطواء والانعزالية مع الذات، مما جعل منه شخصية مهزوزه ينخر فيها الضعف وعدم الثقة بالنفس في بعض الاحيان اذا نستنتج من مذكرات طفولته انه كان مضطرب وفي حالة حوار مقارن مع الانا كما أعتقد انها السبب الرئيس وراء أنعزاله مرة اخرى في عالم الموسيقى ليتعلم العزف على البيانو كنوع من العلاج لتفريغ الكبت والاضطراب .
بعد ذلك يتابع ادورد مسألة رحيله إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام (1951م)، ودراسته في مدرسة "ماونت هيرمون" الداخلية في نيويورك ( ص114) ، ليتخرج بعد ذلك من جامعة هارفارد، ويتزوج من مريم وينجب منها طفلان ، وديع ونجلا، ثم يتقلد عدة مناصب أكاديمية وسياسية.
فعلا لقد ابدع "إدوارد سعيد" في كتابه "خارج المكان" كراوي بارع لمرحلة الطفولة وكمفكر فلسطيني ملتزم بعروبته ووطنيته ومقاوم للاحتلال الصهيوني، بقاسم مشترك ما بين فلسطين ومصر ولبنان وأمريكا ليعيش في هذه البلاد رحلة ثمانية وستون عام متنقلاً بين المفكر والناقد والموسيقي والسياسي والقاص حتى مماته ، باحثاً عن علاقة فيها نوع من التناغم بين ذاته العربية وذاته الأمريكية
الاستشراق ... المفاهيم الغربية للشرق
يعتبرهذا الكتاب عبارة عن بحث نقدي تحليلي في المنهج الغربي اتجاة الشرق، بأسلوب استقراء كتابات المستشرقين للكشف عما يكمن فيها من مواد ثقافية ومعرفية شرقية ، "فالسلطة بشتى أشكالها السياسية والعسكرية والتربوية تحدد نوع المعرفة واتجاهاتها ، كما أن المعرفة لازمة لقيام السلطة واستمرارها" (إدوارد سعيد: الاستشراق المفاهيم الغربية للشرق ترجمة : محمد عناني ص 97) ، فا إدوارد سعيد لا يدين المستشرقين جميعاً، ولكنه يدين تقاليد الاستشراق باعتباره الإطار الفكري والثقافي العام للامبريالية العالمية، فقد يكون أحد الأدباء او المفكرين غير واقعي في خياله اتجاة الشرق. وبذلك فهوا ينقد هيمنة نظام على اخر
وهذا الكتاب يمكن أن يكون بمثابة مناظرة مع الاستشراق . ويضيف سعيد: "لقد كان اهتمامي بالاستشراق باعتباره ظاهرة ثقافية مثل ثقافة الإمبريالية" (المفاهيم الغربية للشرق ص 97)
وفي تحليلي المتواضع لهذا الكتاب "الاستشراق" اعتقد ان ادورد سعيد حاول الجمع بين التوافق والتناقض في كثير من الامور ، مثلا في احد الفصول يرفض النظريات الأصولية الغربية التي ترى في الأصل الغربي الأوروبي مصدر الإشعاع الثقافي الذي أثّر على سائر الثقافات الأخرى في العالم خلال مرحلة التوسع الاستعماري في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، وتاره اخره يضع الاستشراق في إطاره التاريخي الثقافي متوافقا مع المنهج الغربي ، كما يعتبر الاستشراق برنامجاً استعمارياً للهيمنة والسيطرة ومؤسسة دولية للتعامل مع الشرق ، بوصفه وتعليمه والحكم عليه ، اذا أن الاستشراق باختصارهو الأسلوب الغربي لمعرفة الشرق مع السيطرة وأمتلاك السيادة عليه أو حتى ابتلاعه وهضمه ثم أعادة اخراجه ككائن اخر دوني ، باسلوب غير مباشر تبعاً لرؤية محددة وعبر منظور خاص بما يوافق منظور العقل الغربي طبعاً هذه العملية تظهر الغرب كحضارة متفوقة حيث يقول:"ويستطيع الاستشراق أيضا أن يعبر عن قوة الغرب وضعف الشرق من وجهة نظر الغرب، بصورة توازي هذه الصورة البالغة التزييف لسلسلة القيادة البشعة" (إدوارد سعيد: الاستشراق، ص104)
ويؤكد "إدوارد سعيد" على النظرة الدونية التي يكنها الغرب للبلدان المستعمرة، "فكان الأهالي يوصفون بالكسل والضعف والفساد، وبانحطاط ثقافتهم وهذه السلسلة سمة من سمات الخطاب الذي ميز ما كان يكتب في السياق الاستعماري للشرق" (حفناوي بعلي: مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن، ص75)
وأعتقد هنا أن الاستعمار من وجهة نظر ادوارد هي لا تكمن بفكرة الاحتلال العسكرية فقط بل تتعدا ذلك الى السيطرة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والحضارية من خلال اللغة والتعليم والدين، بل وتشكيل الثقافة الشعبية بشكل متسارع . اذا هذا هو الخطاب الاستعماري الجديد كما يشير ادورد
واعتقد هنا ان سعيد لم يكن لديه منهج فكري شمولي لكي يقرأ المشهد العالمي ويفسّره من خلاله ، بل كان يحاول ان يطرح فكره بكل شفافية وموضوعية دون تحيز من خلال كشف بعض الحقائق الغربية اتجاه الشرق ، مما اثار حولة موجة من النقد الايدلوجي فيه نوع من القسوة ضد إدوارد من طرف التيار الماركسي الاشتراكي في العالم العربي الذي كان يرفض فكره بشدة ، حيث قال عنه أحد الماركسيين العرب أن هجوم سعيد على الماركسية هو ما أفقده " القدرة على تبنى موقف متناسق ضد الإمبريالية" كما ذكر في كتاب –Orientalism A Reader-(ص 285. )"فسعيد سار على خطى المستشرقين الذين إنتقد نظرتهم للشرق كجسم مجمد فى صورة جمعية.
وفي ما يتعلق بمحور استنساخ فكرة الاستشراق في الإعلام الغربي ، وهنا يجب الإشارة الى فكرة اختراع الأنا الغربية بصفتها معيارا لجوهر ذلك الكيان المرعب، وطريقة ادوارد سعيد في نقد هذا التناسخ من حيث مفاهيم الأمة العربية وخطابها الاسلامي وموقفها من التيار الماركسي الاشتراكي بصفه جدلية كمنهج فكري أثار اعجاب بعض من النقاد والادباء العرب، ثم ينتقل بعد ذلك للحديث عن حملة نابليون على مصر بصفتها تجسيداً للهيمنة السياسية ، واعتبارعودة موضوع التنوير كمعياراً غربياً في مواجهة ما يسمى «الظلاميّة» الشرقية، حيث تمت إعادة إنتاج اللغة والصورة من خلال الاعلام المرئي والمسموع ، وبذلك يرث المواطن العربي اللغة والتاريخ والعرق من السلاله الغربية ، وبعد ذلك يتم الانتقال إلى الاستشراق المعاصر على اساس انه محطة تناسخ للحضارة ، حيث تحول صفة الامتيازمن العقل الأوروبي إلى العقل الأمريكي كمعيار، وإعادة استنساخ المعيار الامريكي بالحقل الاجتماعي بديلا عن الاروبي ، كل ذلك يتجسد طبعاً في محاكمة الإسلام من وجهة نظر برنارد لويس ، اذ يعطي الحق لمن يمتلك المعرفة والتكنولوجيا حقاً للتدخل السياسي والثقافي في العالم الإسلامي والقضية الفلسطينية ، وهنا كان التناسخ والتزاوج في بعض الحالات بين السياسة الامريكية والاسرائيلية بالتسلط والغاء الاخر من خلال أدلجة الإعلام من خلال الصورة
وتكمن هنا مدى أهمية الاعلام بصفته الشكل التكنولوجي للتنوير والتحضر والديمقراطية الغربية ، وهذا الجزء من الكتاب مهم في فهم العلاقة بين الإسلام والغرب، ويركز على الجذور الاستشراقية التي أعيد انتاجها إعلاميا في استقراء الشرق والإسلام، وهذا يتمثل من خلال التغطية الإعلامية للثورة الإيرانية والقضية الفلسطينية فكانت الشاهد الواضح للعيان على السياسة لانتقائية باختلاف الأدوات مثل الراديواو التلفزيون اوالصحف الورقية او الانترنت ، لقد ساعد هذا التطور الهائل في وسائل الاتصال، على تنازل الإعلام المعاصر عن حياديّته، بوصفه ناقلاً للأحداث ومصوراً لها إلى الطرف الحيوي ألاخر
جاء ذلك على اعتبار أن الوعي الاجتماعي الغربي هو نتاج لعملية صياغة وصقل تتم من خلال ادوات متعددة ،طبعاً كلمة السر في التأثيرعلى العالم تكون من خلال غزارة الصورة التي تنقل المعلومة بشكل مستمر، بشكل انتقائي ، تأخير، ترتيب، حجب، تمويه وهذا يعني قدرة في التأثير على الاهتمام الشعبي بالقضايا السياسية والثقافية ، والتأثير في ما يفكر الناس فيه.
ويجري تناول الإعلام في كتابه ، "بصفته شكلاً تكنولوجيّاً ينتج معرفة أو ينقلها، أو الحالتين معا، ويمارس حالة من الضبابية مع الواقع الذي ينقله واقعاً وسائطيا من خلال نقل الأحداث والتطورات التي ليس في مقدورنا الوصول إليها شخصيا"( إدوارد سعيد: الثقافة والأمبريالية، تر: كمال أبو ديب، دار الآداب، بيروت، 1998 ،ص70(. ، فما نراه على شاشات التلفزيون وعلى صفحات الصحف وألانترنت ، ليس إلا تصورات للواقع كما يصوغها ويتصورها أصحاب هذه الوسائل الإعلامية، وبالتالي فإن الواقع الوسائطي هو انعكاس للرؤية التي يمتلكها أصحاب رؤوس الأموال المهيمنون على النتاج الثقافي والاجتماعي
وبناء على ذلك فإن ضرورة «استنساخ» صورة ما من صور الاستشراق، بما يلائم المرحلة، دفعت الغرب إلى البحث عن آخر/ عدو تضعه الآلة الإعلامية في صورة الشر او الارهاب الذي يهدد العالم والحضارة. وهنا يلتقي فكر إدوارد سعيد مع فكر تشومسكي، في ما يتعلق بطبيعة الإعلام، وتصنيعه وتوجيهه لما يدعى الرأي العام، وتحالف الإعلام والمؤسسة ذات النفوذ، ثم التعامل مع الإعلام بوصفه مؤسسة أيديولوجيّة، وسيطرة الأجهزة الرمزية والإعلامية وتحالفاتها، حتى أن الدولة لم تعد سيدة وسائل الإعلام، بل على العكس فإن وسائل الإعلام هي سيدة الدولة كمل يقول ويظهر ذلك في موضوع تعريف العرب و الإسلام بصورة الشيطنة والارهاب ، في الإعلام الغربي ، والأمريكي بالاخص .
وهذا مؤشر على عملية تصنيع الصورة وكيفية ترويجها عبر الإعلام، من دون أن تجد هذه الصورة أي جهد من المتلقي للتفكير في صحّتها، كل ذلك بتمويل وتحالف بين السلطة وبين الإعلام ، بل إن بعض الصور التي تبث فيها من الهشاشة والتزوير الرقمي ما يكفي من التضليل والانتقائية وتغليف الباطل بالحق بغطاء حضاري بلا ضمير، وهنا تبرز مظاهر الاحتقار والتضليل، في الرؤية. يتجسد هذا بخطط برنارد لويس، ومن أقواله في جريدة التايمز الشعر العربي خطابيّ متكلف، غير ذاتيّ وغير حميم، وأن العقلية الإسلامية غير قادرة على التفكير المتسلسل، وأن اللغة الفارسية مراوغة..، هذة احد الصور التي تمرّد فيها الإعلام بلا ادنى مساءلة ، وهنا تجدر الاشارة الى بحث الدكتور موفق السقار تحت عنوان " تعليم الفنون وقضايا انتاج الصورة / المجلة الأردنية للفنون، مجلد 6 ،عدد 1 ،2013 ،103 -112 / 2013/2/13 والذي تناول فيه مدى الاهتمام في صناعة الصورة بالتوازي مع تطور الميديا الحديثة في مختلف أنحاء العالم من خلال "عمليات التعديل والتغير والتلاعبBoehm, Gottfried, 1994, 11-38." وكيفية استغلاله في العملية التعليمية وحصة الفن بشكل خاص
كتاب المثقف والسلطة
يعتبر هذا الكتاب الذي يضم ستة فصول من أبرز الكتب في مشروع سعيد التي تناول فيها موضوع المثقف ودوره في المجتمع ، حيث لاحظ سعيد أن دور المثقفين قد تراجع كثيراً قياساً إلى مراحل سابقة، حين كان المثقف صاحب دور رسالي مواجه للديكتاتورية والتخلف في كل مكان من العالم. يعيد أسباب هذا التراجع إلى تأثيرات العولمة خصوصاً في الغرب، وإلى تصاعد دور الشركات العابرة للقارات والمتعددة الجنسية التي راحت توظف المثقفين والأكاديميين في مجالات عملها من أجل تقديم الخبرات والمعارف اللازمة لمتطلبات نشاط هذه الشركات. لذا أعاد التشديد على ذلك الدور الرسالي للمثقف، واستعاد نظرية الفيلسوف الشيوعي غرامشي حول المثقف العضوي.
يشير ادورد سعيد في هذا الكتاب إلى التزاوج بين المثقف اللامنتمي والمثقف المنفي الذي يجد صعوبة بالغة في التأقلم والإحساس بالالفة مع المحيط ، وهي الأحاسيس التي تميز المواطنين وأبناء المجتمعات الأصلية، أولئك الذين تربوا في كنف الوطن والثقافة. وظل يفضل هذا النوع من المثقفين الذين لا يحسون بعدم الاستقرار ويشعرون بضرورة الحركة الدائمة .
ولأنه يعالج مفاهيم حول الوعي وتمثيلات المثقف والسلطة والاستشراق والثقافة وعلاقتها بالإمبريالية، وآخذا بالاعتبار الربط المنهجي النقديّ بين النظريات الفلسفية والسياسية المعقدة على المستوى المعرفي، وبين أحداث تاريخية وقعت فعلا، وما زالت تفاعلاتها ماثلة حتى الآن، ولأن ذلك كلّه يتقاطع ويتكرر في نتاج سعيد
يقول إدوارد في كتابه صور المثقف
"لا شىء يشوه الأداء العلنى للمثقف أكثر من تغير الأراء تبعاً للظروف. والتزام الصمت الحذر والتبجح الوطنى والردة المتأخرة التى تصور نفسها بأسلوب مسرحي" (ادورد سعيد ،صور المثقف ، ،دار النهار للنشر ، بيروت 1996، ص24-28)
و يتفق إدوارد سعيد مع غرامشى أن كل الناس مثقفون. لكن ليس لهم كلهم أن يؤدوا دور المثقف فى المجتمع. أما رأى إدوارد فهو أن "المثقفين أفراد عندهم الاستعداد الفطرى لممارسة فن التعبير عما يمثلون سواء كان ذلك قولاً. أم كتابة. أم تعليماً. أم ظهوراً فى التليفزيون"( ادورد سعيد ،صور المثقف ، ،دار النهار للنشر ، بيروت 199ص18 -22 ).
إن المثقف يعيش دائماً بين الانعزال والانحياز. وهو حسب مفهوم إدوارد لا هو عنصر تهدئة ولا طالب إجماع. وإنما إنسان يراهن بكينونته كلها على حس نقدي. على الإحساس بأنه على غير استعداد للقبول بالصيغ السهلة أو الأفكار المبتذلة الجاهزة أو التأكيدات المتخلفة والدائمة. أو المجاملة لما يريد الأقوياء والتقليديون وقوله:.
"إن الفنان والمثقف المستقلين هما فى عداد الشخصيات القليلة الباقية المجهزة لكى تقاوم ولكي تحارب. إن المثقف عليه دائماً أن يختار إما مناصرة الأضعف والمنسي والمُتجَاهَلْ. وإما الانحياز إلى الأكثر قوة. إن كل لحظة راحة للمثقف مدفوع ثمنها بخيانة ما للمعرفة. وكل بقية ملاذ ضئيلة ثمنها الميثاق العفن للمصالح العائلية" (ادوردسعيد،صور المثقف ، ،دار النهار للنشر ، بيروت 1996 ص44 -49).
يسأل إدوارد سعيد عن حدود استقلال المثقف. هل عمله فى صحيفة؟ أو كونه أستاذاً جامعياً؟ أو حصوله على عضوية حزب سياسى يمكن أن تؤثر على استقلالية المثقف؟ ويرد أن اتهام كل المثقفين بأنهم خونة لمجرد أنهم يكسبون عيشهم من العمل فى جامعة أو لدى صحيفة هو اتهام فظ ولا معنى له نهائياً.
وإن كان مجتمع اليوم مازال يحاصر الكاتب ويحيط به. أحياناً بالجوائز والمكافآت وغالباً عبر الاستخفاف أو الاستهزاء بالعمل الفكرى بمجمله. وأكثر من ذلك فى الأغلب الأعم عن طريق القول أن المثقف الحقيقى يجب ألا يكون سوى متهم محترف. لكن القضية تبقى دائماً وأبداً: كيف يخاطب المثقف السلطة. كمتضرع محترف، مخاطب محترف. أو كضميرها الهادى غير المكافأ؟
إن المثقف الحقيقى ـ يؤكد إدوارد ـ ليس موظفاً أو مستخدماً. منقطعاً لأهداف سياسية سواء كانت لحكومة ما أو شركة كبرى ما. أو حتى نقابة من المهنيين المتجانسين فكرياً. إن الإغراءات التى قد يواجهها المرء لإخماد حماسه الأخلاقي. أو لكبح الشك داخله لمصلحة الخضوع للأعراف هى فعلاً كثيرة. لذلك ينبغى الحذر الدائم
يقول إدوارد:" إن المثقفين ليسوا محترفين لأداء خدماتهم المنزلقة لسلطة فائقة العيوب. بعد أن تنجح فى مسخهم".(نفس المصدر) بحيث يمكنهم فعلاً قول الحق فى مواجهة السلطة. وقول الحق ليس مثالية مفرطة فى التفاؤل: إنه تأمل دقيق فى الخيارت المتاحة واختيار البديل الصالح. ومن ثم تمثيله بذكاء. أينما يمكن إعطاء النتيجة الفضلى وإحداث التغيير الصائب" (ادورد سعيد ،صور المثقف ، ،دار النهار للنشر ، بيروت 1996)
إن المثقف الذى يزعم أنه يكتب لنفسه فقط. أو فى سبيل المعرفة الصرفة أو العلوم النظرية غير جدير بأن يصدق. ويجب ألا يصدق. وكما قال مرة أحد كتاب القرن العشرين جان جينيه "أنك تدخل الحياة السياسية لحظة نشرك مقالات فى مجتمع ما. إذا أردت أن تبتعد عن السياسة فلا تكتب مقالات ولا تجهر بقول" (نفس المصدر).
إن آخر فقرة فى كتاب إدوارد سعيد لابد وأن يقرأها المثقف كل صباح. حتى يُذَكِّرْ نفسه بالبديهيات التى تطل من أحرفها وهي ان "تمثل بعملك ما تجاهر به. من دون أن تتحول إلى مدرسة أو ما يشبه الآلة. والنجاح أيضاً فى البقاء يقظاً. لكن الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الإنجاز تكمن فى تذكير نفسك بأنك أنت القادر كمثقف على الاختيار بين أن تمثل الحقيقة بفعالية وبين أن تسمح بإذعان لولى أمر أو سلطة بتوجيهك"( ادورد سعيد ،صور المثقف ، ،دار النهار للنشر ، بيروت 1996)
ادورد سعيد والموسيقى
كما كانت الموسيقى جزءا أساسا من حياته الثقافية والشخصية، حيث معارفه
الموسيقية الواسعة ومتابعته لتاريخ الموسيقى وإصداره كتبا في هذا المجال، فقد كتب عدداً من الكتب و المقالات في مجال الموسيقى من بينها كتاب ‘نظائر ومفارقات استكشافات في الموسيقى والمجتمع′--، كما أنه عازف بيانو مميزا، كل ذلك أضاف أبعادا جمالية في شخصيته ، فكان يمزج كل تلك الخبرات في العمل النقدي، سواء أكان أدبيا، أم فكريا، أم سياسيا، وكانت الخلاصة على الدوام، إبداع مؤلفات معرفية وسياسية وثقافية وإنسانية وأدبية تصب كلها، في المشروع الإدواردي
نشاطه :
تقلد إدوارد سعيد مناصب عدة في حياته باعتباره أستاذ وناقد وموسيقي وعازف بيانو هاوي، وشغل منصب رئيس قسم الأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك، كما أنه شغل منصب كرسي أستاذ الأدب الانجليزي، وشارك في رئاسة تحرير"فصلية الدراسات العربية"، وهي مجلة تنشرها المؤسسة العربية ورابطة العرب خريجي الجامعات الأمريكية في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنه مستشار تحرير كثير من المجلات النقدية . وكان لإدوارد سعيد كمدرس شعبية كبيرة ، حيث كانت قاعات المحاضرات مملوءة إلى حد كبير،ويقبل على محاضراته حتى أساتذة من فروع وجامعات أخرى، لأنه محاضر مدهش في الاسلوب، كما أنه لا يكرر نفسه، فهو مجدداً باستمرار، يستمد مادة محاضراته من الأدب والنقد والفكر، مقارنًا ذلك بروائع الأعمال الأدبية في الغرب والشرق، متحدثًا بطلاقة ويسر مندمجا بكل جوارحه في المعضلات الإنسانية، التي يكشف عن تفاصيلها الدقيقة ببراعة.
مؤلفاته :
توفي المفكر العربي الفلسطيني الأمريكي "إدوارد سعيد" في نيويورك سنة 2003م، عن عمرٍ ناهز 67 عاماً، بعد أن شخّص العلاقة الجدلية المعقدة بين المثقف والسلطة من خلال مجموعة هائلة من الأعمال النقدية والأدبية التي لا يزال صداها يتردد حتى يومنا هذا فقد ألف العديد من الأعمال يصل عددها نحو اكثر من عشرين كتابا ترجمت إلى أكثر من عشر لغات وتدرس في المعاهد والكليات في الجامعات الأمريكية والأوروبية . ومن مؤلفاته نأتي على ذكر أهمها.
1- الاستشراق1978م /تغطية الاسلام 1983م
2- العالم والنص والناقد 1983م
3- تمثيلات المثقف 1994م
4- خارج المكان 1999م
5- تأملات حول المنفى 2000م
6- متتاليات موسيقية / الثقافة والامبريالية / الالهة تفشل 1993م
أخيراً... ظل ادوارد سعيد حتى وفاته يكتب ويقاوم بفكره فقد كان من رواد فلسفة ما بعد الحداثة، لكن ليس بمعناها الهدّام، وإنما بمعانيها التفكيكية والمتمردة، فكان أديباً وناقداً ومفكراً حلل وقرأ رؤية المستشرقين للشرق والإسلام، ونقد الاراء التي استند إليها المستشرقون كصور مشوهة عن الشرق والإسلام، بغية تحقيق المصالح الاستعمارية، برز ذلك بشكل كبير في كتابيه الاستشراق والثقافة والإمبريالية، وبذلك ترك إدوارد سعيد إرثاً فكرياً جعله موضع نقاش وجدل حتى الان .
انتقادات وُجهت إلى أفكار ومنهج إدوارد سعيد
واجه إدوارد سعيد العديد من الانتقادات الفكرية، وأشهر الانتقادات كانت تلك التي وجهت إلى كتابه الاستشراق، حيث قوبل عمله بالرفض من قبل المستشرقين الأوروبيين التقليديين الذين ينتقدهم إدوارد سعيد، ويرفض منهجهم في دراسة الشرق، حيث اعتبروا أن عمل إدوارد سعيد بمثابة تشكيكٍ بنزاهتهم الفكرية، وبدراساتهم الاستشراقية
أشهر من انتقد عمل إدوارد سعيد المستشرق ألبيرت حوراني (Albert Hourani) مؤرخ إنكليزي من أصل لبناني، متخصص بتاريخ العرب والشرق الأوسط والمستشرق البريطاني برنارد لويس، فيرد على انتقادات سعيد قائلاً: "إن دراسات الغرب عن المجتمعات الأخرى ولا سيما المجتمعات الإسلامية، إنما هي دراسات فريدة من نوعها، وإن المسلمين هم الذين لم يلتزموا بمعايير محددة في نظرتهم إلى الغرب.
ومن أكثر الانتقادات المنهجية التي وجهت إلى إدوارد سعيد هي من قبل ابن الوراق (مفكر علماني من أصل باكستاني) في كتابه الدفاع عن الغرب، حيث يقول إن إدوارد يحمل أفكاراً خطرة تجاه الغرب، كما يتهم إدوارد سعيد بالإساءة ليس فقط إلى العديد من أعمال ودراسات الكتاب، وإنما يشوه الحضارة الغربية في كتابه الاستشراق، إذ يرى ابن الوراق أن حجج إدوارد سعيد لم تكن كافية فيما طرح بمنهجه، وأن منهجه مبني على فهم تاريخي خاطئ للحضارة الغربية، ويدافع عن المستشرقين الذين انحدرت قيمتهم الفكرية بعد عمل إدوارد سعيد الاستشراق
نتائج البحث : يمكننا تلخيصها بما يلي
1 يعتبر إدوارد سعيد من رواد فلسفة ما بعد الحداثة وله حضورا في عالم الأدب المقارن والعلاقات الدولية الثقافية
2 انه يرفض التخصص في النقد.
3 انه مقاوم لكل مظاهر الاضطهاد والظلم والصهيونية
4 اي نتاج ثقافي او فعل ادبي مفهوم يجب ان يكون مرتبط بالدنيويه ( العالم)
5 يرسخ فكـرة التبـادل الثقافي بين الشرق والغرب
6 قام بقرأة ونقد رؤية المستشرقين للشرق والإسلام ، فالاستشراق في نظره هو مرآة تعكس سلطة الغرب وشهوته الأمبريالية للسيطرة على الشرق وامتلاك السيادة عليه ورفض سعيد النظريات الأصولية الغربية التي ترى في الأصل الغربي الأوروبي مصدر الإشعاع الثقافي الذي أثّر على سائر الثقافات الأخرى في العالم
7 يعتقد سعيد ان دور المثقفين تراجع كثيراً قياساً إلى مراحل سابقة، حين كان المثقف صاحب دور رسالي
8 كما يشير الى فكرة تصنيع صورة ما وترويجها، عبر الإعلام، من دون أن تجد هذه الصورة أي جهد للتفكير في صحّتها، وذلك بتمويل وتحالف بين السلطات الحاكمة وبين سلطة الإعلام.
9 لا شىء يشوه الأداء العلنى للمثقف أكثر من تغير الأراء تبعاً للظروف ، والتزام الصمت
10 بحث ايضا في موضوع الهوية والمنفى والسلطة والحرية وانتقاد الثقافة الغربية من داخلها
المراجع ومصادر البحث
1- إدوارد سعيد: الاستشراق (المفاهيم الغربية للشرق)، ترجمة : محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1 ،1996
2- حفناوي بعلي: آفاق الأدب المقارن العالمية في تصور الناقد إدوارد سعيد، عالم الفكر، 2007 ، (ص15-25)
3- عبد االله إبراهيم: الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،1999 ، ص171.
4- ادورد سعيد ،صور المثقف ، ،دار النهار للنشر ، بيروت 1996
5- ادورد سعيد ، الاستشراق ، دار النشر ، مؤسسة الابحاث الدولية ، 1978
6- محمود درويش، مجلة ‘الكرمل’، عدد78، 2004
7- ادورد سعيد،المسافر والمنفى،صبحي حديدي، مجلة ‘الكرمل’،ص(2.15)
8- إدوار سعيد، السلطة والسياسة والثقافة، تقديم غاوري فسواناثان، ترجمة د.نائلة قلقيلي حجازي، الطبعة الأولى ، عام 2008، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، ص93.
9- ادورد سعيد ، خارج المكان ، دار الادب للنشر والتوزيع ،بيروت ،الطبعة الاولى ، ترجمة فواز طرابلسي
10-إدوارد سعيد: الثقافة والأمبريالية، كمال أبوديب، دار الآداب، بيروت، دط، .1998

11- Edward Said, Orientalism: Western Conceptions of the Orient, Penguin Books,London, 1995, p. 27
12 - Shelley Walia, Edward Said and the Writing of History, Icon Books (Uk) and Totem Books (USA), 2001
13- Bernard Lewis ( the question of orientalism) islam and the west . London . 1993 . pp.91-119