رسالة مفتوحة إلى الإصلاحيين في حزب الدعوة 1/3

ضياء الشكرجي
2018 / 1 / 8


الإخوة الإصلاحيين في حزب الدعوة الإسلامية
لا يخفى عليكم مدى معارضتي لحزب الدعوة الإسلامية وعموم أحزاب الإسلام السياسي الشيعية على وجه الخصوص؛ هذا الموقف الذي كان أكثر وضوحا، وتنامى منذ استقالتي من حزب الدعوة مطلع عام 2006، ولا يخفى عليكم تحميلي الحزب وهذه القوى معه مسؤولية أكثر ما حلّ بالعراق بعد سقوط الديكتاتورية، وبالتالي تعلمون أني لست من الذين يعوّلون على حزب الدعوة في إجراء إصلاح حقيقي للعملية السياسية، ولذا لن أكيل المديح لحزبكم، من أجل أن أجعلكم تقرأون رسالتي هذه. لكني أنطلق في رسالتي هذه من مصلحة العراق بحسب تقديري، وأخاطبكم من خلال رؤية واقعية، بعيدا عن التطلعات في الدولة التي أتمناها للعراق مستقبلا، والتي يعلم أكثركم ملامحها، كدولة حديثة قائمة على أسس المواطنة والديمقراطية والعلمانية. ولكن من قبيل الالتزام بالقاعدة العقلائية، بأن ما لا يدرك بأقصى مداه، لا ينبغي ترك السعي لأقصى الممكن منه، ولأني أحتمل أن يكون لكم ولرئيس الوزراء الحالي دور إصلاحي، ولو بنسبة ما، وحتى لو لم يكن وفق الرؤية العلمانية أو المدنية التي أتبناها.
أكتب هذه الرسالة المفتوحة المعنونة إليكم وإلى السيد رئيس الوزراء الحالي، باعتباره الشخصية التي تلتفون حولها كإصلاحيين، وتعوّلون عليه، ويعوّل عليه غيركم، بسبب ما تتوفر له من فرص الإصلاح، إذا ما استفاد واستفدتم منها. وسأجعل رسالتي المفتوحة هذه بثلاث حلقات، لطولها، رغم أن ضيق ما تبقى من الوقت يحتم الإسراع في الدخول في صلب الموضوع، الذي ربما لن يكون في الحلقة الأولى.
لم يعد بالإمكان إخفاء حقيقة أن حزب الدعوة أصبح بتيارَين متضادَّين، أحدهما يدعم الأمين العام للحزب، والثاني يدعم الأخ رئيس الوزراء الحالي، وإن حدة الصراع ودرجة الاختلاف يجعل من التيارين بمثابة حزبين بينهما أكثر من نقطة تقاطع وتناقض.
في رسالتي هذه قد أكون مضطرا لذكر أمور، ربما تبدو للبعض منكم من البديهيات، أو هي أصبحت للكثيرين شعارات سياسية، صدقوا فيها أو لم يصدقوا، ولذا أرجو التفهم والصبر لذكري مقدمات، قد تكونون في الجناح الإصلاحي في غنى عن التذكير بها، لكني إنما اذكرها، لأبيّن فقط منطلقات رسالتي هذه.
أنطلق في رسالتي هذه بالدرجة الأولى من مصلحة العراق ومستقبله على جميع الأصعدة، والتي يجب أن تتقدم على أي مصلحة أخرى، سواء كانت مصلحة دين، كما يراها أتباعه أو بعض أتباعه، أو مصلحة مذهب كما يراها أتباعه أو بعض أتباعه، أو مصلحة حزب سياسي.
كإسلاميين يفترض بكم أنكم مؤمنون بالله وقيمه، ومن هنا أقول لا شك إن جعل مصلحة الإنسان عموما، ومصلحة المواطن على وجه الخصوص، هو من أكثر ما يرضي الله سبحانه وتعالى، ويرضي الضمير الإنساني. لكن من قبيل اعتماد قاعدة الإلزام التي وضعها إمامكم جعفر الصادق، أذكر هنا نصين دينيين، الأول حديث نبوي، والثاني قول للإمام علي، فالأول هو: «خير الناس من نفع الناس»، حيث ذكر الحديث مفردة «الناس» مجردة، وذلك بما يتعلق بـ«الناس» النافعين لغيرهم والمستحقين للمديح بكونهم «خير الناس»، وكذلك بما يتعلق بـ«الناس» المتوجه إليهم النفع. أما قول عليّ، فهو ذلك الشعار الإنساني الرائع الذي يردد دائما من قبل الكثير منكم ومن غيركم، وأعني به تلك الجملة من عهده إلى مالك الأشتر: «الناس صنفان، إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق»، والذي يمكن أن نعبّر عنه بلغة اليوم وبلحاظ الواقع بقول: «الناس إما أخ لك في المذهب، أو أخ لك في الدين، أو أخ لك في المواطنة، أو أخ لك في الإنسانية».
من هنا لا يمكن أن تجري أي عملية إصلاح لعموم العملية السياسية، أو لحزب من الأحزاب، إلا باعتماد مبدأ المواطنة، والتحلي بالنزعة الإنسانية.
تعلمون جيدا إن حزب الدعوة الإسلامية إنما تأسس قبل ستة عقود بهدف الدعوة إلى الإسلام، ومن أجل القيام بعملية تغييرية جذرية وشاملة على أسس الإسلام، إيمانا والتزاما، على صعيد الحياة الفردية والاجتماعية، وآخرها على صعيد السياسة والدولة، من أجل إقامة نظام حكم إسلامي.
وتعلمون أيضا إن هذه الأهداف لم تعد هي الدافع للعمل السياسي في العراق منذ سقوط الديكتاتورية، وإذا كان هناك مبرر في مرحلة التأسيس، ليؤسَّس حزب كي يضطلع بهذه المهام الدينية الدعوية، مع اعتماد سرية العمل آنذاك اضطرارا، لأن الأنظمة السابقة لم تكن لتسمح بمثل هذا النشاط، فإن النشاط الديني في ظل الحريات التي تتيحها دولة تعتمد النظام الديمقراطي، لم يعد من مهام الأحزاب السياسية، بل من مهام المؤسسات الدينية، وجمعيات الوعظ والإرشاد الديني، ولذا لا بد من الفصل بين المهمتين، السياسية والدينية.
فإذا أردتم أن تشتغلوا في السياسة، لا بد من ترتيب الأثر على هذه الحقيقة، واعتماد هذا المبدأ، ولا بد من أن يكون أي كيان سياسي، قائما على أساس المواطنة، فيشمل الشيعي والسني، المتدين وغير المتدين، المسلم وغير المسلم. لكننا نريد أن نبدأ من حيث الواقع، فأنتم كإصلاحيين داخل حزب الدعوة، يفترض بكم أن تكونوا 1) مسلمين، 2) ملتزمين، 3) شيعة، مما يتعارض مع المبدأ الذي ذكرته آنفا، ولكن دعونا نخطو خطوة بعد خطوة نحو الإصلاح، وفق قانون المرحلية والتدرج، وبالأخذ بالواقع بنظر الاعتبار، مع وضع هدف وبرنامج لتصحيح ما يجب تصحيحه.
ودعوني هنا أعود إلى رسالة لي وجهتها إليكم عام 2006، بعنوان «رسالة تاريخية لكوادر حزب الدعوة» والتي كنت كتبتها في 17/04/2006، ونشرتها بعد نشر استقالتي من الحزب في 03/05/2006. وأهم ما جاء فيها ما طرحته تحت العناوين أدناه:
1. إجراء إعادة نظر شجاعة شاملة.
2. إعادة النظر في الاسم.
3. إعادة النظر في الفصل بين السياسي والدعوي.
4. إعادة النظر في القيادة.
5. إعادة النظر في التحالفات السياسية.
6. إعادة النظر في العلاقة مع المرجعية.
7. إعادة النظر في ثقافة الدعوة.
8. إعادة النظر في الأداء السياسي.
9. إعادة النظر في مذهبة الهوية السياسية.
10. إعادة النظر في مغزى إسلامية المشروع السياسي.
ولا أريد أن أعيد كل ما اشتملت عليه رسالتي آنذاك، ولا أتناول جميع النقاط أعلاه، ولا أنكر إن بعضها يحتاج إلى عيادة صياغة، لكن نظرتي لم تتغير فيما جاء في أكثرها، بل التجربة أكّدت صحة أكثر ما تناولته آنذاك، بل وحتى قبله عندما كنت ما أزال في الحزب، وقدمت أكثر من ورقة إصلاح قبل وبعد سقوط الديكتاتورية. لكن دعوني أعيد بعض ما جاء في تلك، مع إضافات بين مضلعين [هكذا].
تتبعها الحلقتان الثانية والثالثة.