سانتياغو

رولا حسينات
2018 / 1 / 6

الأبواق التي أرسلت صرخاتها المتتابعة في الهواء الملاصق للشواطئ، أيقظت النسور الصغيرة ذات المناقير البيضاء، وقد علقت بأجنحتها بين السماء والبحر...بريشها البني بنهايات ذهبية وصفيرها شق خط الأفق، وقد استوت زرقة السماء مع زرقة البحر... وبقيت ترمي بنفسها في مياه البحر المالحة، ليتلقاها شق الموت بانشقاق تطفو على جنبيه قطرات الماء المتراصة بلوحة بيضاء، كطودين عظيمين، تخرج بعدها بثوان معدودة، ولم تغتسل بملوحة ولم يصبها البلل... وظل ريشها بلونه البني نضرا بالخط العريض المذهب في نهايته... وقد هزت سمكة كبيرة علقت مودعة شقيقاتها اللواتي أخذن يطرن ورائها الواحدة تلو الأخرى، وكل منها ارتأت أن تتوسد مخالب نسر... بقي هذا المشهد مستحوذا على تفكير سانتياغو ذي الرأس الأصلع، وقرص الشمس الذهبي صبَّ فوق رأسه وهجه...ولم يستره منها سوى سروال قصير، والقشور من جلده الأسمر جعلت بقعا متباينة في اللون... الأسماك الصغيرة وهي تغرق نفسها في الماء تارة وتخرج منه تارة أخرى، كما هي النسور الصغيرة وكل منها يتابع نشاطه الطبيعي بلوحة زيتية لم تختلط فيها الألوان هو ما حيّره...تلك الأسماك التي تظل زمنا تهز بذيلها رغم خروجها من الماء محمولة بمخالب نسر، مازالت ترغب في الحياة، في البداية تهز ذيلها بعنف حتى تفقد الأمل بالنجاة... المشهد اليومي الذي لم يصب سانتياغو بالملل، بل يرى فيه كل مرة شيئا جديدا ودرسا لم يدركه من قبل...وهو ما يجعله يبقي ناظره معلقا فيه، وهو يرقب امتلاء شبكته الملقاة في عرض البحر وحيدا بقاربه الذي تغمزه الشمس قبيل الفجر على استحياء، وهي يمني نفسه لو أنه يجمع ذلك المال الذهبي الذي تلقيه إليه وحده في عرض البحر، وتبقى النسور الصغيرة والمنحدر الصخري الذي تملأه الشجيرات الخضراء المقزمة هي ما تشعره بأن هناك من يشاركه أمنيته في جمع هذا الذهب...وقد بدت بيوتا ملائمة لتلك النسور في بناء أعشاشها ووضع بيوضها، وهي تتأمل الأسماك تلهو في امتداد صفحة البحر الملاصقة للسماء في أكثر المساحات المائية هدوءا من البحر الكاريبي... حيث تمتد بلدته الصغيرة بعششها على امتداد شريط ساحلي ضيق. وتبقى بيوتهم من القش بالفقراء العالقين فيها، تصحو منذ ساعات الفجر الأولى لتجلب المؤن ومتطلبات الحياة ممن حولها من الشواطئ البعيدة التي تفصلها عنهم أسيجة حديدية ذات أشواك عريضة. لم يكن الأمر سهلا فالبحث عن الرزق في هذه القرية ذات العشش من عسف النخيل ضرب من الخيال، الجوع والفقر فنون جديدة للهزيمة التي اضطرت الكثيرين للفرار...للهرب بعيدا..إلى أي مكان دون أن تكون قريتهم المجهولة خيارا للعودة... إلى الجبال الشاهقة أو إلى خارج البلاد... ولكن لم يكن أحد منهم يعرف أن سوء الطالع مطبوع على جبين من يولد في هذه البقعة الصغيرة من البحر الكاريبي والتي تمتد بشريط ساحلي ضيق... الحظ العاثر أعادهم أدراجهم الواحد تلو الآخر، وقد افترش الكثير منهم العراء واستسلم لغفوة تغيبه عن واقعه المزري، الاستسلام لأحلام اليقظة حقيقة يعيشها كل رجال القرية بما فيهم سنتياغو، في حين أن النساء والأطفال هن الحلقة الأضعف التي بقيت محافظة على وعيها...بعيدا عن أحلام اليقظة. الحياة لا تغفر لمن يقف عند بابها دون أن يطرقه...النساء والأطفال الذين تغشاهم قترة هم الذين يلعنون البؤس ويغربلون حظهم العاثر... الكثير من الزجاجات والقليل من الماء المحلى الذي تتبخر مياهه فوق قدر كبيرة معلقة بغصن غليظة فوق قطع الأخشاب المتوهجة وقد استحالت فحما، وقد جعلت أوراق الموز العريضة كمظلة للأبخرة المتصاعدة، وفي نهايته قدر آخر كبير تتساقط فيه الأبخرة المتكثفة من ماء البحر المغلي، الزجاجات المكدسة فوق بعضها البعض أتى بها الصبيان من الشواطئ البعيدة، وقد ستر الظلام سرب الجراد الذي يسير على قدمين، وهم يعبرون الأسلاك ذات الأشواك الكبيرة، وينسلون بخفة بعد أن امتلأت أكياسهم وأيديهم بالزجاجات الفارغة... وعندما يبزغ الفجر تكون الزجاجات قد غسلت بماء البحر وأزيل ما علق فيها من حبات الرمال الصفراء...الساعات الطويلة لتحلية الماء وتقطيره وجمعه في زجاجات...لم يجعلهم سوى منتظرين لذلك الملح الأبيض الذي سيملؤن به الأحواض الصغيرة مربعة الشكل... فصل بينها كومة رمال رطبة. الملح الأبيض ترقبه أعين الصغار وتحرس كل حبة منه، و كل واحد منهم يعرف حوضه ويعرف زمن جفاف الملح فيه ليجمعه في أكياس كبيرة، ودعواهم أن تمتلئ عن آخرها ليحملوها على ظهورهم التي تبرز منها عظام مصفوفة يفصل بينها عامود بارز طويل...رغم ثقلها يصممون على عبور الغابات، للوصول إلى حيث ينتظرهم عند الطريق الدقيق رجال وشاحنة تحمّل الأكياس، وتمنحهم ورقة نقدية واحدة... ويبقى الصغار منهم يلهثون والدمع بأعينهم يذرف حارقا مالحا... وهم يمسحون بيدهم الصغيرة ما نزل من أنوفهم من خيط أصفر دقيق تجمع عليه الكثير من الذباب... وهم يجرون الأكياس تارة ويريحونها أخرى... سانتياغو الذي فضل الابتعاد عن كل تلك الصور المالحة، قرر أن يهب البحر حياته فلا بائس بأن يقبضه البحر إليه... وبقي هو ذلك الرجل الأصلع الأسمر البشرة، النحيل الجسد، بعينين ذاهلتين بتجويف في جمجمة بانت تفاصيلها، والعروق الزرقاء في الرأس التي اصطبغت بلون السمرة، فلم تكن تفصيلا شاذا بقدر ما هو تفصيل بارز لجمجمة رأسه، والتي انعدم فيها الشعر على سطحها المسمى وجه، وهو وجه طويل دقيق عند الجبين رغم ارتفاعه عن حاجبيه الدقيقين، وعينيه الغائرتين، وأنفه الطويل المدبب الذي ينتهي بأرنبة صغيرة، وهو بأنفه يختلف تمام الاختلاف عن أهل قريته بأنفهم الأفطس، والتي تفسر النظرة الغريبة له من أهل قريته، ورفضهم تزويجه بناتهم، وهو لم ينظر لأيّ واحدة منهن لتكون زوجته وبقي يحلم بحورية من المدينة أو من وراء البحار أو من عرض البحر نفسه، وما يدريه ربما تخرج له يوما... وربما يتزوجها ويجمع النقود الذهبية من قرص الشمس... هو لم يفقد الأمل بعد، وهذا ما جعله يقرر بأن يبقى مستيقظا فيما تبقى من بياض قمري ليدخل البحر قبل أن تفيق ممالكه. موج البحر الغاضب جعله يرتعش رويدا رويدا وهو يعلو بقاربه الصغير، والقمر انزلق ليبتلعه البحر... أدرك أنه قد آن الأوان ليذهب إلى عرض البحر حيث يقلب ما في جوفه، ويخرج خباياه، وربما يعثر على حوريته، لم يكن بحاجة لأن يودع أحد، ولم يكن بحاجة لأن يوصي أرتيغو على أمه وتمثالها الشمعي الذي مازال يذوب ويذوب... لم يكن بحاجة إلى مجاديف، ما عليه سوى أن يجلس كناسك في محراب السكون مغلقا عينيه وليدع القدر يلعب لعبته في أن يصل عرض البحر الموج الغاضب لم يكن يعبأ بأحلام سنتياغو أو أحلامه...فقد كان يقلب ما في جوفه ويلفظ أحلام التعساء في ممالكه...ولكنه قرر أن يمنح هذا التعس اللاهث وراء آماله ما يريد...الخوف الذي تشابكت أغصانه في جوف سانتياغو جعله يغيب عن الوعي وهو يرى نهايته لا آماله...فاستسلم وهو يرى في الأفق البعيد أهل قريته يلوحون له وينادونه بالبطل...وكان يحمل بيديه تمثالا ذهبيا لحورية البحر، شعوره بالبطولة وبذلك الانتصار...وهو يرى نظراتهم التي تحسده على تلك الحورية... كان يريد أن يستمر في احتضانها لولا أن أيقظه صراخ أهل قريته...وصوت أرتيغو الذي يعرفه جيد فيه حدة يمقتها...

تأففه من الانسلاخ من حلمه جعله يهب واقفا على مسمارين مشكوكين في التراب، وهو يحتضن تمثال ذهبيا لحورية البحر...الذهول الذي أصابه كان كذهول من حوله من نساء وأطفال ورجال يلوكون البانجا...وأرتيغو الذي يبعد الأيدي الممتدة إلى التمثال وهو في حالة ذهول أيضا...

كان التمثال منتصبا إلى جانبه وقاربه ممد على الرمال قريبا من عشته، ورمحه مغروس في الرمال والشبكة مكومة كما اعتاد وضعها...كل شيء حوله ينبئه بأنه لم يتحرك من مكانه... ولكن إن لم يفعل فمن أين أتى التمثال الذهبي...؟!