هل الإسلام هو سبب تخلفنا؟

محمد لفته محل
2018 / 1 / 1

بعد أن حكمت الأحزاب الإسلامية الطائفية العراق ما بعد عام 2003 على يد الاحتلال الامريكي، وما احدثته من تقسيم طائفي للمجتمع ادى لحرب أهلية طائفية قتلت الآلاف من العراقيين ظلما، خلفت رد فعل سلبي من كثير الشباب لرفض الإسلام كحزب او كدين، ووجد بعض هذا الرفض ضالته في مواقع الالحاد على الانترنيت التي تهاجم الإسلام كدين. وتم تحميل الإسلام مسؤولية تخلفنا او انحطاطنا الاجتماعي والحضاري بالاستشهاد بنصوص وفتواى وتصريحات لرجال دين كانت تحرّم او تكفر الانفتاح الحضاري على الغرب وضد والتقنيات والنظريات الحديثة، أو تتعارض مع حقوق الإنسان والنظرية العلمية. فهل الإسلام سبب تخلفنا؟ فالنناقش هذه السؤال.
إذا قلنا أن الإسلام هو سبب تخلفنا، فإننا سنفترض انه الحاكم اجتماعيا في كل شيء، فهل كل العراقيون يصلون؟ اذا كانت الصلاة مقياس الايمان بالإسلام؟ وماذا نقول عن تعاطي كثير او بعض العراقيين للخمر والمخدرات والرشوة والمحسوبية وهي محرمة اسلاميا؟ ماذا نقول عن النهوة والفصلية والثأر العشائري الممارسة اجتماعيا والمحرمة اسلاميا؟ ماذا نقول عن الغيبة والنفاق والكذب والغش المنتشرة اجتماعيا في العراق وهي مرفوضة اسلاميا؟ ماذا عن العلاقات الجنسية الشائعة على الهواتف بين الشباب؟ فإذن كيف لنا أن نفترض ان الاسلام هو الحاكم لكل شيء؟ ثم نستنتج انه سبب تخلفنا! واذا نزعنا الدين من المجتمع فهل سينصلح المجتمع؟ سنواجه العشيرة امامنا مباشرة بكل ما فيها من عادات وقيم سلبية وايجابية التي ذكرت بعضها والقائمة على التمييز بين الناس (جماعتنا وجماعتهم) وترفض كل ماهو دخيل وجديد غالباً؟ وهل كان العرب الوثنيون افضل حالا قبل الاسلام؟ أم أن الايزيديون والصابئيون العراقيون هم افضل حالاً من المسلمين العراقيون؟ فأين اللوم يقع بعد هذا؟ على الدين ام على المجتمع؟ انها على المجتمع قطعاً. يقول (روبتسن سميث) أن الواجبات التي تفرضها صلة الدم كانت هي الواجبات التي تحظى بالتقديس المطلق. وكان المجتمع الديني الأصلي هو الجماعة العرقية، وكانت فروض القربى تمثل جزءا من الديانة. وتتأكد الصلة البدائية بين الدين والقربى باقتصار الكهانة على رجال من نفس العشيرة أو العائلة وهي حالات كانت شائعة بين الساميين والعالم القديم.(1) والاصطفائية من أوضح سمات الديانة القبَلية؛ فالإنسان مسئول أمام إلهه عن أخطائه التي يقترفها في حق افراد عشيرته، لكنه قد يغش الغريب أو يسرقه أو يقتله دون اعتداء على حرمة الدين. فالإله لا يرعى إلا قومه.(2) وآلهة العرب كانت في الأصل آلهة عشائر بعينها وأن رباط الدين كان يعد امتدادا لرباط الدم.(3) فالعنف الديني هو ذاته العنف العشائري، والتمييز الديني هو ذاته التمييز العشائري ضد العشائر الأخرى (اني وابن عمي عالغريب) والفتوح والغنائم في اصلها هو الغزو العشائري للمدن، وتاريخيا فإن العشيرة العربية أقدم من الإسلام الذي تأثر بها؛ ان الدين تابع للمجتمع وليس حاكما عليه، يرتقي بارتقائه وينحط بانحطاطه، لذلك نرى الاسلام يتغير كممارسة باختلاف المجتمعات وهكذا نرى (اسلام مدني) في تركيا واندنوسيا، واسلام بدوي في الخليج، واسلام ريفي في مصر، واسلام فارسي في ايران وهكذا(4). ومن يقول ماذا نفعل تجاه النصوص الدموية الصريحة؟ اقول ان المجتمع هو من يبعث النص للحياة وهو من يميته، فمثلا زواج المتعة عند شيعة العراق، وزواج العرفي عند سنة العراق كلاهما ممنوع من الممارسة بسبب الرفض الاجتماعي له، وكذلك احكام قتل تارك الصلاة وقتل اتباع الاديان غير الكتابية غير مطبقة، لان التأييد الاجتماعي لها غير موجود، وهكذا بقية الاحكام التي يسميها الفقهاء معطلة بسبب عدم الدعم الاجتماعي لها مثل فقه العبودية والإماء، لذا فالنقد يجب ان يوجه للمجتمع وليس الدين، والمجتمع هو من يجب ان يتغير حتى يتغير الدين.
ومن يقول ان تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) طبقت كل هذه الاحكام مع وجود تأييد شعبي لها، اقول ان (داعش) طبقت هذه الاحكام بقوة السلاح ليس الا، بدليل هروب الالاف المسلمين من دولتهم الاسلامية في محافظة (الموصل) او (الرقة)؛ والذين يدعموهم بالمقارنة بمن يرفضهم اقل بكثير، واصور ان مؤيديهم هم من لايسكنون في دولتهم الإسلامية انما ايدوهم عن طريق الاعلام فقط. ولاننسى ان بعض او كثير من السنة اعتبر داعش مؤامرة أيرانية ضد السنة. وقد قامت (داعش) بإعدام المئات من الفارين والمهربين بقسوة، وهذا دليل على ضعف التأييد لهم.
ليس الغرض من هذا المقال الدفاع عن الاسلام بقدر مناقشة فرضية شائعة بين اوساط بعض العلمانيين ارى انها لا تنهض على ادلة تؤيد صدقها.
__________
1_روبتسن سميث، محاضرات في ديانة الساميين، ترجمة: د. عبد الوهاب علوب، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، 1997، ص46.
2_نفس المصدر، ص52.
3_نفس المصدر، ص46.
4_حين اقول اسلام مدني فاعني ان شعبه ليس لديه تمييز ضد الاديان الاخرى ويتعايش معها، ولايجد هذا المجتمع مشكلة في وجود محلات لبيع الخمر ونوادي للرقص، ولايفرض الحجاب على المرأة أو يمنع اختلاطها، ولا يطالب بتطبيق الشريعة أو الحدود (الرجم، قطع يد السارق، قتل تارك الصلاة والمرتد والمجدّف الخ) ولا يخرج في مظاهرات ضد هذه المظاهر المدنية، وينتخب احزاب علمانية. وحين اقول اسلام بدوي فاعني شيوع السلفية التي ترفض السلوكيات الحديثة وتدعوا للأحكام النبوية او الراشدية القديمة، وتشدد على حجر المرأة وعدم وتعليمها وتغطيتها من الرأس لأصابع القدمين، ويلبس الرجل الجلباب واطلاق الذقن، وتطبيق الشريعة في كل شيء، لقيام دولة اسلامية على غرار الخلافة، لتطبيق الحدود. ويشبه الاسلام الريفي الاسلام البدوي مع التركيز على العالمية وتعليم الاعضاء تعليما اكاديميا كما في حالة الاخوان المسلمين. اما الاسلام الفارسي فهو الاسلام القومي الايراني المدفوع بنزعة مركزية للتسيّد على العرب.