بنية العراق وتهافت المنظور الغربي (2)

عبدالامير الركابي
2017 / 12 / 31


في الوريقات القليلة التي عرفت بمذكرات الملك فيصل الاول، مؤسس الملكية المركبة من الخارج و"غير العراقية" الحديثة، يرد التالي : " كل ذلك يضطرني ان اقول بان الحكومة اضعف من الشعب بكثير. ولو كانت البلاد خالية من السلاح، لهان الامر، لكنه يوجد في المملكة مايزيد عن المائة الف بندقية، يقابلها 15 الف جكومية، ولايوجد في بلد من بلاد الله حالة حكومة وشعب كهذه" تاريخ الوزارات العراقية عبدالرزاق الحسني/ ج3/ ص 325 / وقد تكون هذه اقرب التحسسات المعرّفّة حسيا، بواقع بلاد ظل ادراك كينونتها البنيوية متعذرا، بعد مرور سبعة الاف عام، والى اليوم. كانها تتحدى العقل البشري عند نهاية الازمان، فالملك هنا ومن دون وعي منه، يقرر وجود دولتين، ليس بمقدوره ولا مايناسب طاقته، وبالاصل ليس من اختصاصه،التأشير على مجاليهما، وهو بلا شك ابعد من ان يقر بان السلاح الذي بيد الشعب خارج الحكومة، هو سلاح دولة اخرى، دولة هي التي تسببت بوجوده، ووجود مملكته، بعد ان اضطر الانكليز للانقلاب مرغمينن، على نظريتهم الاستعمارية الهندية المتغطرسة، التي حضروا الى العراق متسلحين بها ( كتبت المس بيل في رسالة لها تصف حال الجيش البريطاني خلال ثورة 1920 تقول "ان نهاية الامبراطورية الرومانية، تعتبر اقرب حدث تاريخي يقارن بوضعنا في الوقت الحاضر"/ كوتولوف / ثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق، مراجعة عبدالرزاق الحسني، ص 130 هامش رقم 19، دار الفارابي )، لينتقلوا لمبدا استعماري جديد، قاعدته "الحكم من وراء ستار"، اي اجتراح انقلاب كوني في المسار الكولونيالي الاستعماري، نحو ماصار يسمى لاحقا في الستينات ب"الاستعمار الجديد".
ويمكن ملاحظة طغيان المنظور الاحادي في الدول والمجتمعات، من اصرار الملك " المؤسس" على اعتبار نفسه " دولة" وطنية، مع ان سياقات مايقترحه ضمن اجمالي وريقاته المعتبرة "مذكرات"، هو خطاب في التعامل من قبل "دولة مع وقف التنفيذ"، وهذا الجانب لم يكن يشمل انشغالات الملك فيصل الاول فقط، فمهمة "فبركة العراق"، تضافر على اكمالها حشد كبير، من ضباط الحملة البريطانية مثل ويرلند، ولونغريك، مع كل من ينتسبون للافكار المستعارة، من ابناء البلاد، من شيوعيين، وقوميين، وليبراليين، عجزوا عن رؤية العراق كما هو، فهربوا الى استغلال تعذر تعبيره عن الذات، ليصطنعوه وفق الوصفة الغربية المهيمنه نموذجا ومنهجية.
وعلى مثل هذا الايقاع، حكم على العراق ان يعبر زمن اختلاقة، باعتبار الدلالات السارية في المنطقة والعالم، ليقابلها من جهته وواقعيا، بقوة حضور مفعوله في الواقع، مع استمرار فعل قوانين الازدواج التاريخي، بالاخص بما يتعلق باللاثباتية واللااستقرار، فالطور الملكي 1921 /1958 عرف على سبيل المثال 59 وزارة، احداها لم تدم سوى ايام معدودات، كما عرف 16 مجلسا نيابيا، لم تكتمل سوى دورة واحده منها، مدتها اربع سنوات، كما اعلنت الاحكام العرفية فيه 16 مرة، وقام فيه عام 1936 اول انقلاب عسكري في العالم الثالث، مدشنا ماعرف بظاهرة الانقلابات، ودور العسكريين في العالم الثالث، كما كان البلد الاول الذي استهلك فيه اسلوب الانقلابات العسكرية، وخرجت من الفعالية، لتستبدل بالحزب العقائدي، بعد ان ثبت منذ ثورة تمور 1958،انعدام اهليتها وقدرتها على الامساك بزمام الامور، وفي العراق احتلت الشيوعية وحزبها، مكانا استثنائيا، انما بناء على المقتضيات والقوانين الازدواجية لا الطبقية المتوهمة، ولاسباب تتعلق بغياب التعبير عن الذات، والحاجة لاطار مناسب بمواجهة "الدولة الحديثة"، قبل ان يجري منذ عام 1963 / 1964 "تكريد الحزب"، ضمن سياقات الانتقال من الانقلابية العسكرية، الى العقائدية الحزبية، مع نواتها العشيرية، ودمها الريعي، ماقد تجسد اخيرا في انقلاب 1968 / و"الجبهة الوطنية والقومية التقدمية"، التي هي جبهة الكرد الشيوعيين، او "بعثثي الجبال" كما كان مرسوما لهم ان يكونوا من قبل قوى الثنائية القطبية.
ولا داعي لان نذكر تعداد الحكام والملوك المقتولين، مقابل اولئك الذين ماتوا ميته طبيعية خلال القرون الثلاثة المنصرمة، انما من الدال ان نعرف بان مثل هذا الايقاع، لم يتوقف بعد قيام الدولة الملكية، بعد ان اضيف للسجل، مظهر السحل، واكل لحم الملوك في الطرقات، وكل هذا مما يتعدى نطاق وحدود الاحاطة المنهجية والمفهومية الغربية السائدة، والمهمينة عالميا، وهو ما ساهم في ادامة غمط الظاهرة المتصلة ببنية العراق التاريخية المتفردة، وجعلته هو بذاته، المصدر الاول المنتظر تحرره من وطاة القصور العقلي، بازاء الحقيقة الذاتية الكونية.
والاشارة هنا الى الضرورة الكامنه في الفعل العراقي الملائم لطبيعة الكيان، تتعدى حتما كل انماط التفكير المتعارف عليهان منذ الدورة الحضارية الثانية ومنها وفي نهايتها، الظاهرة الغربية الحديثة، بعد القرن السابع عشر، الموافق لبدء التشكل العراقي الثالث الراهن، واكتشاف القارة الجديدة الامريكية، وبدء تحلل الامبراطورية العثمانية، والثورة الصناعية الاوربية، وهي الظواهر الاربعة التي احتواها قرن التاسيس للانقلاب الكوني الثالث الراهن، بغض النظر عن انماط السردية التاريخية الكونية كما يكرسها "علم التاريخ" الاوربي الحديث، مع تعداداته التراصفية والتتابعية، لانواع الحضارات، كانها لقى في المتحف ( يعدد توينبي 16 حضارة، على حسب نوع تميزها، مع اغفال لوحدة الفعالّية) مايعني تواقت احتمال الثورة المعرفية العراقية على الذات المضمرة، مع مايناظرها، وكان متوازيا ومتفاعلا معها، على مدى التبلورات المنتمية لعالم "الرباعية" مابعد الغربية، كما اشرنا لها سابقا.
هذا ومما يعزز الاقتناع بالاحتمالية، وبقوة مفعول الضرورة الكونية الراهنة، وصول عملية اللاثباتبة واللامجتمعية العراقية المنفتحه على افق ماوراء المجتمعية، مايعاش اليوم سواء من مسلسل الحتمية، المستمر منذ قرابة نصف قرن، عودة الى الانقلاب الحزبي العقيدي عام 1968 والمذبحة التمهيدية في شباط ،1963 او المذبحة التكميلية بحق الشيوعية المتصلة بفاعلية مجتمع اللادولة، من لدن الشيوعية التكريدية، في المؤتمر الرابع للحزب عام 1985، وقبلا الحرب العراقية الايرانية 1980 / 1988، ثم الحرب الامريكية الاولى عام 1991 ( القر على العراق وقتها 80 الف طن من المواد المتفجرة، بما يعادل ست قنبال هيروشيما) ليتبعه حصار اقتصادي دام مابين 1991 الى 2003، هو الاقسى الذي عرفته دولة في التاريخ، ثم الغزو الاحتلالي الامريكي، الذي القي فيه على العراق مايزيد على الكمية التي القيت في حرب 1991 من مواد متفجرة، مضافا اليها هذه المرة اليورانيوم المنضب، تبع ذلك مباشرة، سحق "الدولة الحديثة" التي اقامها الغرب بعد 82 عاما من تاريخها، مع كل مايعنية ذلك من تحلل عام، ومن صعود قوى ماقبل الدولة، المنبعثة من تحت مطحنة الدولة التي اقدم الغرب الذي اقامها بنفسه عام 1921على ازالتها، ليتعرف العراق وقتها على مقاومة مسلحة جزئية، غاية في القسوة، مع بدء عمليات التفجير، وموجة الانتحارين، فتستمر لسنوات اتبعت عام 2014 بحضور "داعش"، وماتبعها من احتراب من نوع يقارب الحروب الاهلية وفظاعاتها، شمل قرابة ثلث البلاد، واستمر لثلاث سنوات، تواقتت مع اواخر موجة انفجارات كانت قد وصلت قرابة 60 الف انفجار، تساوي اكثر مما عرفته الكرة الارضية خلال نصف قرن من انفجارات، ضحاياها اكثر من ضحايا حرب بين دولتين، حتى وان كانت اطول حرب بين دولتين بعد الحرب العالمية الثانية، كما هي الحرب العراقية الايرانية.
ولعل هذه الوقائع الجهنمية المتواصلة، تبيح لاي مدقق في الظاهرات المجتمعية، الذهاب لاطلاق تعبير "المجتمعية الجهنمية"، على حالة معاشة، تنتمي الى العصر، والى زمن تداعيات الانتقال الاعظم، نحو ماوراء غرب، والى حيث "ثباتية" الدولة، والنمط المجتعي المستقر الاجتراري على الطريقة المصرية، ليست هدفا للعملية المجتمعية، بقدر ماتكون ماوراء المجتمعية، بما هي خاصية للعملية المجتمعية التاريخية، التي ننوه بها هنا، ونخص بنية العراق بها، من دون اي تكوين مجتمعي اخرمعروف على مستوى الكوكب.
ـ يتبع ـ