أفريقيا 2017 .. الحكومات فى خدمة الطغم المالية

عصام شعبان حسن
2017 / 12 / 30

عصام شعبان

قبل أيام استضافت مدينة شرم الشيخ المصرية، مؤتمر "أفريقيا 2017" وهو المؤتمر الثاني من نوعه، حيث سبقه مؤتمر أفريقيا 2016، وبلا شك فإن تعزيز التعاون بين دول القارة غاية في الأهمية، خاصة في ظل ضعف التعاون الأفريقي الأفريقي قياساً بحجم التعاون الأفريقي مع الكتل الاقتصادية الكبرى كالصين وأميركا والاتحاد الأوروبي الذين يسيطرون على موارد القارة وسوقها.

إضافة إلى ذلك أصبح التعاون المصري الأفريقي ضرورة اقتصادية ملحة بما يمتلكه من فرص تنمية، وصمام أمان سياسي. إذن التعاون فريضة الآن، خاصة بعد ما شهدته العلاقات المصرية الأفريقية من تراجع لفترة طويلة، بعد أن لعبت مصر خلال الستينيات دوراً اقتصادياً تنموياً عبر إنشاء عدة شركات مصرية كان لها امتدادات أفريقية، وساندت معظم حركات التحرر الوطني.

وتبرز أهمية التعاون الاقتصادي الأفريقي بكونه طريقاً يمكن أن يحقق ما تحتاجه الشعوب من فرص عمل، وسلع وخدمات، وسيساهم ذلك في حال تحققه في حفظ الأمن الاقتصادي والسياسي والحد من نسب الفقر المرتفعة، وانطلاقاً من هذه الرؤية يمكن مناقشة المؤتمر الأخير، وهل مثل بما تضمنه من خطاب وتوصيات ومشاركين خطوة حقيقية في طريق تحقيق التنمية والكفاية للشعوب.

اختارت مصر بوصفها الدولة الراعية عقد المؤتمر بشرم الشيخ، لدعم الثقة في حالة الأمان والاستقرار السياسي الذي يساعد فى تدفق الاستثمارات، وكمحاولة لتجاوز التحديات الأمنية بسيناء، التي شهدت عمليات إرهابية عديدة، بالإضافة إلى جاهزية شرم الشيخ لاستقبال المؤتمر بما تمتلكه من مراكز للمؤتمرات، وكونها مدينة سياحية سيساهم المؤتمر في إعادة الاعتبار إليها.

شارك بالمؤتمر ما يقارب 1500 من رجال الأعمال وممثلي الحكومات والبنوك، وممثلي بعض الهيئات الدولية الاقتصادية كالبنك الدولي وصندوق النقد، بينما نظم المؤتمر وزارة الاستثمار والتعاون الدولي والوكالة الإقليمية للاستثمار التابعة لمنظمة الكوميسا، وضم المؤتمر جلسات عديدة، منها ما ناقش قضايا الصناعة وأدوار المرأة الاقتصادية وزيادة فرص الاستثمار والتمويل، وريادة الأعمال وقضايا الشباب.

ويتضح من نوعية المشاركين وجدول الأعمال أهداف المؤتمر الذي عبر عنها بوضوح عنوانه "التجارة والاستثمار لأفريقيا ومصر والعالم"، فمن حيث الحضور كانت الغلبة لرجال الأعمال الذين طالبوا بتسهيلات لزيادة استثماراتهم سواء في مصر أو أفريقيا، وغلب على المؤتمر نقاشات تخص فرص التمويل، الأمر الذي يعزز من طبيعة الاستثمارات المالية، وهي استثمارات تستهدف الربح السريع، وتصب في النهاية لصالح الجهات الممولة، كما تفرض الهيئات المقرضة شروطها في ما يخص التمويل، الأمر الذي يشكل مخاطر عديدة.

وبهذه الطريقة يحتل الاستثمار المالي الساخن، محل الاستثمارات الإنتاجية الأكثر أهمية والتي تحتاجها شعوب أفريقيا بشكل اكبر، خاصة وأن أفريقيا هي أكثر القارات التي تعاني الجوع والعوز، ليصل في بعض الحالات إلى حد المجاعات، وهنا تتضح إشكالية المؤتمر وتوجهاته، التي لا تنطلق من الحاجات الضرورية للشعوب، وتستهدف تعظيم أرباح مؤسسات التمويل، سواء كانت المؤسسات الدولية كالبنك الدولي، أو مؤسسات أخرى كالبنوك المحلية.

ومن ضمن الملاحظات على ما تضمنه المؤتمر، أنه ركز على استثمارات تتعلق بالبنية التحتية والعقارات والإنشاءات والطرق، أكثر من توفير مستلزمات الإنتاج، أو إقامة المشروعات الإنتاجية، وهنا أيضاً يتضح أن التوجه الأساسى ينطلق من فكرة عوائد الربح وحسب، وليس ما تحتاجه القارة وشعوبها من نوعية الاستثمارات.

وإذ كان المؤتمر ناقش فكرة النمو المستدام، وأدوار الشباب والمرأة، فإنه لا إمكانية إلى حل إشكالية تمكين الشباب والنساء إلا عن طريق زيادة فرص التشغيل، وهذا يتطلب بطبيعة الحال تشجيع قطاعات الإنتاج سواء الزراعية أو الصناعية، والتي تتوفر في القارة الأفريقية على إمكانيات هائلة بحكم ما تمتلكة من عناصر إنتاج تتمثل في مساحات ضخمة قابلة للزراعة، وتوافر إمكانيات التصنيع، كالمواد الخام، أضف إلى الثروة البشرية، وتنوع المناخ، وموقع القارة الذي يساعدها في أن تكون مركزاً تجارياً ضخماً.

لكن تلك الإمكانيات لم توظف في مناقشات المؤتمر، لتلبي الاحتياجات الحقيقية لشعوب القارة، وبالتالي تبقى القارة تحت استعمار اقتصادي من نوع آخر، بعد أن تخلصت من أشكال الاستعمار القديم، اليوم أصبحت القارة ملعباً للاستثمارات واستغلال اقتصادي وسياسي متنوع الأوجه، فيمكن أن نرى التغلغل الإسرائيلي في القارة وهو ما يمثل خطورة على الأمن القومي العربي، بالإضافة إلى الوجود الإيراني والفرنسي والصيني، حيث تحولت أفريقيا من الاستعمار القديم الى استعمار معولم تقوده الشركات، ويسيطر عليها ملياردرات جدد.

أما فيما يخص توصيات المؤتمر فقد جاءت شديدة العمومية، أقرب إلى الأماني من كونها أهدافاً أو خطة محددة، كما تضمنت خلطاً للمفاهيم ما بين النمو والتنمية، وبعضها ركز كما أشرنا إلى الاستثمار في مجالات البنية الأساسية، كما جاءت التوصيات لخدمة القطاع الخاص والطغم المالية، الأمر الذي يكشف الهدف الأبرز وهو دعم نفوذ رجال الأعمال واستثماراتهم كبديل عن دعم استثمارات الدول وخلق تنمية للشعوب، التي من المفترض أن تكون هدفاً لمؤتمر دولي يجمع ممثلين عن حكومات بل ورؤساء دول.

الأمر المثير للغرابة أن تتحول الدول إلى خادمة لإفراد متنفذين، يمتلكون المليارات ويستغلون شعوب القارة لزيادة ثرواتهم، ولعل مشهد المستثمرين القادمين بأطقم الطائرات الخاصة بهم أمر دال في هذا السياق، وهذا يعود بنا إلى فكرة أساسية من المستفيدين من المؤتمر، وهل التخديم على مصالح رجال الأعمال كبديل للحكومات يخلق تنمية حقيقة، وهو سؤال إجابته تتضح بحكم أن هذا النمط من التنمية المزعومة لم يتحقق، فرأسمال الخاص والاستثمار الفردي يسعى دوماً للربح وهو قانونه الأعلى حتى ولو كان على حساب الشعوب للسلع والعمل، وهو نمط اقتصادي يتسم بالنهب.

وإذ تأملنا أعمال أبرز مليارديرات أفريقيا سنجد أن أعمالهم تتركز في الاستثمار المالي وقطاع الإنشاءات والتشييد والاتصالات والمضاربة، وهو ما طرح في المؤتمر، حتى أن هناك أصواتاً دعت الأفارقة الى شراء بعض أسهم الشركات العامة التى ستطرح فى البورصة مستقبلاً.

لم يضف هذا المؤتمر إلى أهداف التنمية شيئاً يذكر لأنه معني بشكل أساسي بتوسيع نفوذ أصحاب الاستثمار المالي وهيئات الإقراض، ولا يركز على ما تحتاجه الشعوب بقدر اهتمامه بما تحتاجه الهيئات الممولة ورجال الأعمال، وهذا يتضح من نتائج المؤتمر الملموسة وهو إنشاء مراكز لخدمة المستثمرين، أو الاتفاقيات والتي منها صرف الشريحة الثالثة لقرض صندوق النقد الدولي لمصر والتوقيع على قرض بقيمة نصف مليار دولار بين البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد والبنك المصري لتنمية الصادرات.