بنية العراق وتهافت المنظور الغربي(1)

عبدالامير الركابي
2017 / 12 / 25

عرف العراق مع غيره من بلدان العالم والمنطقة، اثار نهضة الغرب الحديثة، وانعكاسها، وبالاخص منها هيمنه نموذجها في الدولة والثقافة، والمنظور الاجتماعي والسياسي، وظل العراق نسبيا متاخرا من حيث الاسهام فيما عرف اعتباطا"بعصر النهضة"، فلم ينتقل ليصبح جزءا منها، او يحاكي ايقاعها بالاطار العام، الا في القرن العشرين، بعد تمهيدات شاحبة ومحدودة الاثر. ولاينعزل هذا المظهر عن خصوصية تاريخ العراق الحديث، مقارنة بغيره على مستوى المنطقة، اما مظهرالخصوصية الاهم والاخطر، فكان قد تاتى من حدة التصادم بين المنظور الغربي المستعار، والواقع التاريخي البنيوي العراقي.
وهو ماقد ادى في الثلاثينات، لنشوء نزعة ايديلوجية مستعارة، ومنقولة، بدل الاتجاه للبحث في الاليات الخاصة الوطنية، ولان الصراع الاجتماعي، وبالاخص مع الاستعمار الغربي الحاضر مباشرة بعد عام 1920 ،كان محتدما للغاية، والوضع مشمول بالديناميات التاريخية المستفزة والمتضاعفة وتيرة، بفعل الوافد الجديد، فلقد امكن وقتها، لحركات ايديلوجية منظمة ان تقوم ويتسع نطاق حضورها خلال زمن قياسي، فحظيت بقدر غير متوقع من المكانة، لم تكن متاتية من تطابق وجودها، او منظورها وصياغاتها التنظيمية العملية مع الواقع. بقدر ماانها جرى توظيفها من قبل واقع، يفتقر الى التعبير المطابق. مع استمرار تعذر " وعي الذات التاريخية".
وترد هنا بالطبع، اشكالية تخص مسالة الاعتقاد البديهي الشائع، عن كون " الغرب يجب ماقبله"، او انه يلغيه، بالاخص بناء لنظرية ماركس الطبقوية، فعل اية اليات تاريخية خارج المركز الاوربي، ومثل هذا الراي يعتبر بديهيا بالنسبة لمجتمعات احادية التكوين والطابع، بما في ذلك ارفعها واعلاها دينامية، اي المجتمع الاوربي، مقارنة على سبيل المثال بمجتمع عريق احادي، وجد كاقدم ممثل لنمطها، هو مجتمع وادي النيل، الاحادي المغلق، السكوني. وهذا المجال الحضاري، ليس من خاصياته هو ايضا، القدرة على اخترق السقف المتاح له تفكريا وعقليا، بحيث يرتقي لمستوى نمط اخر من التكوينات المجتمعية، هو "المجتمع المزدوج" الرافديني، بدوراته الثلات: الاولى السومرية البابلية، والثانية العباسية القرمطية، والحالبية المبتدئة منذ القرن السابع عشر، مع ظهور اولى التشكيلات المجتمعية الحديثة بصيغة اتحادات قبلية، كان اولها واهمها "اتحاد قبائل المنتفك" السومري الحديث.
وبحسب الملاحظة، فان ماعرف حديثا منذ القرن التاسع عشر في اوربا من بدايات تاسيس لعلم الاجتماع، لم يكن مؤهلا لاستيعاب نمط من المجتمعات الكونية التاريخية، مثل مجتمع الازدواج، مع كل مايمتاز به تاريخيا من لاثباتية ولا استقرار على مستوى الدولة والمجتمع، ومن انفتاح وصيرورة مستقبلية، توحي باللامجتمعية، الامر الذي يمثل بالاحرى وينطوي على مقومات ثورة اخرى، تنتمي الى عالم "مابعد غرب"، وهو مايبدأ العراق اليوم ومن هنا فصاعدا، تلمسه بعد ان قام الغرب بتدمير وسحق ماكان قد اقامه مضطرا من تدابير تشابهه مفهوميا، وعلى صعيد المؤسسات، فاقدم على تدمير دولة عمرها 82 عاما، لقناعته بفشل مشروعه، وانفتاحه على احتمالات غامضة، اصبحت غير قابلة للحساب بناء على المتوفر من ادوات الرصد والتحليل المتوفرة في الغرب.
هذا المروي غير المتعارف عليه من سردية للتاريخ العراقي الحديث، يجعل من حقبة الايديلوجية الحزبية، ومااحاط بها من اشكال التعرف الاستشرقي المستعار، من قبيل المقدمة، والتاريخ التصادمي، بين البنية التاريخية الازدواجية العراقية، وانعكاسات المشروع الغربي المستعارة، والمؤقته، مايتطلب توزيعا للتاريخ الاقرب على حقبتين:
ـ الاولى حقبة استعارة مفهومية ومؤسساتية غربية.
ـ والثانية حقبة الشروع في التعرف على الذات، واستعادة الفعالية الحضارية في المحيط والعالم، كما هي الوتيرة المتناسبة مع موقع ودور ومكانة هذا الموضع تاريخيا.
ولن نذهب لوصف قوى الاستعارة المفهومية الايديلوجية، والوطنية الحزبية الماركسية والقومية والليبرالية، بقوى " العمالة المفهومية"، الا انها في الواقع قد لعبت مثل هذا الدور اجمالا، الا اذا اعتمدنا لها عذر"التعذر/ الاستحالة" فالانسان اجمالا، ليس مؤهلا دائما لوعي ذاته وخصوصياته المجتمعية، والتاريخ الاوربي، ظل الى القرن التاسع عشر، تاريخ قصص ملوك، وابطال واساطير، قبل ان تظهر الماركسية، وعلم الاجتماع الحديث، والعراق ببنيته الاعلى من بين البنى المجتمعية المعروفة على وجه الكوكب، ماكان ليصبح متاحا اكتشافه من لدن مجموعات، لم تكد تصبح متعلمة على المنهاج الغربي، ضمن واقع منهار، لم يخرج بعد من تحت وطاة الانقطاع الحضاري الثاني 1258 / القرن السابع عشر/( من خاصيات تاريخ العراق وينيته، تعرضه لحالات انقطاع تاريخي حضاري بين الدورات، كانت الاولى قد استمرت من سقوط بابل 539 الى الفتح العربي 636 ، وعلى الوردي يسميها جهلا، فترات طغيان البداوة، متناسيا انه يتحدث عن ارض مابين النهرين، حيث معضلة الانسان الماء وليس الصحراء، ولاتعد تلك سوى واحدة من تهافتات الاشتشرق والاستعارة المزرية الساذجة) فكان ماحظيت بع النخب الجديدية، من التلقي، يتداخل مع صعوبة واستثنائية واقعها، فينتج سلوكا متوقعا وعاديا، من الطبيعي ان يتحول الى نوع من "القناعة الزائفة"، من غير استبعاد منحى " الايمانية الموروثة،، في واقع طبيعته عقيدية، فمن نتحدث عنهم، ماكان لهم ان ياخذوا من الغرب سوى دروسه الجاهزة، ليمزجوها بواقعهم المعاش الراسخ، لينتج عن مثل هذا الخليط، تعصب عقيدي لما يضاد كينونتهم الفعليه غير المكتشفة.
ولم يكن هذا الطور من التاريخ الحديث ، يشبه ايا من تلك التي تناظره في المنطقة المعروفة بالعربية، الى الغرب، فلهذه سياقات تشكل منظوراتها الاستعارية الموافقة لبنيتها وكينونتها التاريخية، ولدورها الذي اضطلعت به تاريخيا، كبنى احادية، وتابعة لفعالية مركز الفعل الحضاري وبؤرته في ارض مابين النهرين، كذلك فان تاريخ العراق الحالي، خلال ماانقضى من دورته الثالثة، لايناظر سياقات الحاصل في الجزيرة العربية، حيث النكوص عن الاسلام بالغاء الارادة او فعل "الغائية الكونية العليا" بافتراض "محو التاريخانية" التي هي من صنع المطلق وتعبير عن ارادة الخالق الذي قررها، وابتداء سيروه اخرى كاذبه، في غير اوانها الزمني والموضوعي، مقترحين اسلام طور انهيار ابن تيمي، من منتجات مابعد انهيار بغداد يسير عكس ارادة مصدر الدعوة الاصل.
ثمة تاريخ حداثة لمجال ومواضع وبلدان، كانت وماتزال تعيش ضمن ديناميات الطور الحضاري الثاني المنهار، وهي الابرز، اهمها " الوطنية المصرية" الاحادية، و" السلفية الجزيرية" الاتعادية الارادوية لما قرر الله ادراجه في الزمن ومفعولة، والتي تظل متصدرة وظاهرة مادامت بنية العراق غير مكتشفة، والياتها غائبة، وبانتظار بلوغ سيرورته ال "حديثة" المستمرة من القرن السابع عشر، والمستمر صعدا نحو هدفها المتمثل في "مابعد غرب" المشروع الانقلابي الكوني الراهن.
وسواء في ارض الرافدين نفسها، او في المنطقة والعالم، يلوح في الافق، بدء طور تاريخي جديد، ستكون ثورة تعرف العراق على ذاته المطموسة على مدى سبعة الاف عام، قاعدته واساسه.
ـ يتبع ـ