أين نقف من المرأة؟ وماهو لون غدنا؟

فلورنس غزلان
2017 / 12 / 24

أين نقف من المرأة ؟، وماهو لون غدنا؟
إنني موجوعة بالتراث، مع أنه يحتوي على الغث والسمين، لكن مجتمعنا ــ مع شديد الأسف ــ تمسك بالغث وهجر السمين، وراكَم فوقه طبقات من التخلف وطوفان من مزق دينية مشوَهة ومشَوِهة ...لا أساس لها من الصحة يحتمي مشَرِعوها وراء أوهام غزت مدارسنا ومساجدنا وانتشرت على أيدي أئمة يفوق جهلهم وعماهم " أبا جهل "ــ ذاك البريء من اسمه لو قورن بما يفعله آباء وأحفاد ...نبي الإسلام وورثة العادات التي ابتلينا بها ويعمل الكثير منا على تكريسها ، أو يقف منها موقف المسالم المستسلم ، لأنه بأعماقه يرفض الجهر ويفضل الاختباء ...لأنه يرى في الجهر " انتحار اجتماعي" !...مع أن الصدق والمنطق في الطرح والشفافية في الرؤيا ...تجعل من يقرؤك يشرع في التفكير والتبصر بدلا من الاستسلام..
والمرأة هنا هي حطب هذا الحاضر المريض المتشبث بالماضي والعامل على اجتراره ليظل شاهدة تقف على قبر مجتمعنا معلنة أننا شعوب لا تتطور ولا يعنيها من التطور سوى استخدام التكنولوجيا ،التي تخدم وسائل الترفيه وتنفخ جيوب المنتفعين من بقاء الحال على ماهي عليه...لأنها قبل كل شيء جاءت نتيجة جهد الاستبداد الأسدي ـ العسكري مخلوط بالديني الزائف والموَظَف في خدمة استمرار وعيش الاستبدادَين... فالوعي والتقدم والتفكير والوصول إلى حلول لمشكلاتنا الحياتية يعني الانتفاض على الاستبدادين والعمل على التخلص منهما، وهذا ما أملناه وانتظرناه من ثورتنا حين قامت، وابتدأت سلمية الوسيلة إلى أن تدخلت أصابع الأخوة والجيرة والدول المنتفعة والطامعة في استراتيجية المنطقة، وساعد تدخلها بشار الأسد في رمي طُعم التسليح للثوار ــ وإلا لماذا قتل السلميين واصطادهم واحداً تلو الآخر " غياث مطر، معن العودات، إبراهيم القاشوش....الخ"ــ فسقطوا في الفخ بمساعدة دولار البترول ...إلى أن تضخمت الفصائل وتعددت أسماءها ومراميها حسب مصادر تمويلها...
وعندما طال بنا الزمن ومرت علينا سبع عجاف وأرضنا منذورة للموت محزومة بالفقر والجوع والدمار، لابد لمن يعي فينا أن ينهض رغم كل علامات التيئيس ،التي جعلت معظمنا يسقط تحت عجلات الإحباط ويبدأ من جديد ويحاول ، لأن الأبواب والمنافذ مغلقة ولا سبيل إلى فتحها إلا بمعاول العلوم والمعرفة والخلاص من شِباك الخرافة والتطييف والابتزاز والتفقير يتلازم مع المزيد من مظاهر التدين والمزيد من مظاهر الإنحراف الأخلاقي كذلك ، وإن كان انحرافاً مخفياً يُطلى بكل أنواع الدهانات الدينية والتقليدية كي يحافظ على الوجود فقط ...وجود منقوص مجروح في كرامته ،في إنسانيته وفي وطنيته.
وتتكاثر على أطراف أحزمة الفقر والمخيمات قواقع وطحالب بشرية مدججة بلغة القبيلة ولسان الإمام الأجوف وسكينه المشرعة لذبح الجنس الأضعف ــ حسب منطق مجتمعاتنا طبعاً ــ " المرأة ، ابنة أو زوجة أو أخت" ...حين يعجز رب الأسرة عن الاقتصاص ممن يسلبه حقه أو يمس كرامته أو يجعل منه دوني النوع يقع في آخر سُلَم البشرية التي يحق لها أن تحيا حياة بشرية كريمة ، يحق للولي بيعها بالمزاد ، يحق له مقايضتها...كما يحق له إنهاء حياتها...لأنه يرى فيها جوهرة ثمينة حين تكون جميلة ذكية ...تسمح له برفع مستوى حياة الأسرة، أو عار وذل له ...لو استخدمها عدوه وعدو الوطن كوسيلة لمس شرفه ...وهو يعلم أن شرفه معلق فوق جسد هذه الابنة أو الزوجة أو الأخت...فتتحول من جوهرة إلى كبش للعيد لايستحق سوى النحر!، على من نبكي هنا؟ على أنفسنا ...على جنسنا، علينا كشعب لم يعد له من الحياة سوى مايجود به الإمبراطور الروسي أو الشاه الفارسي المعمم بعمامة الفقيه، أو مجرم العصر" بشار الأسد"، الذي فتك بشعبه، وأدخل كل زناة العصر لاغتصابه واغتصاب ماتبقى له من كرامة...والذي يزاود على داعش اليوم ببرنامج تربوي للمدارس يفوق مايفكر به " البغدادي والجولاني وعلوش" من حيث ترديه الفكري وإغراقه في عتمة التطرف الديني وتشبثه بماضٍ لايرتبط بالحاضر ولا بالحضارة وتطورها الإنساني .
صعقت عندما شاهدت الفيلم التسجيلي الرائع الذي أخرجته وصورته المرأة المخرجة " مانون لوازو" تحت اسم " الصرخة المخنوقة "وتم عرضه على القناة الفرنسية الثانية،...وقد بذلت جهدا كبيراً إلى أن استطاع هذا الفيلم أن يرى النور ويتحدث عن النساء السوريات المغتصبات في سجون الطاغية الأسد، ووثقته بشهادات حية ، بعضها بوجهها المكشوف واسمها الحقيقي ، وبعضها الآخر بوجه مغطى أو من الخلف....لكن بصوت الضحية ...وما حفزني على كتابة هذا المقال: هو ردود الفعل العمياء والمريضة التي انطلقت ...أعظمها قهرا وألماً ...هو قتل إحدى الضحايا من قبل والدها ...لأنه رأى فيها عاراً!!!، وكأنها دخلت السجن كما تدخل المومس أي ماخور! ، ويح أبوة تحمل شارب رجولة ترى في المغتصبة عاراً...العار يكمن في رجولة منقوصة ....في رجولة لاتستطيع أن تقف بوجه الجلاد لتحمي أو لتقول: لا ...وتريد من المغتصبة أن تكون ...عذراء بعد كل ماحصل لها!، ماهي العذرية يارجل العار ؟ وماهي الأبوة وماتعنيه هنا؟ ...ألم تدخل ابنتك السجن من أجل ارغامك أنت أو شقيقها على الظهور؟ لماذا لم تظهر لتحميها؟ لماذا لم تخفها عن عيون عسس الأسد؟ تباً لك ولمجتمع لا أري فيه سوى أن انتمائي له هو العار بعينه.
أما أن يرد المتفرجون من وطننا، بأن "هذا الفيلم يسيء لسمعة المرأة السورية ولصورتها"!!!
...كيف تكون السمعة والصورة برأيكم؟ بالكذب ، بالتدليس ...بجعل الخطأ يظهر صحيحاً؟ أم بإخفاء صوت الضحايا وإخراسهن؟...لا أتذكر هنا إلا شعارات البعث ...حين تقول :"على كل من ينتقد سياسته ، بأنه أساء لسمعة البلد وشوه صورتها!، وهذا يعني يجب أن يبلع المواطن السكين على الحدين ويتقن الصمت ...أنسيتم أنكم تربيتم على يد الأسدين ...بمملكة الصمت السوري؟ وأنكم ثرتم على صمتكم وصار لكم لسان ينطق ويجهر بالحق...فلماذا تريدون إخراس المرأة وإخفائها في البيت وحرمانها من العلم ومن الخروج ومن الحياة وممارستها بشكلها الطبيعي؟ ، لأن جسد المجتمع يحتاج لساقين كي يقف ويعيد بناءه من جديد ...والساقين هما الرجل والمرأة؟، وإن وقفت اليوم هذه المجموعة من النساء ليشهدن، وهن يعلمن ويكررن " أننا بحكم الأموات" لكننا لن نسمح للأسد ونظامه أن يعود للحكم، لأن معظمهن يعرفن أسماء بعض المجرمين الذين أُمروا بارتكاب جريمة الاغتصاب كسلاح استخدمه النظام وهو يعلم تماما ، أن هذا الأمر يعتبر " تابو" وأن الضحية لاتملك الجرأة في الإفصاح والتصريح ، ويريد كسرها ، تحطيمها كإنسانة ...مهمشة مجتمعياً ، تتحول للاشيء ..!وهذا يعني أن جريمتهم " كاملة ...تامة لاغبار يسمح بكشفها!، وقد استخدمه الأسد بقصد واضح وصريح ، وهو تدمير الأسرة السورية ورابطها الأهم ، المحبة وشد الأزر، وأردن بهذا الفيلم أن يرى العالم الذي يريد فرض الأسد على الشعب السوري، نوعية هذا المجرم وأن يجر مرتكبي ومبرمجي هذه الفظائع للمحاكم الدولية .
ــ باريس 23/12/2017