الخرزة.. قصة قصيرة

عامر هشام الصفّار
2017 / 12 / 12

ها هي تقف الآن في شرفة بيتها المطّل على المدرسة التي تعمل فيها مدرّسة لمادة الكيمياء لطلاب المتوسطة في حي المجموعة بالموصل..تتنفس بصعوبة ويتحشرج تنفسّها بصوت أنين نابع من قفصها الصدري الذي تحسّه في هذه اللحظة وهو لا يقبل الحراك.. تنظر بعينين يملؤهما دمع بارد.. تسأل نفسها: هل سينجح العلاج الجديد معي كما يؤملّني الطبيب في المدينة؟..كم بقي لي في هذه الحياة..؟ ترتجف شفتاها وهي تسمع ضحكات ابنتها الصغيرة التي راحت تلعب على مقربة منها.. سناء هي الزوجة الثانية للسيد عادل الذي يعمل في معمل السّكر في المدينة..تتذكّر نفسها عندما كانت صبية تعمل المستحيل في سبيل الأستمرار في الدراسة والتخرج من الجامعة.. كن صديقاتها بعيدين عن رغبة الدراسة الاّها هي.. لم تكن العائلة تشجعها على الأمر ولكنها واظبت. يقول عنها الناس أنها عصامية.. سعت لوحدها في مدينة محافظة.. وفي عائلة فقيرة.. كل ذلك يمّر الآن في خاطرها وهي تتمنى أن تكون قريبة الى زوجها... أينه يا ترى؟.. لماذا قرّر أن يذهب وحده الى بغداد في تلكم الأيام حتى يختطفه المجرمون وقطّاع الطرق.. ؟.. لم تسمع عنه شيئا منذ زمن.. حتى أقرب أصدقائه لا يعرفون ما حصل وكيف يكون الحل.. أسئلة تأكل رأسها كما غراب أسود يأكل في جثة عصفور ميت...ستأخذ نتائج تحليل خزعة ورم الثدي الى الطبيب وتنتظر ماذا سيقول.. هل يا ترى سيخبرها عن سرطان منتشر في جسمها.. ؟ تشعر منهكة طيلة ساعات دوامها ولكنها كانت تعزو ذلك لتعب نفسي بدأت تحسه يملأ كيانها منذ أختطاف زوجها عادل.. لم تخمن أنها ستصاب يوما بسرطان الثدي.. هل ستتحمل أدوية العلاج الكيمياوي التي تقرأ عنها... راحت ترسم المعادلات الكيمياوية لشوارد الدم من كلوريد الصوديوم المالح الذي يغذي الجسد الى حلقات تركيب شوارد البوتاسيوم وأيون الكالسيوم والفوسفات.. كيف سيتداخل كل ذلك في دمها فيجعل من كيانها نهشا للسرطان؟.. هل ستقاوم المرض.. ؟ والى متى..؟ ظروف المعيشة في المدينة لا تطاق والناس من حولها يعانون الأمرين.. تقرأ كل ذلك في عيونهم.. وفيما تسمعه من صديقتها سندس.... ما زالت طفلتها تلعب بخرزات ملونة كانت تطرّز فيها شالا بلون السماء.. موعدها مع الطبيب يقترب..وهي قد لازمها القلق.. نظرت الى أبنتها الوحيدة، وراحت تفترش الأرض معها فتلاعبها لعبة الخرزات الملونة.. كما كانت يوما تلعب مع صديقاتها في مدينة أم الربيعين..!